الجمعة 29 من رمضان 1433 هــ   17 اغسطس 2012 السنة 137 العدد 45910
رئيس مجلس الادارة
عبد الفتاح الجبالى
رئيس التحرير
عبد الناصر سلامة
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | فكر دينى
 
الدكتور محمد عمارة للأهرام‏:‏ الحديث عن الخلافة الاسلامية وهم كبير والسياسة من فروع الاسلام
حوار‏:‏ بـدوي طـه
7805
 
عدد القراءات

يعدالمفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة رائدا من رواد التجديد في الفكر الإسلامي في عصرنا الحديث‏,‏ وامتدادا لجيل الأعلام من المفكرين الكبار أمثال الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد الغزالي‏,
د/عمارة في حديثه مع مندوب الاهرام
د/عمارة في حديثه مع مندوب الاهرام

فهو صاحب مشروع فكري نهضوي قارب الثلاثمائة مؤلف ومحقق, ترجم بعضها للإنجليزية والفرنسية, عالم جليل ومفكر من طراز فريد ينتمي للمدرسة الوسطية وله تلاميذ وقراء كثيرون في مصر والعالم العربي والإسلامي. يري الدكتور عمارة أن النظام السابق غيب الأزهر عمدا وأن أزهرنا الشريف سيعود للريادة من جديد في مصر ما بعد الثورة. وعلي الرغم من ضبابية المشهد العالمي تجاه اتباع الدين الإسلامي فإنه يؤكد أن البديل الحضاري المطروح علي النطاق العالمي هو البديل الإسلامي, وأن الإعلام العالمي صناعة ثقيلة للكذب. ويطالب إعلامنا بتسليط الضوء علي قضايا الأمة الحقيقية. وهو في كل الأحوال لا يتخوف من سطوة الإرهاب في سيناء, مشترطا لذلك الإسراع بتعميرها لتصبح مصدرا للخير ونبذ العنف. وفي ظل المخاوف السائدة من المشروع الإسلامي ومناداة البعض بعودة الخلافة الإسلامية; يري المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة أن السياسة من فروع الإسلام وليست من العقائد وأن الحديث الآن عن عودة الخلافة الإسلامية وهم كبير.. حاورناه حول قضايا شائكة وموضوعات ساخنة وأفكار جريئة.. وفيما يلي نص الحوار:


أحداث رفح وعودة الجماعات الجهادية والفتن والاضطرابات.. كيف تقرأها؟
نحن أخطأنا في حق سيناء أخطاء جسيمة, جعلناها فراغا يتمدد فيه كل الأعداء, الموساد الإسرائيلي, المخابرات الأجنبية, التشدد والعنف, هناك مشكلات حياتية لأهل سيناء تفرز عنفا وكراهية ونوعا من الغضب والحقد, وأقول نحن إن شاء الله في هذا العهد الجديد نتطلع ليس فقط للحملات الأمنية والعسكرية علي الخارجين وإنما لتعمير سيناء, مليون أو أكثر من المواطنين لتصبح جزءا حقيقيا من الوطن ولا تشعر بالعزلة عن مصر, هذا هو الذي يقضي علي التشدد والعنف والخيانة في بعض البؤر الإجرامية, نحن نحتاج إلي أن نذيب هذه الثوابت وسط جماهير تعمر سيناء لتصبح مصدرا للخير بدلا من أن تكون مصدرا للعنف والتشدد, والجماعات المتشددة حجمها محدود, لكن عندما نترك لها فراغا تصبح هي التي تسرح وتمرح في هذا الفراغ, أما إذا حجمت وأذيبت في الجماهير أصبحت منتجة, فتعمير سيناء هو الحل, وللعلم هذا المشروع كان لدي الرئيس الراحل السادات ـ رحمه الله ـ وكان عازما علي تعمير سيناء بملايين المصريين, لكيلا تكون فراغا يتمدد فيه العنف والإجرام, وحتي لا تكون مطمعا للصهاينة.
التشدد الديني.. تري مسئولية من علاجه وتقويمه؟
أقول ليس هناك أمة تخلو من التشدد, فالإنسان خلقه الله تعالي فيه عقل وقلب وعضلات وأنياب وأظافر, فإذا نميت العقل والقلب تحجم الأنياب والأظافر, أما إذا حجمت العقل والقلب فتنمو الأنياب والأظافر, فمثلا القنفد إذا وجهت إليه خطرا أظهر لك الشوك, فالعنف الديني نشأ في السجون والمعتقلات, أنت عندما تمتحن الإنسان امتحانا رهيبا يخلي الفكر الطبيعي مكانه للفكر المتشدد, ليست لدينا مشكلة كبيرة بالنسبة للعنف والتشدد الديني; لأن التيار الوسطي هو التيار الغالب, فالأزهر يخرج الآلاف ويملأ الدنيا بالوعاظ والخطباء والدعاة, والحركات الإسلامية عندنا أغلبها حركات وسطية, والأمر لا يخلو من وجود شريحة متطرفة أو متشددة والحل أن ننمي الوسطية, وأنا لست متشائما في قضية التشدد الديني, وعندما نشرت سلسلة الأعمال الكاملة للطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وهؤلاء الأعلام لعبت دورا كبيرا في إبراز مدرسة الوسطية, وعندما كتبت عن العقلانية الإسلامية والاستنارة أضع البديل حتي لا نترك الفراغ لينمو فيه الفكر المتشدد, وأري أيضا أن الحل في تنمية المؤسسات الوسطية وفتح أبواب الحرية أمام العقل ليجتهد وبذلك نحجم الجمود والتشدد لأنهما عدوا التقدم, وديننا سمح ودين الوسطية, والله جعلنا أمة وسطا جعلناكم أمة وسطاجعل إلهي وليس اختيارا, فلابد من تنمية الفكر الوسطي لتحجيم التشديد والقضاء علي التطرف.
كثر الحديث عن الدولة المدنية والدولة الدينية.. هل الأمر يستحق كل هذا الجدل؟
لا, الأمر لا يستحق هذا الجدل; فالدولة في الإسلام حتي في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم دولة مدنية, الآن نخاف من مصطلح المدنية, وفي وثيقة الأزهر رفض مصطلح المدنية لأن غلاة العلمانيين قالوا نحن نريدها دولة علمانية ولكن لأن مصطلح العلمانية سيئ السمعة نسميها مدنية إذن هم يريدون تسويق العلمانية والعلمنة واستبعاد الإسلام تحت مصطلح المدنية, وهذا هو الذي يخيف من مصطلح المدنية, ومصطلح المدني في الغرب معناه اللاديني, لكن المدني عندنا معناه الاجتماعي, فالإنسان مدني بطبعه أي اجتماعي بطبعه, فمفهوم المدنية عندنا يختلف عن مفهوم المدنية لدي الغرب والمتغربون والعلمانيون الذين يمثلون امتدادا سرطانيا في فضائنا الثقافي يريدون تسويق العلمانية تحت مصطلح المدنية, فليست لدينا مشكلة مع المدنية, والشيخ محمد عبده ـ رحمه الله ـ يقول: السلطة مدنية والحاكم مدني وسلطة شيخ الإسلام والقاضي والمفتي هي سلطة مدنية, وهذا وضوح من جانبنا في قبول مصطلح المدني لكن بمعناه عندنا وليس بمعناه الغربي اللاديني أو العلماني.
ظهرت أحزاب وأصوات تنادي بالخلافة الإسلامية.. فما رأيكم في هذا الطرح؟
أنا كتبت عن السنهوري وعن حسن البنا, السنهوري يضع شروطا طويلة عريضة حتي تعود الخلافة الإسلامية, وكتب رسالة للدكتوراه عام1926 عن الخلافة, فالخلافة أسقطت عام1924 وذهب السنهوري إلي فرنسا عام1925 لعمل رسالة في الاقتصاد والقانون, فلما أسقطت الخلافة تحمس وكتب رسالة دكتوراه عن الخلافة الإسلامية كعصبة شعوب إسلامية وذلك عام1926, السنهوري يقول كي تعود الخلافة لابد من مؤتمرات ومعاهدات وتحالفات ونهضة إسلامية, وحسن البنا كان قارئا جيدا للسنهوري, وما كتبه حسن البنا عن الخلافة هو ما كتبه السنهوري, لكن بعض الناس حول الخلافة الإسلامية إلي بعبع, وقد كتبت مقالا في الأهرام وهو جزء من كتاب نشرته فيما بعد عن إحياء الخلافة الإسلامية.. حقيقة أم خيال وكتبت في الأهرام أيضا عن طه حسين والخلافة الإسلامية, فطه حسين عام1925 كان ضد الخلافة الإسلامية وكان يناصر كتاب علي عبدالرازق الإسلام وأصول الحكم وكتب كتابه الفتنة الكبري في الأربعينيات دافع فيه عن الخلافة الإسلامية دفاعا مجيدا, لذلك عندما كتبت عن طه حسين والخلافة الإسلامية كان مدهشا لكثير من الناس, وهناك البعض ينادي بالخلافة وعودة الخلافة منذ الخمسينيات ولم يحدث شيء وهذا وهم, الخلافة الإسلامية ليست شيئا أكثر من الاتحاد الأوروبي, دول مستقلة, لكل دولة دستورها وحكومتها ورئيسها, وهناك برلمان مشترك وسياسة خارجية مشتركة, سياسة اقتصادية مشتركة وحدة سوق اقتصادية مشتركة, رغم أنها ديانات وقوميات مختلفة, نحن نريد أن نصل بالعالم العربي إلي هذا الاتحاد بسوق عربية مشتركة وسياسة عربية خارجية مشتركة ووحدة سوقية اقتصادية, ووحدة عربية, وتضامن عربي وإسلامي ولكن هذا يحتاج لجهود مخلصة ومجهود كبير, المسلمون أكثر من مليار وستمائة مليون ويقتربون من ربع سكان العالم وأكثر الأديان انتشارا والمساجد تنتشر في كل أنحاء أوروبا والعالم, فنحن نمتلك ثروات طبيعية غير عادية, وتراثا روحيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا رائعا, فتضامن العالم الإسلامي أو تكامل العالم الإسلامي أو ما شئت من أسماء دون كلمة الخلافة, سميه تضامن إسلامي أو تكامل إسلامي, ولدينا منظمة التعاون الإسلامي لو تم تفعيلها بحق تصبح هي الخلافة الإسلامية أو تقوم بدورها, فالخلافة الإسلامية ليست نظاما محددا, فالنظم تتنوع وتختلف باختلاف الزمان, لا عاقل يحلم أن نعيد الشكل القديم للخلافة, الخلافة الإسلامية كما يقول السنهوري هي التي تحقق ثلاثة شروط, وحدة الأمة, وتكامل دار الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية, دساتيرنا تقول الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, الأمة واحدة, لكن تكامل دار الإسلام يحدث بتحويل العالم الإسلامي ـ مع وجود الدول القطرية والوطنية كما هي ـ تتحول إلي التضامن ليكون هناك تضامن عربي وإسلامي, والتضامن الإسلامي وتكامل دار الإسلام لا يلغي خصوصيات الدول القومية والدول الوطنية والدول القطرية, فكما أن الجامعة العربية لم تلغ الدول العربية فالتكامل والتضامن الإسلامي لا يلغي خصوصيات الدول.. إذن فالذين يفتعلون بعبعا يسمونه الخلافة إما عملاء أو جهلاء.
علاج الأمية الدينية كيف يكون؟
لدينا أنواع كثيرة من الأمية, مع شديد الأسف بعد مرور60 عاما علي ثورة يوليو ولم تمح أمية الشعب المصري الأمية الأبجدية للأسف, وهناك أمية سياسية الوعي السياسي غائب وتحولت السياسة إلي عمل حزبي, السياسة علم وفكر, لدينا أمية ثقافية للأسف تولي وزارة الثقافة في بلادنا جهلة بتراث الأمة ومواريثها, وجوائز الدولة منحت لغلاة العلمانيين, لدينا أمية دينية فالناس تفهم من الدين أشكال التدين لكن جوهر التدين لا يعرفه الكثير, الشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ يقول الإسلام قلب تقي وعقل ذكي, نريد هذا الإسلام فالقلب التقي يرطب حسابات العقل, والعقل الذكي يوقظ خطرات القلوب وهذه هي الوسطية, أنا أسميها الوسطية الجامعة, تجمع ما بين العقل والقلب, الإمام محمد عبده يقول: الهدايات الأربع, العقل والنقل والتجربة والوجدان فالغرب الوضعي العلماني يقف عند العقل والتجربة والتصوف الباطني يقف عند القلب, لكن الوسطية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل والتجربة والوجدان, هذه هي الثقافة الدينية التي نريد أن نحييها في نفوس الشباب والناس لكي يكون هذا الفكر بؤرة يسلط عليها الضوء والإشعاع في الثقافة الدينية وهذا هو الفكر الذي يحاصر الأميات المختلفة ويجعل الناس يفقهون دينهم ويفقهون سياساتهم وتمحي أميتهم الأبجدية والدينية والسياسية, وأقول إن الدولة العربية الوحيدة التي محيت أميتها كانت العراق التي دمرها الشيعة الصفويون والأمريكان والصهاينة, ونحن نستطيع في هذا العهد الجديد إن شاء الله أن نحدد خلال خمس أو عشر سنوات تمحي فيها هذه الأمية الأبجدية لأنها الوسيلة ليقرأ الناس ويفقهوا, أيضا نريد للمساجد أن تسهم في محو الأمية الدينية ونريد الإعلام أن يسلط الضوء علي الفكر الوسطي, وفي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف طالبت بأن تدرس شخصيات الأئمة الأعلام مثل الإمام محمد عبده, والشيخ شلتوت والشيخ المراغي والشيخ مصطفي عبدالرازق والغزالي, والخضر حسين, هذه السلسلة الذهبية من الأعلام, فهذا هو الذي يمحو الأمية الدينية, الرجوع إلي تراثنا الإسلامي الأصيل, تراث عصر الازدهار, تراث الإحياء والتجديد في العصر الحديث وبهذا نعيد الفكر الوسطي المستنير العقلاني إلي قلوب وعقول الناس.
ما هي نصيحتكم للمسلمين في هذه الأيام المباركة ونحن علي أبواب العيد؟
أنصح الناس بأن يكثروا من الدعاء لله تعالي بنصرة هذه الأمة وعودتها لدينها ومكانتها وريادتها في العالم من جديد, منذ قرنين كانت هناك محاولة لتغييب الإسلام وتغييب الأمة الإسلامية وافتراس ثرواتها وتحويل أوطان الأمة إلي قواعد عسكرية للأساطيل الأجنبية, نحن نريد تحرير العالم الإسلامي, وانتصار الإسلام وأن تعود للأمة القيادة والريادة, ندعو الله أن يعين الأيدي المتوضئة والمخلصة التي تجاهد في سبيل استعادة مجد الإسلام وأمة الإسلام من جديد, وثانيا نريد عملا, فالقضية ليست دعاء فقط فدعاء بدون عمل لا فائدة منه, ودائما أذكر الناس بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: إذا رأيتم الظالم فلم تأخذوا علي يديه يوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده نريد عملا, نريد أن نصنع موادنا الخام ونزرع أرضنا ليكون أكلنا من زرعنا, نريد أن تعود سياستنا الخارجية بعيدا عن التبعية, فحينما يقول الصهاينة عن النظام السابق أنه كان يمثل كنزا استراتيجيا للأمن الإسرائيلي فهذا عار لم يحدث له نظير في بلادنا, لقد عشنا في النظام السابق لأول مرة منذ14 قرنا تغلق مساجدنا بعد الصلاة مباشرة ويتحكم الأمن في المنابر والإعلام والفكر والثقافة والآن نريد أن نعمل علي استقلال الكلمة والفكر وتنمية الاجتهاد والإبداع الحقيقي, ولابد من الإيمان والعمل, ونريد أن نصنع سلاحنا كي لا نكون رهنا لأعدائنا, وأن تبسط سيطرة الدولة كاملة علي أرض الوطن جميعا, وأن تتواصل مصر مع محيطها العربي والإفريقي والإسلامي فهذا دورها الطبيعي, نريد أن يتحقق هذا في العهد الجديد بإذن الله تعالي.
كيف تري دور الإسلام السياسي ومستقبل الحركات الإسلامية؟
أولا مصطلح الإسلام السياسي مصطلح خاطئ, ليس عندنا إسلامات مختلفة وإنما عندنا السياسة الشرعية, فالإسلام دين ودولة, والسياسة الشرعية جزء من الفروع من الفقهيات, حتي المصلحة نسميها في الإسلام المصلحة الشرعية المعتبرة, إذن السياسة جزء من الإسلام وهي من الفروع وليست من العقائد, فكون لدينا أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية فهذا شيء طبيعي; لأن الدستور منذ1923 يتحدث عن أن الإسلام دين الدولة ولغتها اللغة العربية, والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع, فطبيعي أن تنشأ أحزاب سياسية لها مرجعية إسلامية, ونحن في الدستور الجديد حذفنا فقرة منع تكوين أحزاب علي أساس ديني وقلنا لا تكون أحزاب دينية بمعني طائفية, أي لا يكون الحزب للمسلمين فقط أو للمسيحيين فقط, أو الفئوية كالطبقة العاملة فقط, فالطائفية ممنوعة, إنما أن تكون هناك أحزاب لها مرجعية إسلامية فهذا أمر طبيعي بنص الدستور, فالدستور يجعل المرجعية الإسلامية مرجعية الأمة كلها, فالإسلام هو ذاتية الأمة وهويتها, فنحن عرب مسلمين, ولا أحد يستطيع أن ينزع الهوية أو العقيدة الإسلامية أو الانتماء الإسلامي من الأمة, وكما قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أعزنا الله بالإسلام فمن ابتغي العزة في غيره أذله الله, والقرآن يقول: ولله العزة ورسوله وللمؤمنين جعل العذة للمؤمنين من عزة الله وعزة رسوله, فنحن نعتز بانتمائنا للإسلام, وصعود الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية شيء طبيعي لأنها تعبر عن الأمة, وأقول بعد ثورة1919 لماذا كان حزب الوفد هو حزب الأغلبية, لأنه كان يعبر عن القضية وقتها, قية الاستقلال, اليوم القضية هي عودة الإسلام وأذكركم بتصريح جون ماكين عندما زار مصر في فبراير الماضي ونشر تصريحه في الصحف, لكن الناس مرت عليه مرور الكرام, قال الحدث الذي يحدث في مصر الآن هو الحدث الأهم في الشرق منذ سقوط الدولة العثمانية وسيكون له تأثيره في الشرق وفي العالم كله فالقضية المطروحة الآن هي أن نبني بلدا إسلاميا معتدلا منفتحا عقلانيا مستنيرا وطنيا دستوريا ديمقراطيا شوريا, كل هذا يجعلنا أمام نهضة إسلامية في الشرق كله, وأقول الليبرالية دخلت نفقا مظلما لن تخرج منه وبعد سقوط الشيوعية ستسقط الليبرالية, البديل الحضاري الوحيد المطروح علي النطاق العالمي هو البديل الإسلامي, ولذلك ليس غريبا صعود التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية.
بما أنكم عضو باللجنة التأسيسية بالدستور وضمن وفد الأزهر باللجنة.. فهل الدستور الجديد سيعبر عن أطياف المجتمع؟
أقول إن أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور يعملون بروح جهادية, نذروا أنفسهم لهذا العمل في سبيل الله وفي سبيل مصر, والعمل فيها يسير سيرا حسنا, وأنا مقرر لجنة المقومات الأساسية للدولة, ومعي زملائي جميعا نعمل بروح توافقية تكاد تكون بالإجماع, ومعنا ممثلون للكنيسة وللسلفيين والإخوان والعلمانيين وكلهم يعملون بشكل جيد, وبروح طيبة جدا وبإخلاص وهناك إصرار علي صنع دستور مصري يليق بهذا البلد الأمين الذي ذكر في القرآن25 مرة, دستور عظيم يليق بالثورة وبالدولة وبالأمة إن شاء الله تعالي.
الخطاب الديني هل يحتاج إلي تطوير أم تجديد أو إعادة هيكلة نظم التعليم؟
طرقت هذا المبحث منذ سنوات طويلة, وفي مشروعي الفكري كان لي اهتمام مركز علي مدرسة الإحياء والتجديد والحركة الإصلاحية الإسلامية التي تبلورت في القرن التاسع عشر ولها امتدادات حتي عصرنا الراهن, ودائما كنت أنبه لهذا الأمر وكتبت كتابا بعنوان خطابنا الديني بين التجديد الإسلامي والتجديد الأمريكاني وقلت إن الناس تتحدث كثيرا في الخطاب الديني رغم أننا في الحقيقة لدينا خطابات دينية وليس خطابا واحدا, فالإسلام واحد.. الكتاب والسنة.. لكن الرؤي والخطاب الذي يفسر هذا الإسلام ويقسمه هي خطابات متنوعة, فمثلا الصوفية لهم خطاب, حتي في تفسير القرآن عندهم هناك التفسير الإشاري وهو التفسير الصوفي, وأنا راجعت أخيرا كتاب عن تفاسير صوفية غير منشورة مثل تفسير الحلاج وتفسير الجنيد وكلاهما يختلف عن الآخر, فهناك صوفية تقترب من أهل السنة والجماعة, وصوفية تقترب من الباطنية, فالتصوف له خطاب ديني, له لون متميز يركز علي القلب وخطرات القلوب, والسلفية لها خطاب ديني مختلف, يقف غالبا عند ظواهر النصوص, يهتم بالشكل أكثر من المقاصد, الوسطية الإسلامية لها خطاب جامع فيه العقيدة السلفية والنزعة التجديدية والنزعة الروحية, إذن نستطيع أن نقول إن لدينا خطابات دينية وليس خطاب ديني واحد, المزعج أن تكون هناك لغة واحدة تمثل نزعة متطرفة في الخطاب الديني, تكون هي السائدة, أما إذا كانت السيادة والعموم والشمول للنزعة الوسطية والتيار الوسطي فأتصور أننا سنكون بخير, أما أن نحلم بخطاب ديني واحد فهذا نوع من الوهم والحلم بالمستحيل, فالقرآن الكريم يقول: ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن يتحدث في ثلاثة ألوان من الخطاب. الحكمة, برهان أهل الخاصة من الفلاسفة, والموعظة الحسنة لجمهور الناس, والجدل لأهل علم الكلام الوسطي, إذن لدينا خطابات دينية وليس خطاب ديني واحد, وأنبه إلي أننا في السنوات الأخيرة تعرضنا لحملة ابتزاز تحت بند الخطاب الديني, والناس لا يسألون في الخطاب الديني لدي الآخرين, أنا رأست تحرير مجلة الأزهر منذ أكثر من عام ننشر بابا ثابتا بعنوان فتاوي الحاخامات نأتي بفتوي للحاخامات ولو قرأ الناس هذا الخطاب الديني لرأوا شيئا لا يحتمل, فمثلا رجل يسأل الحاخام: هل يجوز أن يضبط ساعته علي ساعة الكنيسة؟ فيفتيه بأنه حرام, رجل آخر يسأل: هل يجوز في السياحة أن أزور الفاتيكان؟ يجيبه الحاخام: هذا حرام, سائل آخر يسأل أنه يعد دراسة جامعية فهل يجوز أن يبيت في بيت العهد الجديد؟ يجيبه: هذا حرام.. وللأسف لا أحد يسلط الضوء علي هذا الخطاب, ولا أحد يسلط الضوء علي أن التلمود يقول لليهود وهي يصلي كل صباح صلاة شكر لأن الله لم يخلقه عبدا ولا وثنيا ولا امرإ!!, ولا أحد يسلط الضوء علي هذا الخطاب ويملأون الدنيا ضجيجا ويبتزوننا بدعوي أن خطابنا الديني خطاب متشدد, ويسلطون الضوء علي عورات بعض الخطاب الديني عندنا, والإعلام العالمي يسلط الضوء علي العورات الفكرية ويترك المساحة الوسطية التي تمثل أغلبية الأمة, فأغلبية الأمة أهل سنة وجماعة, وأهل السنة والجماعة يمثلون90% من تعداد الأمة الاسلامية والأشعرية والماترودية يمثلون99% من أهل السنة, ولا أحد يسلط الضوء علي هذا, نحن دعاة تجديد لخطابنا الديني, وعندما نشرت الأعمال الكاملة للكواكبي والأفغاني ومحمد عبده وهذه المدرسة الوسطية كنت أزكي هذا التجديد وهذه الوسطية والاستنارة والإصلاح والعقلانية المستنيرة والمؤمنة, فنحن نريد ممن يكثرون الحديث عن الخطاب الديني ويبتزوننا, أولا سلطوا الضوء علي ما لدي الآخرين, وثانيا عليكم ان تدركوا أن هناك محاولة لاجتثاث الإسلام تحت عنوان تجديد الخطاب الديني, هم يدرسون علمنة الإسلام وتحديث الخطاب بمعني أن تكون هناك قطيعة معرفية كبري مع الموروث الديني, وقد طرحت كل هذه القضايا في كتابي خطابنا الديني بين التجديد الإسلامي والتبديد الأمريكاني, هم يريدون خطابا دينيا يقف عند دورة المياه, ولا يتحدث في الأموال ولا في السياسة ولا في نظام الحكم أو وحدة الأمة والعزة الإسلامية, وكل هذه الأمور, يريدون خطابا دينيا في الأمور التفصيلية فقه دورة المياه أما إذا اقتربنا من السياسة ومصلحة الأمة والأموال ووحدة الأمة فيقولون هذا تشدد وخطاب ديني غير ملائم, فقضية الخطاب الديني تحتاج منا نحن المسلمين إلي وعي ونوع من العرض الموضوعي الجديد, وأقول الإعلام عالميا غير محايد ومنحاز انحيازا كبيرا للمشروع الصهيوني والاستبداد والرأسمالية المتوحشة, وهذا الإعلام صناعة ثقيلة للكذب, مليارات تنفق علي الإعلام العالمي, وأستحضر أمام هذا قول الله تعالي: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون يتحول الكذب إلي صناعة ثقيلة تدر مليارات الدولارات علي أصحابها, بالإضافة إلي هذا هناك إعلام جيد ومخلص ونحن نريد لإعلامنا ألا يسير في موكب الكذب العالمي وأدعوه أن يسلط الضوء علي قضايا الأمة الحقيقية, وأقول كم ينفق الإعلام علي كرة القدم, وكم ينفق علي العلم والمعرفة, ولابد أن تتعدل الأمور وتتوازن بأمانة وموضوعية.
هل نحن بحاجة الآن إلي فقه جديد؟
نعم نحن بحاجة دائما وأبدا إلي فقه جديد, لماذا؟ لأن الفقه معناه الوعي والفهم, وتجديد الوعي والفهم قضية دائمة, أيضا الفقه هو علم الفروع, بمعني أن الإسلام فيه أصول( ثوابت) لا تتغير بتغير الزمان والمكان مثل العقائد كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وقواعد الإسلام وثوابت الإسلام وأركانه وقواعد الإحسان, أما الفقه ومنه السياسة فهذه فروع تتجدد وتتغير بتغير الزمان والمكان, وشهير ما قاله ابن القيم وكتب فيه فصلا نفسيا في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين عن تغير الفتوي والأحكام بتغير الزمان والمكان والمصالح والملابسات والمقاصد, وكل هذه الأمور, وعموما فالتجديد في الفقه سنة من سنن الله في الكون, والفقه نوعان: فقه الواقع والواقع متغير ودائم التغيير, وفقه الأحكام التي لابد أن تتنزل علي الواقع, ويعقد القرآن بين فقه الواقع وفقه الأحكام, فالفقه لأنه علم الفروع يتطور دائما وأبدا, بينما ثوابت الإسلام لا تتغير ولا تتبدل, فنحن في حاجة لفقه جديد, لكن هذا الفقه الجديد يقوم به العلماء المتخصصون وليس الهواة, أقرأ لبعض المهاجمين للفقه الإسلامي ويتهمونه بأنه فقه الحيل وليس فيه شيء ذي بال, وحينما أقرأ للسنهوري باشا وهو فقيه القانون وفقيه الشريعة فما كتبه في الفقه الإسلامي يجعل أعناقنا ترتفع للسماء, يتحدث في الفقه حيث الخبير القانوني وبالشريعة الإسلامية, وقد نشرت مذكراته في مجلة الأزهر وكتبت عنه, إذن نحن في حاجة لتجديد الفقه وفقه الواقع والأحكام, ونعقد القران بين فقه الواقع وفقه الأحكام, لكن الذي يصنع هذا هم الفقهاء والعلماء المتخصصون الذين يدركون علوم القرآن والسنة والاجتهاد والتراث, فنحن أمة تمتلك تراثا فقهيا تباهي به الدنيا, وفي ثلاثينيات القرن العشرين عقدت مؤتمرات القانون الدولي اعتمدت فيه الشريعة الإسلامية شريعة متميزة ومصدرا من مصادر التشريع العالمي, فنريد لمن يتحدثون عن الفقه الإسلامي أن يفقهوا هذا, أما الأغراض غير الطيبة وغير المحمودة فلتذهب بعيدا, ولابد من احترام التخصص.
ما هو دور هيئة كبار العلماء ومرجعية الأزهر في الدستور الجديد؟
الأزهر يعود مرة أخري إلي الساحة بعد أن غيب لسنوات طويلة, فهو لم يغب لكنه غيب عمدا, وأنا أعرف عن أحوال النظام السابق وتعامله مع مشيخة الأزهر أشياء يندي لها الجبين, فرض علي شيخ الأزهر السابق أن يستقبل الحاخام ولم يكن يريد وقال لي: إن رئيس الجمهورية السابق فرض عليه وألزمه بلقاء الحاخام, فالأزهر غيب عمدا لكي تكون الهيمنة لغلاة العلمانيين والحداثيين الذين أفسدوا الحياة الثقافية والفكرية والذين جعلوا للنظام السابق هيمنة علي كل مفاصل الحياة حتي علوم ومناهج الأزهر همشت, لكن الآن في عهد شيخه الدكتور أحمد الطيب وعهد ما بعد ثورة25 يناير وهيئة كبار العلماء يعود الأزهر مرة أخري إلي الساحة, والحمل ثقيل ويحتاج لمجاهدين وإلي فترة لتغيير المناهج الأزهرية لإعادة الأزهر المؤسسة الأم لأهل السنة والجماعة علي نطاق العالم الإسلامي كله, نتطلع لآمال كبيرة يعود بها الأزهر إلي الريادة والإمامة في العالم الاسلامي من جديد إن شاء الله.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg