|
لم أتذوق الشاي بالمعني الذي نعرفه, ولم أعرف طعمه الحقيقي إلا بعد أن كبرت اذ لم تكن علاقتي به علي خير ما يرام.
كان الشاي في بيتنافي أبنود تطيبه ست ابوها جدتي لأمي علي حطب الكانون, المشتعل في كنكة نحاسية تتسع لما يملأ علي الأقل سبع أوثماني كبايات من الشاي الأسود الذي يحول اللبن الذي يوضع فيه إلي لبن أسود.
لم استطعم الشاي السادة ولم استطعم الشاي باللبن وكنت أتساءل بيني وبين نفسي دائما: لماذا يعذبون أنفسهم بشرب ذلك الشراب الأسود المر الذي لايمكن تحليته حتي لو أذبت فيه قمع سكر يزن أكثر من أقة وتضيع في الكوب جرة لبن دون أن يستعيد اللبن لونه مرة أخري.
كانت توقظني في الصباح الباكر, في الشتاء كانت المديدة والعصيدة والخبيصة وما شابهها, ومعظمها عجين يغمس في السمن البلدي ذي الرائحة النفاذة الرائعة أو في العسل الأسود الذي كان يباع في البلاليص ـ كما اسلفنا والذي كان علينا إنهاؤه قبل أن يتخمر, وبعدها ذلك الكوب الذي يشبه الدواء.
أما في الصيف فقد كان ذلك المشروب الأسود في كبايات ماركة( ياسين) المشهورة مثلها مثل زهرة زوزو وشاي الريشة والشيخ الشريب والصابون النابلسي, ولم يكن أمامنا سوي أن نلقي بالمشروب الأسود المخلوط بلبن الصباح لنضع البتاوة المدورة في جيوبنا وننطلق إلي الحقول.
في الحقول كنت أراهم يتركون الشواديف أو النوارج باحثين عن بعض أغصان الشجر الجافة والبوص ويظلون ينفخون فيها بعد الإتيان بجمرة مشتعلة حتي يبلون الملابس من العيون والأنف, ويتعذبون ويعانون وهم يشعلون النار ثم يأتون ببراد شاي يتسع لكوبين يملئونه بماء جيئ به من قادوس فخاري من قواديس ساقية متوقفة عن العمل, أو من قنوات ماء النهر الطمي مباشرة ويضعون البراد الذي لا يمكنك تبين لونه الأصلي مهما حاولت أن تذيب عنه طبقات اللون الأسود المتماسكة حتي غلي الماء فيلقون إلي داخله بـ(سط) الشاي الجاف.
والسط كما هو ليس معروفا ما يشبه ملء الكف وهي مضمومة وكنت أغتاظ جدا من صوت الشفط ذلك الذي يرتفع من شافهم بتلذذ مقيت لا أدري سببا له أو لماذا يستمتعون كل تلك المتعة الكاذبة.
في المدينة حين انتقلنا اليها كان الشاي يسوي علي بابور البريموس ذلك الذي يمتلئ بطنه بالكيروسين الذي حين ينطفئ يصعد دخانه مختلطا برائحة الجاز ليترك رائحته بل وطعمه في الشاي, ولن تضحي امراة بـ(التلقيمة) التي ألقت بها في براد الشاي لتعيد الكرة من جديد من أجل شاي بلا جاز.
في الحقيقة فإنني لم اكتشف طعم الشاي وأهميته إلا في أسوأ حالاته في بوفيه محكمة قنا التي عملت بها طويلا وكنا لا نعرف كيف نرحب بعضنا ببعض سوي بكوب الشاب الذي تسبقه ايمانات الطلاق بالتلاتة لشربها اذ كانوا لايظنون أن احدا ـ في الدنيا ـ لايحب الشاي, وكانوا يعتقدون أن التمنع سببه الخجل أو عدم الرغبة في تبديد مال الأصدقاء, ولذلك كان علي أن أخبئ رأيي وعلاقتي الحقيقية بالشاي وأشرب.
كوبا بعد كوب حتي صرت أنادي علي عم سيد حاجب المحكمة: واحد شاي يا عم سيد.
فينظر الرجل نحوي مندهشا ويذهب في صمت إلي البوفيه ويعود بكوب الشاب الذي لا يشرب, ولما وجدني لا أتقزز وأنني أدمنت الشاي الردئ كان يأتي بالكوب دون نداء ليضعه علي مكتبي صامتا ويغادر, مثل بائع المخدرات الذي تأكد من إدمان زبونه الجديد!!
|