|
|
|
|
|
|
|
|
في مثل هذه الأيام.. من عام1954.. كنت في مستهل حياتي المهنية وأعمل مندوبا دبلوماسيا لجريدة الجمهورية.. أغطي اخبار السفارات.
وذات يوم.. استدعاني اليوزباشي حسن نايل مدير مكتب رئيس مجلس الادارة.. وقال لي: جناب البكباشي عايز يشوفك.. انتظر هنا شوية. وجناب البكباشي.. هو اللقب الذي كنا نلقب به السيد البكباشي محمد انور السادات عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس ادارة دار التحرير.
وجلست غريقا في أوهامي..تري أي مصيبة تلك التي اقترفتها لكي تجعل جناب البكباشي ذات نفسه.. ينحي جانبا كل الرئاسات التي تفصل بيني وبين جنابه.. فيمد يده إلي القاع يلتقطني ليفتك بي هو شخصيا!! وفي خضم هواجسي تلك.. دخل علينا الاستاذ حسن امام عمر.. المحرر الفني للجريدة.. ثم تلاه محرر آخر هو الاستاذ عبود فوده.. ومحرر ثالث لا اتذكره الآن.. وكرر مدير المكتب لكل منهم نفس العبارة التي قالها لي.. وجلسوا معي قبل أن يتركنا المدير الي مكتب الرئيس.
وكشفت الدردشة بيننا جهلنا جميعا بسر هذا الاستدعاء المفاجئ لهذا المزيج غير المتجانس من التخصصات.. وخفف اشتراكي ضمن جماعة من رهبة مواجهة المجهول انفراديا!!
وأدخلنا نحن الاربعة علي جناب البكباشي فقال لنا بلهجته المعروفة: احنا قررنا اصدار مجلة اسبوعية اسمها أهل الفن وانا اخترتكم انتم بالذات علشان المجلة دي تقوم علي اكتافكم.. حتكونوا تيم بقيادة حسن وأشار إلي حسن امام عمر.. ثم وجه كلامه اليه قائلا. ـ النهاردة ايه يابو علي؟! ـ الاربع يا فندم. ـ نهار الاربع.. موش اللي جاي.. لأ.. اللي بعديه.. تكون بروفات المجلة علي مكتبي.
كانت مهمة شاقه.. ضاعف من مشقتها ضيق الفترة الممنوحة لنا.. وكلفت بعمل ريبورتاج مصور.. ترك لي حرية اختيار موضوعه.
ورحت أقدح زناد افكاري.. حتي وجدتها!! الاربعة الكبار هذا هو العنوان.. والموضوع: حوار مع كل من عبدالوهاب والسنباطي وزكريا أحمد وفريد الاطرش.. وسارعت بالاتصال بهم تليفونيا وتحددت لي المواعيد.. والتقيت بالسنباطي.. ثم عبد الوهاب.. ثم زكريا احمد.. الذي تصادف ان تأخرت عن موعده بحوالي نصف ساعة.. وكان يسكن في الطابق التاسع لعمارة في الفجالة..
فلما فتح الباب أردت ان اغلف خجلي بدعابة فقلت له انني كنت امام العمارة في الموعد المحدد بالضبط.. لكنها السلالم!!
فضحك وقال: انا بقالي ثلاثين سنة بطلعهم.. يعني لو كنت بطلع من غير ما انزل كان زماني وصلت السما السابعة!!
ثم جاء دور فريد الاطرش.. وفي الموعد المحدد بالثانية كنت أرن جرس الباب.. وفتح لي شقيقه فؤاد ليقول لي ان فريد مش موجود.. في الوقت الذي لمحت فيه فريد واقفا في نهاية الكوريدور.. ثم اغلق الباب!!
موقف لم يكن قد قابلني في حياتي.. وغمرني شعور جارف بالمهانة واحسست ان كرامتي قد طعنت في مقتل.. ولم انم ليلتها من فرط الغيظ وانا افكر في الثأر.. هل اذكر هذه الواقعة؟ كلا.
هل اكتب ذما فيه؟! كلا.. واخيرا اهتديت إلي ما اعتقدت انه سيجعله لا ينام هو الآخر.. غيرت عنوان الريبورتاج إلي الثلاثة الكبار مسقطا فريد عن العرش!!
اتذكر اليوم ـ وقد دب الشيب في رأسي ـ رؤيتي تلك وانا شاب في العشرين.. فاستضحك لانني كنت كبعوضه وقفت علي قرن ثور!!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|