أيامنا الحلوة - كتاب أيامنا الحلوة ـ نعم ياسيدي‏..‏ خربناها‏!‏ .... بقلم‏:‏ سمير سرحان
الأرشيف
 
 
3 نعم ياسيدي‏..‏ خربناها‏!‏ .... بقلم‏:‏ سمير سرحان

هناك قانون غير مكتوب في التاريخ المصري يقول انه إذا مات الفرعون يأتي من بعده من يقوم بمسح اسمه وسيرته من فوق المعابد والمسلات وهدم كل ما بناه من معابد أو قصور أو أماكن تحمل اسمه أو تدل علي انه انجز أي انجاز من أي نوع‏..‏

ويتحول النفاق الذي كان يوجهه الناس الي الفرعون القديم‏,‏ الي الفرعون الجديد ويشتمون الفرعون الذي ذهب ولم يعد له قوة أو سلطان ويبدأون في توجيه الثناء الي الفرعون الجديد‏..‏ ويظهر ان المصريون أصلاء بشدة في ممارسة هذه العادة المصرية القديمة‏...‏ فما ان يذهب مسئول كبير ويأتي مسئول كبير بعده حتي يكون أول إعلان له في الصحافة انه قد ورث تركة ثقيلة‏!‏ وان زميله الذي ترك المنصب قد ترك المكان خراب في خراب‏..‏ وان المكان مديون وبلا نظام وبلا انتاج يذكر وبلا خطة‏..‏ الي اخره‏..‏ وان العناية الالهية هي التي جاءت به الي هذا المكان لكي يصلح هذا الخراب ويبدأ من جديد‏!‏ ولم نري أحدا ممن تقلد منصبا الا فيما ندر يشكر في انتاج من سبقه أو يثني علي ما بذله من جهد ويقول انه سوف يكمل زميله الذي غادر المكان ويكون أول شيء يفعله الجديد ان يبدأ في تغيير أثاثات وديكور مكتبه ـ اذ ان مكانته الرفيعة ومستواه العلمي واسمه الطنان لايسمح بان يجلس في مكتب سابقه

‏...‏ ثم يبدأ بعد انفاق الاف وأحيانا ملايين الجنيهات علي إنشاء مكتب بالغ الفخامة في الجلوس وراء المكتب لا ليعمل وإنما ليعطي تصريحات للصحافة التي تنشر تصريحاته الان كأنها قصة مثيرة‏..‏ مرددا دائما حكاية التركة الثقيلة التي ورثها وعندما تسأله ما هي التركة الثقيلة التي ورثها لايرد فالأصل في كل ما نقول انه مجرد ترديد لجمل فارغة غير ذات محتوي‏..‏ فلن يعدم هذا الرئيس أو المدير الجديد صحفيا كبيرا طامعا في العمل معه والاستفادة المادية من مشروعاته القادمة فيقوم متطوعا نيابة عنه بتحطيم كل شيء انجزه من سبقه والترويج لفكرة ان الرئيس الجديد مشلول عن العمل بسبب التركة الثقيلة اياها وينصب نفسه وحده القاضي والحكم معا ويلطم الخدود علي هذا الوطن‏.‏ وهذا ما حدث بالفعل في مقال صحفي نشر قريبا عن شئون الثقافة‏.‏ في جملة واحدة تدل علي ان ما تم في ميدان الثقافي خلال عشرين عاما الماضية خراب في خراب وليس فيها انجاز واحد فنحن خلال السنوات الماضية لم نبن الأوبرا ولا رسمنا الاثار ولم ننقذ القاهرة الفاطمية من الضياع ولم نقم بإعادة صياغة مدنها القديمة وشوارعها التراثية حتي اصبحت قرة عين العالم الاسلامي ونحن لم ننشئ المسرح التجريبي ولافزنا من الدولة بتسعة فدادين كاملة في ارض اكاديمية الفنون لنبني عليها تسعة معاهد ومستشفي ومبني اداري علي أحدث طراز تشكل تطورا هائلا في الاكاديمية وعملها‏..‏ ونحن لم نقم بتنفيذ اخطر واهم مشروع ثقافي في الخمسين عاما الماضية وهو مكتبة الاسرة الذي خرج منه في عشر سنوات أكثر من اربعين مليون كتاب دخلت البيوت المصرية وعلمت الناس القراءة وحب العلم والمعرفة ونحن لم نقم معرض الكتاب الي ان اصبح منارة ثقافية تحاول كل البلاد العربية تقليدها‏..‏ ونحن لم نقم مؤتمرا دوليا للشعر ولم نحول المجلس الأعلي للثقافة من مجرد حديقة يجلس فيها توفيق الحكيم وغيره في الشمس الي مؤسسة ثقافية عظيمة تقدم مشروعا تاريخيا في مجال الترجمة واطلاع القارئ العربي علي أحدث وأهم ماأنتجته قريحة الغرب‏..‏ ونحن لم نقم المؤتمرات الأدبية والثقافية التي أعادتنا الي مكان المركز والريادة من عالمنا العربي‏.‏

نحن لم نفعل كل ذلك ياعم‏..‏ وانما خربناها وأحب ان أضيف اننا مسئولون عن هزيمة‏67‏ واحتلال سيناء عام‏56‏ التي في نظرك لم تحرر بعد كما نعترف بالمسئولية كاملة عن السكوت عن كل المتاجرين بأمثالك بكل الشعارات‏..‏ حتي إشعار اخر‏.‏ ولك منا الاعتذار من كل هذا التخريب‏.‏