الأثنين 10 من جمادى الاخرة 1431 هـ   24 مايو 2010 السنة 134 العدد 45094
رئيس مجلس الادارة
د.عبد المنعم سعيد
رئيس التحرير
أسامة سرايا
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | قضايا إستراتيجية
 
الانتخابات الإثيوبية‏:‏ التعددية ومحاولات التعايش القومي
كتب - هاني رسلان:
1328
 
عدد القراءات

تجري هذا الأسبوع الانتخابات البرلمانية الرابعة في إثيوبيا منذ وصول نظام الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا التي يقودها ميليس زيناوي إلي الحكم في عام‏1991‏ علي أنقاض نظام منجستو هايلي مريام ذي الطبيعة العسكرية الماركسية

 والذي كان قد وصل إلي الحكم بدوره عبر انقلاب عسكري أطاح بنظام حكم الامبرطور هيلاسلاسي الأول عام.1974
وقد سعي ميليس زيناوي منذ وصوله إلي السلطة إلي تأسيس نظام جديد ذي طبيعة فيدرالية, وعقب الفترة الانتقالية الأولي التي استمرت3 سنوات جري إعلان الدستور الاثيوبي في1994 الذي قام علي أساس مبدأ فصل الدين عن الدولة وعلي إقامة نظام حكم برلماني تكون السلطة فيه بيد الحكومة صاحبة الأغلبية في البرلمان, وتنقسم الهيئة التشريعية التي تسمي المجلس الاتحادي البرلماني إلي مجلسين هما المجلس الاتحادي ومجلس النواب. حيث يتم انتخاب أعضاء المجلس الاتحادي وعددهم117 عضوا بواسطة المقاطعات الإثيوبية التسع التي تتكون منها إثيوبيا والتي تم تقسيمها علي أساس الانتماءات القومية المعتمدة علي الأصول العرقية, بينما ينتخب الشعب548 نائبا لمجلس النواب.
وتجدر الإشارة هنا إلي أن آخر انتخابات برلمانية أجريت في عام2005 كانت قد أثارت الكثير من أعمال العنف والإحتجاجات التي أدت إلي مقتل أكثر من200 شخص وإعتقال أكثر من مائة من الناشطين السياسيين الذين رفضوا نتائج الانتخابات, بدعوي أنها زورت لصالح رئيس الوزراء ميليس زيناوي.
التعدد الاثني والديني
تسود بعض المخاوف لدي المعارضة من تكرار سيناريو الانتخابات السابقة, الأمر الذي يعكس حالة المخاوف المتزايدة من عدم قدرة النظام الحالي علي تحقيق استقرار داخلي يؤدي إلي تحقيق التعايش الوطني والديني في إثيوبيا التي ما زالت تعاني من الاحتقانات والتفاعلات الصراعية المرتكزة علي العرق والدين في دولة تزخر بتنوع هائل يحتوي علي أكثر من83 قومية/أثنية لمجمل تعداد السكان الذي يبلغ حوالي80 مليون نسمة في الوقت الحالي.
تمثل مجموعة الأورومو أكبر القوميات الإثيوبية بنسبة تفوق40% من مجموع السكان, تليها الأمهره التي تتراوح نسبتها بين25 ـ30%, ثم ذوي الأصول الصومالية6 ـ8%, وتأتي بعد ذلك قومية التيجراي التي ينتمي إليها رئيس الوزراء الحالي ونسبتها5 ـ7%, بينما يحتوي إقليم جنوب إثيوبيا وحده علي حوالي56 قومية وأشهرها السيداما1.8 مليون نسمه والقرافـي1.6 مليون والولاباشا1.2 مليون والهديا900 ألف نسمة.
أما الخارطة الدينية لإثيوبيا فهناك العديد من التناقضات بشأنها بين الإحصاءات الرسمية الحكومية, مع المصادر الإسلامية حيث تشير المصادر الحكومية إلي تفوق المسيحية علي الإسلام بنسبة61.7% للمسيحية مقابل32.89% للإسلام و5.41% للأديان الأخري الوثنية واليهودية. في حين أن المصادر الإسلامية تضع الأغلبية والتفوق لدي الجانب الاسلامي الإسلامي بنسبة تقترب من80% و تمنح النسبة المتبقية للمسيحية والديانات الأخري التقليدية والأقلية الهامشية لليهود الفلاشا, ومن الواضح أن هذه النسب علي الجانبين تتسم بالمبالغة والتحيز الديني, حيث تشير بعض الكتابات والمصادر الموضوعية المسيحية والإسلامية إلي وجود أغلبية إسلامية بنسبة تتراوح ما بين45 ـ50%.
ولعل هذا الوضع للتعدد العرقي والديني قاد إلي حتمية وجود تعددية ثقافية ارتكزت إلي ذلك المركب من تعدد العرق والدين واللغة والعادات والتقاليد وتعدد البيئة الطبيعية, نتج عنه تباين واختلاف الثقافات التي تبدو بأنه لا جامع بينها, لأنها غارقة في الخصوصية بسبب التباين والتعدد اللغوي والذي جاء مترادفا مع عدد المجموعات العرقية. هذا التعدد العرقي والثقافي نجد مثيلا له أيضا في إطار اختلاف الموقع الجغرافي للاثنيات المختلفة وما يرتبط بذلك من اختلاف التضاريس في الهضبة الاثيوبية بين السهول والمرتفعات الشاهقة ومن ثم اختلاف المناخ المنتج بدورة لتعددية أنماط الإنتاج والعمل بين الزراعي والرعوي.
غير أنه يمكن ملاحظة أنه رغم إعلان مبدأ الفيدرالية وعلمانية الدولة طبقا للدستور,فان هناك مثلثا يسيطر علي السلطة يتمثل في تحالف بين الديانة المسيحية واللغة الامهريه والقومية المسيطرة في تحالف ثنائي بين الامهرة والتجراي.
وهذا المثلث الذي يعبر عن أقلية عددية يظل هو الحاكم والمسيطر علي باقي مكونات الطيف الاثيوبي, حيث ظلت المسيحية الأمهرية أو التجراوية في صراع دائم مع بقية المكونات العرقية الاخري التي تمثل هوية أثنية ودينية مختلفة كالأغلبية الإسلامية للارومو والعفار والصوماليين والهرريين وغيرهم. ومن الواضح أن سيناريوهات ارتباط الدين بالسلطة وتأثير ذلك علي المجتمع تعتبر واحدة من المشكلات والمهددات لعملية التعايش والاندماج الوطني في إثيوبيا.
السعي إلي بناء الأمة
سعي الدستور الاثيوبي إلي استنباط بعض الحلول للتعددية الهائلة ومسألتي الاثنية والدين, وغياب ما يمكن تسميته الوحدة الوطنية الإثيوبية, من خلال النص علي إقامة حكومة فيدرالية وديمقراطية ذات نظام ديمقراطي برلماني ترتكز فيه العملية الفيدرالية علي الأساس العرقي واللغة والإدارة, حيث حملت أسماء الولايات الصفة العرقية المعبرة عن الهوية الثقافية والسياسية للقوميات الكبيرة. وبغرض إيجاد صيغة مرضية للتعايش جري النص علي المساواة بين اللغات علي أن تكون الأمهرية لغة عمل للحكومة الفيدرالية.
ولعل اخطر مواد الدستور التي سعت لمعالجة المشكلة العرقية هي المادة39 التي منحت جميع الأمم والقوميات والشعوب الإثيوبية الحق في تقرير مصيرها بنفسها بما في ذلك الانفصال, مع تقييد ذلك بعدد من الإجراءات التي تستوجب تصويت ثلثي أعضاء المجلس التشريعي لصالح الانفصال, مع تعريف محدد لمصطلحات الأمة والقومية والشعب, وهي الفئات التي يحق لها الحصول علي حق الانفصال, حيث يجري بعد ذلك استفتاء خلال3 سنوات.
أما فيما يخص المسألة الدينية, فقد قرر الدستور مبدأ فصل الدولة عن الدين حيث فصل ذلك في ثلاث فقرات تنص علي عدم وجود دين للدولة وعلي عدم تدخل الحكومة في شئون الدين وعلي ألا تتدخل الأديان في شئون الدولة. حيث ظهر واضحا أن دستور1994 م يعبر عن حلقة جديدة في سلم تطور النظام السياسي الإثيوبي الذي بدأ ملكيا ثم تحول إلي النظام الامبرطوري, الذي أعقبه الشمولي العسكري وأخيرا الديمقراطي البرلماني الفيدرالي, الذي سعي من خلال تبني علمانية الدولة, إلي خلق مجموع وطني إثيوبي موحد, تذوب فيه عصبيات الانتماءات الدينية والمذهبية المتعددة والصراعات الإثنية المعقدة.
ولكن من الواضح أيضا أن التجربة تعكس وتحمل الكثير من التناقضات, فتجربة التعايش الوطني ما زالت متأثرة كثيرا بطبيعة التشكيل والتكوين ذا الطابع القومي للعرقيات الإثيوبية, فإثيوبيا تعتبر متحفا للقوميات المتجاورة وليس للتعدد العرقي البسيط أو المعروف, فإذا كانت القومية تعبر عن جماعة متجانسة ومتماسكة وذات هوية واحدة تجمع وتوحد بينها مشتركات وروابط العرق والدين واللغة والثقافة والتاريخ في إطار رقعة جغرافية محددة, فهي تنطبق علي الأوضاع العرقية الإثيوبية, فهي ليست ذات طبيعة قبائلية أو عشائرية مثل الصومال, كما أنها ليست قبلية أو طائفية أو جهوية مثل السودان, حيث تختلف في هذه الناحية عن باقي المكونات الاثنية في القرن الافريقي.
والشاهد أن الاثنيات الاثيوبية تتميز بخصوصية وتفرد الحدود والتباينات الفاصلة علي المستويات السلالية واللغوية والثقافية والدينية, فالقومية الأمهرية بانتمائها إلي السلالة السامية ولغتها الأمهرية ذات الأصول السامية أيضا وديانتها المسيحية الأرثوذكسية وتطورها التاريخي تعد مختلفة بشكل كلي عن القومية الاورومية بأصولها السلالية الحامية ولغتها الأورومية وغالبيتها التي تدين بالإسلام. وعلي هذا النمط يمكن تصور بقية الخريطة الاثنية( القومية) الاثيوبية التي تضم قوميات كبيرة لها أيضا خصوصياتها مثل التجــراي والعفار الصومالية, السيداما, القراقي, الهررية, الهوبة, الكامباتا, والمكونات العرقية في مناطق بني شنقول وقامبيلا وإقليم الجنوب. كل هذه التراكمات أدت إلي أن يصبح التكوين الاثيوبي الداخلي عبارة عن( دولة الدول القومية المتحدة) التي ما زالت تعاني من عدم القدرة علي صياغة وخلق أمة إثيوبية أو قومية إثيوبية, تجمع بينها قواسم العيش المشترك والمواطنة والتعايش القومي أو الوطني بطريقة تسمح بتجاوز الخصوصيات القومية للإثنيات الاثيوبية, الأمر الذي قد تكون مآلاته مطالب تقرير المصير أو الانفصال أو( الاستقلال) كما في حالة إريتريا.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg