الخميس 02 من ذى الحجة 1433 هـ   18 اكتوبر 2012 السنة 137 العدد 45972
رئيس مجلس الادارة
ممدوح الولي
رئيس التحرير
عبد الناصر سلامة
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | الكتاب
 
الشهداء ضحية العيد الكبير
بقلم: محمود معوض
10/17/2012
محمود معوض
794
 
عدد القراءات

الخبر السار في مصر الجديدة‏,‏ هو انتصار قوة القانون علي قوة السلطة‏,‏ لأول مرة في تاريخنا المعاصر‏..‏ صدق أو لا تصدق‏..‏ رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يعزل ولو معاون نيابة صغير‏..‏

فما بالك بالنائب العام نائب عموم شعب مصر, الذي تحدي الرئيس علنا ورفض قراره بتعيينه سفيرا, ليتراجع الرئيس ويقرر بقاء النائب العام في منصبه بناء علي رغبته حتي بلوغه السبعين ربيعا, أو يختاره الرفيق الأعلي الي جواره أطال الله عمره.. رغم أن الثورة ضده قد تجاوزت كل الحدود عندما حكمت المحكمة الشعبية الثورية بإعدامه شنقا في ميدان التحرير بتهمة إفساد الحياة السياسية.. لكنه صمد واختار التوقيت المناسب للإعلان عن شجاعته وتمسكه بحقه القانوني في الحياة والبقاء معا.
وللإيضاح فقد كان بمقدور الرئيس, استنادا الي حقه الدستوري في أن يصدر قانونا جديدا يسمح له بعزل المستشار عبدالمجيد محمود, وهو صاحب المنصب الوحيد الرفيع الذي لم يتغير منذ قيام الثورة.
وقد شاء قدره ان يقوم مبارك بتعيينه عام6002 خلفا للنائب العام الأسبق المستشار ماهر عبدالواحد الذي عزله الرئيس مبارك ليحل المستشار عبدالمجيد محمود محله إذن كان بمقدور الرئيس مرسي أن يعزل النائب العام, إلا أنه لم يفعل وحسنا فعل.. إلا أن الخبر السيئ علي أرض الواقع, أن الرئيس مرسي دون أن يشعر ـ وتلك مصيبة ـ ارتكب خطيئة التمييز بحق الضعيف.. فقد أعطي القانون حقه, وأعطي القضاء حقه, وأعطي النائب العام حقه, وأعطي نفسه حق الامتياز عندما رضخ للاهانة من القضاء للمرة الثانية أو الثالثة.. إلا أن كل ما فعله الرئيس مرسي كان ـ وللأسف ـ علي حساب الحق الأصيل للثورة وهو حق القصاص من قتلة الشهداء الذين يمكن أن يفاجأوا وهم أحياء في قبورهم بأن حقهم قد تم حفظه وقيده ضد مجهول.. اصطلح الرئيس مع القضاة وتبادلوا القبلات والاحضان ليكون الشهيد هو الأضحية في عيد الذبح وهو أول عيد كبير يحتفل به المصريون في زمن مرسي.
ما حدث واقعة غير مسبوقة بكل المعايير, يكفيها أنها كشفت عن الحقائق التالية:
< علي الرغم من أن الثوار قد خرجوا عقب حكم البراءة في موقعة الجمل ليرفعوا شعار: الشعب يريد تطهير القضاء, مش عاوزينها جنائية عاوزينها ثورية, فإن العائلة القضائية المقدسة اتشحت بأرواب السياسة لترفع شعار.. لا للتغيير ولا للتطهير وليذهب الثوار الي الجحيم.. لأول مرة يلتحم تيار المستقلين من القضاة مع تيار المؤيدين للوقوف, باعتبارهم السلطة الأعلي, علي قلب رجل واحدفي مواجهة الرئيس. الرسالة باختصار: يتحتم علي الرئيس أن يستأذن قبل أن يفكر في استخدام حقه في إصدار أي قانون حتي ولو حمل شعار حماية المجتمع فالمهم هو هيبة القضاة وقبل هيبة القضاء, ولا أعرف هل تراجع الرقيب الأول علي سلوكيات القضاة وهو مدير التفتيش القضائي الذي حل محل وزير العدل.. في موقف يحسب له تاريخيا.. هل تراجع المستشار البلشي مدير التفتيش عن تصريحاته التي قال فيها إنه يتعين تطهير القضاء.. ويجب أن يقوم هو بتطهير نفسه بنفسه, وأردف قائلا إن هناك قضاة في مصر لا يعرفون الفرق بين حرية التعبير وحرية الرأي.. إذن كيف يتسني لهم التصدي لقضايا الحريات وحقوق الإنسان.
< ثبت يقينا أن الرئيس مرسي لا يحظي بالشعبية التي تتلاءم مع مواقفه وانجازاته الكبيرة في مجال الحرية والديمقراطية, التي استثمرتها نخبة محترفة في توجيه سهام النقد والتجريح والاهانة للرئيس, التي لم تعد خبرا مثيرا في الصحافة اليومية شأنها شأن أخبار العدوان الإسرائيلي اليومي علي شعب غزة المحاصر.. والمدهش أن النخبة التي كانت تردد شعارات المطالبة بإقالة النائب العام في ميدان التحرير هي أول من توجهت إليه في مكتبه لتنهئته علي شجاعته التي فاقت شجاعة صديقهم العزيز المشير طنطاوي ونائبه الفريق عنان, اللذين استسلما لقرار إقالتهما دون أن تنبس من شفتيها كلمة واحدة توحد ربها.. بعض الكتاب العرب تحدثوا عن بطر الشعب المصري بالديمقراطية, وزعموا أن هذا الشعب يفضل الرئيس الديكتاتور الذي يحقق له أمنه واستقراره ولو علي حساب العيشة الضنك والحقيقة التي قد لا يفطن إليها الكتاب العرب وهم أشقاء في النهاية.. أن الشعب المصري الذي دفع الثمن دما من أجل الدبمقراطية لن يقبل أبدا بالرئيس الديكتاتور حتي لو أطعمه من جوع وآمنه من خوف.. النكبة هي في النخبة التي لا يجوز القياس عليها عند الحكم علي شعب يريد ديمقراطية حقيقية تسد حاجته في تحقيق الحرية والأمن والغذاء.
مرسي في ورطة حقيقية.. كشفت عنها منظومة التراجع التي ترشحه للقب الرئيس المتراجع.. فقد تراجع عن قراره بضرورة أداء اليمين الدستورية أمام المحكمة الدستورية, ثم تراجع عن قراره بإعادة البرلمان المحلول, ثم تراجع عن لغة الهمز واللمز في الستينيات بل اعتذر, ثم تراجع عن قراره بعدم هدم الأنفاق التي تمثل الرئة لشعب غزة المسكين..
وفي عبارة لا تخلو من سياسة, قال الرئيس مرسي, إن مصلحة مصر وأمنها القومي فوق كل اعتبار.. من حق الرئيس أن يري أن مصلحة الوطن العليا تفرض عليه أن يعتذر بل ويستقيل اذا لزم الأمر.. لكن الرئيس في مسيس الحاجة الي ان يستعيد أولا هيبة رجل الدولة الذي ينشر ثقافة الردع السلمي لنشطاء الفتنة دون الحاجة إلي التراجع, وليس أمام الرئيس من سبيل سوي الاستجابة لمطالب الثوار في التغيير والتطهير إذا كان بالفعل يريد بناء دولة جديدة..
الناس في النهاية, لم يعد ينطلي عليهم العبارات المأثورة والمعلبة, التي تتحدث عن إنسانية الثورة التي وصلت الي درجة اهدار دماء شهدائنا الأبرار.
{ ملحوظة: تحية واجبة لادارة الكسب غير المشروع وهي الادارة الثورية الوحيدة تقريبا في الدولة التي رفضت طمس الأدلة لتبرئة أكبر رموز الفساد قبل الثورة ورغم أننا نسيناها وسط الزحام فإنه يكفيها أنها قدمت الدليل علي أن الشعب المصري كان علي حق حينما قام بثورته المجيدة في52 يناير.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg