الثلاثاء 3 من رجب 1431 هــ   15 يونيو 2010 السنة 134 العدد 45116
رئيس مجلس الادارة
د.عبد المنعم سعيد
رئيس التحرير
أسامة سرايا
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | قضايا واراء
 
الخيط الرفيع بين المعارضة السياسية والمساس بهيبة الدولة المصرية
بقلم: د. مصطفى الفقى
د. مصطفى الفقى
2791
 
عدد القراءات

لا أدعي‏'‏ بداية‏'‏ أن الحياة السياسية في‏'‏ مصر‏'‏ وردية‏,‏ وأنه ليس في الإمكان أبدع مما هو قائم كما أنني شديد الإيمان بحق المعارضة في انتقاد أي نظام حكم والكشف عن أخطائه‏.

فتلك هي( ألف باء) الديمقراطية في الدولة الحديثة, ولكنني لاحظت في السنوات الأخيرة أن هناك خلطا متعمدا بين المعارضة السياسية_ خارجية أو داخلية_ ومحاولة العبث بمكانة' مصر' والمساس بهيبة الدولة, فلقد تجاوز البعض حدود النقد المباح إلي التطاول المستباح! خصوصا عندما يأتي الحديث عن دور' مصر' الخارجي أو مستقبل نظامها السياسي, وأنا ألفت النظر هنا إلي ما قد ينجم عن هذا الخلط من تداعيات تمس سلامة الوطن ومستقبل أجياله القادمة, ونحن هنا لا نطلق أحكاما عامة, ولكننا ندخل في جوهر الموضوع الذي نطرحه من خلال القضايا الآتية:
أولا: إنني أظن_ وليس كل الظن إثما_ بأن هناك استهدافا قويا لمكانة' مصر' ومحاولة مستميتة لتقزيم دورها تعتمد في ذلك علي بعض الشواهد المرحلية لكي تقوم بعض القوي الإقليمية بعملية إحباط واسعة تردد أثناءها حديثا مكررا عن تراجع الدور المصري, وأنا أعترف هنا أن لدينا بالتأكيد قصورا في عدد من الأولويات الحاكمة للمستقبل المصري, ولكنني أعود مباشرة لكي أقول إن ذلك لا يعني أن' مصر' جسد بلا روح, أو فيل ضخم حبيس حجرة صغيرة كما ردد البعض, بل إنني أري أن قضية الدور هي مسألة إرادية تبدو أكبر بكثير من مرحلة معينة أو فترة بذاتها, فالدور معطاة تاريخية وجغرافية وبشرية تلعب فيها عوامل الزمان والمكان والإنسان دورا أساسيا لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله تحت أية مسميات, لأن الأمر أعمق من ذلك بكثير.
ثانيا: لقد شعرت كثيرا بقدر من الاستخفاف بالمصريين في بعض دول المنطقة والتحامل عليهم والربط بين أوضاعهم الحالية ومكانة بلدهم الإقليمية, وما أكثر الحوادث_ حتي ولو كانت فردية_ التي تؤكد ذلك وتشير إليه, فأصبحت النغمة المتداولة في التعامل مع المصريين لا تخلو دائما من تيئيس ولا تبرأ أحيانا من تسطيح للمواقف والسياسات, وقد يأتي ذلك كله في سياق أسطوانة مشروخة تتحدث عن الشقيقة الكبري ودورها الريادي وحب العرب لها وحرصهم عليها وافتقادهم لدورها في هذه الظروف الصعبة.
ثالثا: عندما يأتي الحديث عن' مصر' يجري التركيز علي السلبيات وهي كثيرة, ويتم التجاهل الكامل للإيجابيات وهي موجودة أيضا فهناك محاولة انتقاء تحكمي لاختيار ما يسئ إلي' مصر' عموما ونظامها السياسي خصوصا بغض النظر عن الانجازات والتحولات والتطورات وفي ذلك ظلم حقيقي لمكانة' مصر' ووزنها الإقليمي, وأنا أظن هنا أن قناة الجزيرة_ وهي بالمناسبة أفضل القنوات العربية من الناحيتين المهنية والفنية في رأيي علي الأقل_ إلا أنها تمضي في تنفيذ مشروعها الإعلامي الذي يسعي إلي تغيير مراكز القوي في العالم العربي لتحجيم الدول الكبيرة فهي لا تتحمس لأي إنجاز مصري ولا ترحب بنجاح أي دور سعودي, وتقوم بعملية اغتيال حقيقي للمعطيات التاريخية والحقائق الجغرافية وتمارس ذلك بحرفية واضحة وذكاء شديد, ولابد أن أعترف هنا أنني من اشد المتابعين لها منذ نشأتها, ولقد لاحظت أنها تسعي لنقل مراكز القوي العربية من القلب إلي الأطراف, ولا بأس في ذلك إذا كانت تدعمه عوامل تاريخية وجغرافية وبشرية تشكل مكون الحضارة وليس مجرد تراكم الثروة.
رابعا: إن تحميل' مصر' كافة خطايا المنطقة ومشكلات الشرق الأوسط هو أمر ينطوي علي ظلم فادح,' فمصر' هي التي قسمت العالم العربي باتفاقيات' كامب ديفيد' وهي التي تحاصر' غزة' بإغلاق معبر' رفح' وما بين الأمرين هي المسئولة عن اجتياح' إسرائيل'' للبنان' عام1982 وهي الشريك الضالع في السياسات الأمريكية بالمنطقة..هكذا وبكل قسوة يجري اختزال الدور المصري في هذه الافتراءات إمعانا في عزل' مصر' عن أمتها العربية والنيل من مكانتها الإقليمية والعبث بتضحياتها الضخمة وأدوارها عبر تاريخ المنطقة الحافل بالصراعات الدامية والحروب الطاحنة والسياسات المتداخلة, ولابد أن أعترف أن كثيرا من الأشقاء العرب ربما يرددون ذلك من منطلق حبهم' لمصر' ولكن نتيجة هذا الطرح في النهاية سلبية ومحبطة للغاية.
خامسا: إننا نشعر أحيانا أن' مصر' الدولة المهابة تاريخيا تجري الآن محاولة تجريدها من معظم مزاياها بل تطويقها بدءا من' غزة' وصولا إلي' دارفور' مرورا باحتمالات تقسيم' السودان' وأزمة' مياه النيل', وإذا كنا قد تعلمنا في العلاقات الدولية أن الحب والكراهية صفتان يمكن التعامل بهما علي مستوي الأفراد إلا أن المسألة تختلف بالنسبة للدول التي تتفاوت مكانتها نتيجة عوامل أخري مثل الهيبة الإقليمية والاحترام الدولي والارتباط بمصالح لا تعرف بالضرورة المشاعر والعواطف التي هي أمور عابرة لا تشكل أهمية في العلاقات بين الدول, من هنا فإنني أظن أن الروابط العربية المتبادلة لا تكفي وحدها بل لابد من التركيز علي المكانة الدولية للعرب وفي مقدمتها الدول ذات التاريخ العريق والخبرة الطويلة والعنصر البشري المتميز.
سادسا: إن الهجوم علي نظام سياسي معين لا يبرر إطلاقا المساس بالدولة التي ينتمي إليها ذلك النظام ففي السياسة نتفق ونختلف, ولكننا لا نقوم بتشويه صورة دولة معينة ونحاول النيل من مكانتها إذ أن هناك خيطا رفيعا يفصل بين انتقاد الحكومات والإساءة للشعوب, وأنا اشعر أحيانا أن ذلك الخيط الرفيع لا تجري مراعاته وإن هناك الكثير مما يستهدف الدولة المصرية وينال من كبريائها ويسعي إلي إضعاف كيانها والربط بينها ـ ظلما ـ وبين كيانات أخري في المنطقة وخارجها.
سابعا: إن الدورين الإيراني والتركي في الشرق الوسط ليسا فقط خصما من الدور المصري في المنطقة بل إن دور' جنوب أفريقيا' هو خصم آخر من دور' مصر' الإفريقي, ولذلك فإنني أري أن هناك عوامل سلبية كثيرة أصبحت تتحالف علي الدور المصري, وتسعي بشكل غير مباشر لوراثته أحيانا, أو إزاحته فقط أحيانا أخري.
ثامنا: إن الدولة العبرية تتعامل بخبث شديد مع الدور العربي' لمصر' ولا تألو جهدا من إحراجها إذا تمكنت من ذلك وواهم من يتصور أن اتفاقيات السلام مع' إسرائيل' تدفعها إلي احترام التزاماتها أو التوقف عن سياستها العدوانية التوسعية التي يتزايد خطرها يوما بعد يوم, فهي دولة عنصرية لم تتوقف أبدا عن الاستمرار في تزييف الحقائق وتشويه الصور واستهداف' مصر' بالدرجة الأولي.
تاسعا: إن قضيتي الإرادة الوطنية والرؤية القومية هما الكفيلتان بتعزيز الأدوار العربية وحماية أمن الأمة وصيانة مصالحها العليا, أما الأجندات المختلفة والأدوار المتنافسة والمزاحمة والمزايدة ومحاولات الإقصاء وسرقة الأضواء فتلك كلها أمور عابرة لا تقدم ولا تؤخر.
عاشرا: إنني أري المستقبل في الأفق القريب وهو يبشر بصورة مختلفة لأمة آن لها أن تصحو بعد أن صحت الدنيا حولها وقامت علي أرضها كيانات جديدة ومخططات ملتوية, ورغم أنني لست من المتحمسين للتفسير التآمري للتاريخ, إلا أنني مؤمن بوجود المؤامرة في ذلك التاريخ, فاستقراء ماضي الأمم يؤكد ذلك في حاضر الشعوب ومستقبل المجتمعات.
هذه قراءة عاجلة في ملف شائك يدور حول الخلط الظاهر بين الحديث عن مشكلات الشعب المصري ومعاناته وتحويلها إلي قضية أخري تمس قيمته ومكانته من خلال عملية استهداف متعمد تسعي إلي تشويه الصورة وخلط الأوراق وإعطاء انطباع عام بفقدان' مصر' لريادتها وتراجع دورها والانتقاص من قدرها وأنا أحذر المصريين_ مؤيدين ومعارضين_ قبل غيرهم من خطر هذا التوجه علي مستقبل وطنهم وأجياله القادمة, إنني ممن يؤمنون أن قضية الدور هي عملية إرادية يمكن إحياؤها وبعث روحها في أقصر وقت, ويجب ألا نأخذ من الماضي قراءة خاطئة لفكرة الدور الإقليمي, فرصيد' مصر' أكبر وأهم وأخطر من أن تنهيه أصابع أجنبية أو تعبث به قوي خارجية أو تستسلم له جماعات داخلية.
 

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى [email protected]