الجمعة 25 من شوال 1432 هـ   23 سبتمبر 2011 السنة 136 العدد 45581
رئيس مجلس الادارة
لبيب السباعى
رئيس التحرير
عبد العظيم حماد
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | فكر دينى
 
‏15‏ مليون صوفي بمصر‏..11 قرنا من البناء الروحي
إعداد‏:‏ أحمد عامر عبدالله
2146
 
عدد القراءات

تمتد ظاهرة الإسلام الصوفي في مصر إلي القرن الثالث الهجري‏,‏ وتمثله اليوم الطرق الصوفية

 التي يصل العدد الرسمي منها والمصرح له قانونا إلي76 طريقة- رئيسية وفرعية- تضم حسب كثير من التقديرات ـ ما يقرب من15 مليون مصري كأعضاء منتظمين في عام2011, منتشرين في مختلف المحافظات والمراكز والنجوع والقري علي مستوي الجمهورية, واللافت للنظر في الفترة الأخيرة أن ثورة25 يناير ألقت حجرا كبيرا في بحيرة الطرق الصوفية المصرية الراكدة, مما جعل هناك رغبة لديهم في التحرر السياسي والاجتماعي.
لذلك تفتح صفحة الفكر الديني ملف الصوفيين في مصر, وسنحاول في هذه الحلقة التعرف عليهم عن قرب, من خلال بداياتهم في مصر, وإنشاء مشيخة مشايخ الطرق, وكيفية تعيين رؤساء المشيخة, والممارسات والشعائر التي يقومون بها في حياتهم, ودورهم في المجتمع.
يرجع أصل الطرق الصوفية كما تقول موسوعة ويكيبيديا إلي عهد رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم عندما كان يخص كلا من اصحابه بورد يتفق مع درجته وأحواله, وأخذ الصحابي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, من النبي الذكر بالنفي والإثبات وهو( لا إله إلا الله), وأخذ الصحابي أبو بكر الصديق رضي الله عنه, الذكر بالاسم المفرد( الله). ثم أخذ عنهما من التابعين هذه الأذكار( الأدعية) وسميت الطريقتان: بالبكرية والعلوية. ثم نقلت الطريقتان حتي التقتا عند الإمام أبوالقاسم الجنيد. ثم تفرعتا إلي الخلوتية, والنقشبندية. واستمر الحال كذلك حتي جاء الأقطاب الأربعة السيد أحمد الرفاعي والسيد عبد القادر الجيلاني والسيد أحمد البدوي والسيد إبراهيم الدسوقي وشيدوا طرقهم الرئيسية وأضافوا إليها أورادهم وأدعيتهم. وتوجد اليوم طرق عديدة جدا في أنحاء العالم ولكنها كلها مستمدة من هذه الطرق الأربع. إضافة إلي أوراد السيد أبو الحسن الشاذلي صاحب الطريقة الشاذلية والتي تعتبر جزءا من أوراد أي طريقة موجودة اليوم.
تعريف التصوف
تعرف موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية التصوف من ناحيتين هما اللغة والاصطلاح, فمن ناحية اللغة ذكرت الموسوعة أنه اشتق التصوف عند المسلمين علي عدة أقوال, أشهرها: أنه من الصوفة, لأن الصوفي مع الله تعالي كالصوفة المطروحة, لاستسلامه لله تعالي, وأنه من الصفة, إذ إن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات, وترك المذموم منها, وأنه من الصفة, لأن صاحبه تابع لأهل الصفة الذين هم الرعيل الأول من رجال التصوف( وهم مجموعة من المساكين الفقراء كانوا يقيمون في المسجد النبوي الشريف ويعطيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم من الصدقات والزكاة طعامهم ولباسهم), وأنه من الصف, فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله تعالي; وتسابقهم في سائر الطاعات, وأنه من الصوف, لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والاخشيشان, وأنه من الصفاء, فلفظة صوفي علي وزن عوفي, أي: عافاه الله فعوفي, بينما أرجع البعض اسم التصوف إلي رجل زاهد متعبد في الجاهلية كان يلقب بـ( صوفة) واسمه هو الغوث بن بركان أو في رواية الغوث بن مر, كما أشار الزمخشري في أساس البلاغة والفيروز آبادي في قاموسه المحيط إلي أن قوما في الجاهلية سموا بهذا الاسم وكانوا يعبدون الله في الكعبة ومن تشبه بهم سمي صوفيا. ومنهم نشأت طبقة المتحنفين مثل ورقة بن نوفل.
فهذا هو الاختلاف الواقع في أصل لفظة التصوف واشتقاقها, ولذلك اضطر الصوفي القديم علي الهجويري المتوفي سنة465 هـ إلي أن يقول:( إن اشتقاق هذا الاسم لا يصح من مقتضي اللغة في أي معني, لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس ليشتق منه). وبمثل ذلك قال القشيري في رسالته:( ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق). كما أنه مما لاشك فيه أنه لا يصح ولا يستقيم اشتقاقه من حيث اللغة إلا من الصوف, ولو أنه هو اختيار الكثيرين من الصوفية وغيرهم كالطوسي, وأبي طالب المكي, والسهروردي وأبي المفاخر يحيي باخرزي, وابن تيمية, وابن خلدون من المتقدمين. وأرجح الأقوال وأقربها إلي العقل مذهب القائلين بأن الصوفي نسبة إلي الصوف, وأن المتصوف مأخوذ منه أيضا, فيقال: تصوف إذا لبس الصوف).
أما تعريف التصوف من حيث الاصطلاح, فقد كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا علي آراء متقاربة, كل منها يشير إلي جانب رئيسي في التصوف, والتي منها: قول الشيخ زكريا الأنصاري: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس, وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية, و قول الشيخ أحمد زروق: التصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالي عما سواه. والفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول علم التوحيد لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.وقال أيضا: وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين, مرجع كلها لصدق التوجه إلي الله تعالي, وإنما هي وجوه فيه, وقول الإمام الجنيد: التصوف استعمال كل خلق سني, وترك كل خلق دني, وقول الإمام أبو الحسن الشاذلي: التصوف تدريب النفس علي العبودية, وردها لأحكام الربوبية, وقول الإمام ابن عجيبة: التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلي حضرة ملك الملوك, وتصفية البواطن من الرذائل, وتحليتها بأنواع الفضائل, وأوله علم, ووسطه عمل, وآخره موهبة.
بدايات الطرق في مصر
في رسالة دكتوراه أعدها الدكتور مصطفي فهمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في عام2009 بعنوان الفكر الصوفي في مصر في القرن الرابع عشر الهجري, العشرين الميلادي تناول خلالها بدايات الطرق الصوفية في مصر, أوضحت الرسالة أنه يكاد يتفق القول علي أن الصوفية المصريين معتدلون في تصوفهم, بسبب بعدهم عن العناصر الأجنبية الدخيلة التي لا تتفق وروح الإسلام, فقد جمع بين صوفية طرق المصريين جميعا طابع خاص هو العناية بالجانب العملي الخلقي من التصوف أكثر من العناية بالخوض في المسائل النظرية الصوفية الفلسفية.
ويتضح ذلك حسب الرسالة- منذ أول تنظيم رسمي للصوفية في مصر, والذي يرجع تاريخه إلي صلاح الدين الأيوبي, الذي أنشأ أول خانقاه; سميت بسعيد السعداء, وكانت تعرف بدويرة الصوفية بالقاهرة, وقد جعلها لإقامة الصوفية الوافدين إلي مصر, وذلك في سنة(569 هـ/1173م), ولقب شيخ هذه الخانقاه بشيخ الشيوخ, وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجي بركتهم, وفي هذا العصر انتشر المذهب السني, وانحسر المذهب الشيعي, ثم قامت في العصر المملوكي الخانقاوات الكثيرة, وكان أبرزها خانقاه سرياقوس, والتي أسسها الناصر محمد بن قلاوون سنة(725 هـ/1324م) وصار شيخها معتبرا في درجة شيخ خانقاه سعيد السعداء, كما انتشرت المدارس الصوفية, كالتي قامت في القاهرة واستوعبت كل من وفد إليها من صوفية المشرق الإسلامي, وكالتي قامت في صعيد مصر, وأسسها الشيخ عبدالرحيم القنائي الذي توفي(592 هـ/1195م) ثم خلفه عليها الصوفي المصري أبو الحسن الصباغ الذي توفي(613 هـ/1216م), كما كانت هناك مدرسة الإسكندرية التي وفد إليها من العراق الشيخ الواسطي وأقام بها وبشر بالطريقة الرفاعية والذي توفي(630 هـ/1232م),وممن وفد إلي مدرسة الإسكندرية السيد أحمد البدوي الذي توفي(675 هـ/1276م) مؤسس الطريقة الأحمدية, ثم أقام بطنطا بعد ذلك, كما استوطن بها الشيخ أبو الحسن الشاذلي الذي توفي(656 هـ/1258م) مؤسس الطريقة الشاذلية ومعه جملة من تلاميذه ومريديه, ثم قام علي الطريقة من بعده أبو العباس المرسي الذي توفي(686 هـ/1287م) ثم من بعده الصوفي المصري ابن عطاء الله السكندري(709 هـ/1309م), كما ظهر في هذا العصر في مصر الشيخ إبراهيم الدسوقي الذي توفي(676 هـ/1277م) بدسوق, والذي أسس الطريقة البرهامية.
وتشير رسالة الدكتوراه إلي أنه كان لشيوخ الطرق آنذاك دورهم البارز في مجريات الحياة العامة, فقد كانوا يعاونون سلاطين المماليك في جهادهم الأعداء, كما هو معروف عن الإمام أبي الحسن الشاذلي وغيره, كما كانوا يتمتعون بمكانة بارزة وعالية عندهم, كما هو معروف عن السيد أحمد البدوي, ثم جاء العصر العثماني, وانتشرت فيه الطرق الصوفية انتشارا واسعا, شملت جميع طبقات الشعب المصري, وأوضحنا كيف انصرفت عناية أصحاب الطرق إلي الشكليات, والرسوم أكثر من العناية بجوهر التصوف نفسه, فضلا عن المبالغة في تقديس الشيوخ, والكرامات, والاحتفالات, وغير ذلك مما أساء بالفعل إلي صورة التصوف الصحيح ومكانته, وعند مجيء الحملة الفرنسية علي مصر سنة(1213 هـ/1798م) كان بشكل غير رسمي يتولي شئون الصوفية في مصر السيد خليل البكري, الذي كان شيخا للسجادة البكرية ونقيبا للأشراف, وقد عين عضوا في الديوان الذي أنشأه نابليون بونابرت, ولما انسحب الفرنسيون من مصر سنة(1216 هـ/1801م) قام الوالي العثماني محمد باشا خسرو بإقالة خليل البكري, فأعاد تعيين عمر مكرم نقيبا للأشراف, كما قام بتعيين محمد أبي السعود البكري في منصب شيخ السجادة البكرية.
وبينت الرسالة أن تاريخ نقابة الأشراف أطول من تاريخ مشيخة الطرق الصوفية والمشيخة البكرية نفسها, فالشرف في الأصل بمعني الرفعة, وكان يطلق في الجاهلية علي عظماء العرب, ونجد في كتب التاريخ والسير القديمة فلانا الشريف العباسي, وفلانا الشريف العلوي ونحو ذلك, وقد حرص القوم علي حفظ أنساب تلك البيوت فأحدثوا وظيفة نقابة الأشراف, وهي وظيفة عامة تشمل التكلم والنظر في أنساب جميع الأشراف من أهل تلك البيوت.
إنشاء مشيخة مشايخ الطرق
وتطرق الدكتور مصطفي فهمي في رسالته إلي إنشاء مشيخة مشايخ الطرق الصوفية في مصر الذي كان نتيجة لكثرة الطرق, وانتشارها الواسع, وتأثيرها الكبير علي جموع الفلاحين والحرفيين, الأمر الذي جعل محمد علي باشا يصدر لضمان إحكام السيطرة عليها فرمانا رسميا سنة(1227 هـ/1812م) بتولي السيد محمد البكري زعامة كافة الطرق الصوفية, بالإضافة إلي نقابة الأشراف, وهو القرار الذي صدر في إطار تحديث دولته من جهة, ولضمان عدم وقوع هذه الطرق تحت تأثير الزعامات الدينية والمتمثلة في الأزهر الشريف ورجاله, والتي أبعدها محمد علي عن دائرة التأثير في الحياة العامة, ولعله بهذا الإبعاد كان يريد إحداث الموازنة من خلال إشراك الطرق الصوفية مع الأزهر الشريف الذي نفي زعامته في مطلع القرن التاسع عشر, ولعل هذا هو السبب الذي جعل أهمية التصوف منذ ذلك الوقت فصاعدا تقل من حيث هو فرع من فروع المعرفة التي تدرس بالأزهر الشريف, فتحول الأخير إلي قلعة قومية تقليدية ومركز للمعارضة ضد أولئك الذين ينشرون المفاهيم الصوفية الإسلامية, فقام بدوره في تجميد وتحجير التصوف الإسلامي في رحابه.
ثم قام الخديو سعيد بعد وفاة محمد البكري( ت1271هـ/1855م) بتعيين ابنه علي في منصبي شيخ السجادة البكرية ونقابة الأشراف, بالإضافة إلي سلطته علي الطرق الصوفية, والتي ارتبطت يومئذ بما يسمي( حق القدم), وهو: الحق المقصود علي طريقة ما في الدعوة لنفسها بين الانتشار بين الناس والظهور علنا في منطقة معينة إذا ما أمكن البرهنة علي أنها أول من قامت بهذا الإجراء, ومبدأ حق القدم هو الذي جعل رؤساء الطرق الصوفية مضطرين للاعتماد علي علي البكري والانضواء تحت سلطته ماداموا ارادوا لطرقهم ولأنفسهم كرؤساء علي هذه الطرق الاستمرار والبقاء, غير أن هذا المبدأ ألغي رسميا في سنة1905 م, ثم عين الخديوي توفيق بعد وفاة علي البكري(1298 هـ/1880م) ابنه عبد الباقي علي نفس مناصبه, والذي أصدر مجموعة من القوانين والتنظيمات بلغت تسعا وعشرين مادة, تتعلق بالشعائر الدينية والشئون الداخلية لرؤساء الطرق, محاولا إصلاح حال الطرق الصوفية حينئذ.
قانون تنظيم رئاسة المشيخة
كما ذكر الدكتور مصطفي فهمي في رسالته كيفية تعيين رؤساء مشيخة مشايخ الطرق الصوفية, التي وصل عدد الرسمي منها والمصرح له قانونا عام2011 إلي76 طريقة- رئيسية وفرعية- يضمون حسب كثير من التقديرات ما يقرب من11 مليون صوفي في عام2009 وقت إعداد رسالة الدكتوراة ونحو15 مليون في عام2011 كأعضاء منتظمين, ومنتشرين في مختلف المحافظات والمراكز والنجوع والقري علي مستوي الجمهورية.
حيث قال في الرسالة: إنه في سنة(1310 هـ/1892م) تم تعيين السيد محمد توفيق البكري شيخا لمشايخ الطرق الصوفية, وشيخا للسجادة البكرية, ونقيبا للأشراف بأمر من الخديو عباس حلمي الثاني, ولكن لم تتدعم سلطته كشيخ مشايخ الطرق الصوفية إلا في عام1895 م, عندما تم له نشر لائحة الطرق الصوفية بقرار من الخديو, تتضمن مجموعة من التنظيمات والقوانين, تضم بين دفتيها ست عشرة مادة.
ولما توفي السيد محمد توفيق البكري(1329 هـ/1911م) قام الملك فؤاد تحت رعاية الحكومة البريطانية بتعيين السيد عبد الحميد بن عبد الباقي البكري, ثم من بعده السيد أحمد مراد بن عبد الحميد بن عبد الباقي البكري(1368 هـ/1947م) والذي بوفاته خرجت إلي الأبد مشيخة الطرق الصوفية من بيت البكري في عهد الملك فاروق, ثم تولي رئاسة المشيخة بعد ذلك كل من: الشيخ أحمد الصاوي, من سنة(1368 هـ/1947م) إلي سنة(1378 هـ/1958م). والشيخ محمد محمود علوان, من سنة(1378 هـ/1958 م) إلي سنة(1400 هـ/1979 م). والشيخ محمد السطوحي, من سنة(1400 هـ/1979م) إلي سنة(1404 هـ/1983م). والدكتور أبو الوفا التفتازاني, من سنة(1404 هـ/1983م) إلي سنة(1415 هـ/1994 م). والشيخ أحمد عبد الهادي القصبي, من سنة(1415 هـ/1994م) إلي سنة(1418 هـ/1997 م). والشيخ حسن سعيد الشناوي, من سنة(1418 هـ/1997 م) إلي سنة(1429 هـ/2008 م). والشيخ أحمد كامل ياسين, من سنة(1429 هـ/2008م), والشيخ عبدالهادي القصبي, من سنة(1429 هـ/2008م) إلي الآن.
وأوضحت الرسالة أنه في عهد محمد محمود علوان صدر القانون المنظم للطرق الصوفية رقم(118) لسنة1976 م, الذي ينص علي أن المجلس الأعلي الصوفي يتكون من عشرة أعضاء منتخبين من مشايخ الطرق الصوفية, وخمسة أعضاء معينين بحكم وظائفهم, ويمثلون وزارات: الأوقاف والتنمية الإدارية والثقافة والداخلية والأزهر الشريف, ويتخذ هذا المجلس قراراته بالأغلبية, وتجري الانتخابات كل ثلاث سنوات, وينتخب شيخ المشايخ من بين أعضاء المجلس المنتخبين من زملائهم مشايخ الطرق الأخري ليصدر بشأنه قرار من رئيس الجمهورية, ويطلق علي التنظيم الرسمي للطرق الصوفية في مصر, والمراكز والوظائف الاجتماعية المختلفة لأعضائها; البناء السلمي الروحي للطرق الصوفية, ويتكون من: مشيخة الطرق الصوفية: ويتولي رئاستها والإشراف عليها شيخ مشايخ الطرق الصوفية الذي يقوم بتنفيذ القرارات الصادرة من المجلس الصوفي الأعلي, والمجلس الصوفي الأعلي: يتكون من شيخ مشايخ الطرق الصوفية رئيسا, وأربعة عشر عضوا, ويختص المجلس بتعيين مشايخ الطرق أو فصلهم من مناصبهم أو إيقافهم لمدة معينة بالإضافة إلي حل المشكلات التي تواجه الطرق, ومشايخ الطرق الصوفية, ويتولي كل شيخ الإشراف علي شئون الطريقة ويرعي آدابها وسلوكها, وعدد المشايخ وقت هذا البحث ستة وسبعون شيخا, ووكلاء المشيخة العامة: يوجد في كل محافظة من محافظات مصر, وفي كل مركز من مراكزها وكيل عن المشيخة العامة للطرق الصوفية, دوره الإشراف علي الشعائر التي يقوم بها رجال الطرق في المواكب والاحتفالات, وهم حلقة الوصل بين رجال الطرق والجهات الإدارية, والنواب: تعتمد عليهم الطرق في انتشارها, فلكل شيخ نواب يمثلونه في المحافظات والمراكز التي له فيها أتباع, ويتولي النائب الإشراف علي الخلفاء والمريدين, بالإضافة إلي نشر الطريقة واكتساب أعضاء جدد, فالنائب هو حلقة الاتصال بين الشيخ وأفراد الطريقة, والخلفاء: وهم بعد النواب في التسلسل التنظيمي للطرق الصوفية في مصر, وتقع علي عاتقهم مسئولية نشر الطريقة في الأحياء المختلفة, ويقومون بفتح مجالس الذكر, ويديرونها, كما يتولون الدعوة لاتباع الطريق الصوفي وآدابه وأخلاقه, ويسعون إلي تحقيق قيم الجماعة, والنقباء: ويختارهم الشيخ من بين مريديه, ووظيفتهم تتمثل في القيام بالخدمات العامة التي تحتاجها الطريقة, فالنقيب عضو من أعضاء الجماعة يكلف بالقيام بتأدية خدمة لباقي الأعضاء, واختياره يعد تكريما له ودلالة علي تمتعه بمكانة اجتماعية أعلي من المريدين في السلم الرئاسي, والمريدون: وهم أكبر أعضاء الجماعة الصوفية عددا, ويقعون في أدني التسلسل التنظيمي, وتقاس قوة الطريقة ونفوذها بأعداد مريديها, فكلما زادت العضوية اعتبرت الطريقة أكثر نفوذا وأكثر تأثيرا في جذب الأعضاء الجدد لها.
ممارسات وشعائر الصوفية
كما تضمنت رسالة الدكتور مصطفي فهمي الممارسات والشعائر التي يمارسها الصوفيون في حياتهم, والتي تعتبر الشعائر- التعبير الرمزي عن المشاعر والاتجاهات والقيم والمعتقدات عن طريق أفعال وممارسات منظمة تعمل علي تقوية المعتقد لدي المريد, وسوف نتناول من هذه الشعائر العهد الصوفي وهو شرط العلم بالشريعة والتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما, ثم صدق التوجه لله, شرطان أساسيان للمبتدئ في الطريق, ثم أضيف إلي ذلك الالتزام بعدم أخذ عهد سابق مع طريقة صوفية أخري, ولعل الاستعداد, والإرادة القوية يعتبران مؤهلا قويا للالتزام بالشريعة, بمجرد العلم بها, سواء قبل الطريق أو بعده, إذ بهما يتم العمل بالعلم, ومن ثم وراثة علم ما لم يعلم, وبدونها يقف الفرد أو الصوفي عند حد العلم النظري, الذي لا يفيد صاحبه. ويعتبر العهد الصوفي بين الشيخ والمريد معاهدة يلتزم بمقتضاها المريد بفعل العبادات وترك المعاصي, وطاعة الشيخ واتباع طريقته, والالتزام بقواعد وآداب الطريق, والمداومة علي الورد المكلف به, والمشاركة في شعائر وطقوس الطريقة, ومن هنا تأتي أهمية الشيخ للمريد, فهو كالأستاذ المعلم للطالب الذي لا يستغني عنه, والحقيقة الراسخة عند الصوفية أن هذا العهد يمثل رمزا للمعاهدة بين الله سبحانه وتعالي والمريد, وينقسم العهد في الطرق الصوفية إلي قسمين; عهد المريد أمام شيخه, والعهد الجماعي, ويسمي عهد البركة, وهو الذي لا تحكمه أية قيود, ولا يترتب عليه التزامات, ويجوز للمريد أن يطلبه مرات عديدة من شيخ الطريق أو أي شيخ طريق صوفي آخر بغرض التماس البركة.
أما ثاني الشعائر- كما ورد في رسالة الدكتوراه- فهي الذكر والحضرة وتوضح الرسالة أنه لم يحظ نمطـ من أنماط العبادة بعد أداء الفروض بالعناية الفائقة مثل ما حظي به الذكر من قبل الطرق الصوفية, فالذكر لديهم ركن أساسي قوي في طريق الحق سبحانه وتعالي, بل هو الأساس في هذا الطريق ولا يصل أحد إلي الله إلا بدوام الذكر, فبداية الطريق تتمثل في تزكية النفس وتطهير القلب, وهدف الطريق تحقيق الحب الإلهي والوصول إلي المعرفة, وكل ذلك لا يتأتي إلا بدوام الذكر, فالذكر ضرورة ليس فقط في بداية الطريق وإنما في جميع مراحله, وقد أجمع مشايخ الطريق أنه ليس للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة الذكر, كما ذكر د/ عبد الحليم محمود أن المريد لن يترقي إلا بالذكر لأنه الركن الأساسي في طريق القوم, ومن خصائص الذكر أنه غير موقوت بوقت, فما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله تعالي إما فرضا وإما ندبا, والصلاة وإن كانت من أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات, والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات, كما أن خصائص الذكر هي الحضور في الحضرة الإلهية, فقد قال رسول الله- صلي الله عليه وسلم- قال الله سبحانه تعالي: أنا جليس من ذكرني, وقال الله تعالي: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني, فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وقال سبحانه تعالي: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون, سورة البقرة: آية152].
أما الحضرة فهي من أهم الممارسات الجماعية لدي الصوفية وأكثرها تأثيرا في الربط بين أفراد الجماعة, وتوثيق علاقة المحبة بينهم, بالإضافة إلي دورها الفعال في التأثير علي كل فرد علي حدة إذ ترتبط بأسماء الله الحسني, وبكل ما يتصل به من تسبيح وتعظيم, فهي جلاء للقلوب وتصفية للنفوس, وضرورية للفرد بنمطيها الفردي والجماعي, وتتمثل الواجبات الأساسية للدخول في الحضرة في الطهارة من الحدث الأكبر, والطهارة من الحدث الأصغر, أما ماعدا ذلك فلا يوجد شرط لدخول الحضرة, بل يمكن لأي غريب دخولها دون أي قيود, فالحضرة حضرة الله ولا يملك أحد فيها شيئا علي الإطلاق, وهي تقام في المساجد المختلفة تبعا لمكان السكن والعمل لكل مريد; مما يفسح المجال لمشاركة أي فرد خارج الجماعة أو الطريقة التي تقيمها بالدخول فيها, ويتخذ نظام الجلوس في الحضرة شكل دائرة مع مراعاة جلوس المنشدين بجوار بعضهم البعض, وللإنشاد دور كبير في التأثير في قلوب المريدين, وتنشيط أرواحهم حتي عبروا عن أهميته قائلين: إذا اعتبرنا الذكر روح التصوف فالإنشاد روح الذكر.
أما ثالثة الشعائر فهي المولد: والأصل في إقامة الموالد هو الاعتبار بسيرة صاحب المولد والانتفاع بذكراه, فضلا عن انتهاز فرصة التجمع للتعارف والتعاون علي البر والتقوي والانصراف إلي الله تعالي بذكره, والتعبد له, والاستماع إلي القرآن الكريم, والانتفاع بوعظ رجال الدين من العلماء, وذلك إلي جانب إخراج الصدقات, بالإضافة إلي الفائدة المعنوية والخير الذي يعم علي المشاركين في هذا المولد أو المناسبة, وتهتم الطرق الصوفية بالاحتفال بالمناسبات الدينية, وأهمها ذكري مولد رسول الله( صلي الله عليه وسلم) وأهل بيته, كما تشارك الدولة والهيئات الرسمية في الاحتفال بهذه المناسبات بالإضافة إلي مناسبة ليلة القدر, وليلة الإسراء والمعراج, ورأس السنة الهجرية وتدعمها, كما تحتفل كذلك كل طريقة صوفية بذكري مولد مؤسسها علي طريقتها الخاصة.
دورهم في المجتمع
ويشير الدكتور مصطفي فهمي في رسالته إلي أن الصوفية لهم دور بارز في المجتمع المصري, فبالإضافة إلي نشر الصوفية لأورادهم وأذكارهم, وأحزابهم الخاصة بطرقهم الخاصة, فقد كان لبعضهم محاولات أثناء الاحتلال البريطاني لمصر في نشر الكتيبات التي تدعو إلي معاداة البريطانيين إبان الحرب العالمية الأولي, ومن أبرزهم الشيخ محمد ماضي أبو العزائم, ثم محاولة أخري صدرت من الشيخ محمد أبي الفيض المنوفي الذي نشر مجموعة كتيبات تحمل اسم صحائف الحق وصدرت في المدة من سنة1919 م, حتي سنة1924 م بصورة غير منتظمة, ثم أصدر الشيخ المنوفي مجلة باسم لواء الإسلام في يوليو سنة1924 م بصورة متقطعة حتي سنة1930 م, وكانت تنقد السياسة البريطانية مما أدي إلي سحب ترخيصها وسجن صاحبها, ثم بدأت الاقتراحات تكثر من الطرق الصوفية بإنشاء مجلة لهم يعرضون فيها آراءهم وأفكارهم, حتي اتخذ المجلس الأعلي الصوفي قرارا في محضر جلسة أبريل سنة1936 م بإنشاء هذه المجلة باشتراك سنوي قدره خمسة وعشرون قرشا, وأن يقدم مشايخ الطرق كشوفا بأسماء المشتركين, وأن يكون الحد الأدني للمشتركين في كل طريقة ثلاثين عضوا, وعلي الرغم من هذا لم تر كل هذه الاقتراحات أو القرارات النور, وعند مجيء حكومة الثورة, قررت في سنة1958 م تدعيم مشيخة الطرق الصوفية في إنشاء مجلة لها تحمل اسم الإسلام والتصوف, وقد استمرت المجلة علي هذا الاسم بضع سنوات, ثم عادت وصدرت باسم التصوف الإسلامي في سنة1979 م.
كما توضح الرسالة أنه كان للطرق الصوفية آنذاك تأثير علي الحركة الثقافية, وإسهامها في تكوين عديد من المفكرين في مصر الحديثة من أمثال عبد الرحمن الجبرتي و حسن الطويل وأبو الوفا درويش و محمد عبده و عبد الله النديم و حسن البنا وغيرهم, فقد تتلمذ هؤلاء علي يد شيوخ الصوفية بين الدرس وحلقات الذكر في المسجد الأحمدي بطنطا, والدسوقي بدسوق, والقنائي بقنا, وأبي الدرداء بالإسكندرية, كما كان قبل ذلك للصوفيين علي اختلاف طبقاتهم, وعلي مر العصور أدب إسلامي رفيع وغزير, ومجال واسع في النثر والشعر, وباع طويل في كل أغراض الأدب, ومنزلة عالية في التجديد في معاني الأدب وأخيلته وأساليبه, وهذا يبرر ما احتوي عليه الأدب الصوفي من عاطفة صادقة, وتجربة عميقة في آثارهم, شعرا ونثرا, حكمة ونصيحة, موعظة ومثلا وعبرة, وقد تناول الصوفيون في أدبهم الكثير من دقائق الحكمة والتجربة والفكر والمعاني والأخيلة, وأعمق مشاعر الإنسان, وحفل أدبهم بروائع المناجاة والحب الإلهي.
وفي بدايات القرن العشرين كان محمد توفيق البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية يؤمن بسبق أوروبا في التعليم الحديث مما يستوجب النقل عنها بالترجمة إلي العربية, وتعلم اللغات الأوروبية, ودعاه ذلك إلي الدعوة إلي أن يكون التعليم عاما إجباريا في مراحله الثلاث: الابتدائي والثانوي والعالي, وأن تكون نسبة التلاميذ في المراحل الثلاث بقدر عشرين في المائة من عدد السكان.
كما كتب الشيخ توفيق البكري كتابا قيما عن التعليم والإرشاد ربط فيه بين الجهل ودوام الاستبداد والاستعمار, ورأي فيه أن المخرج من هذا لا يكون إلا بالتعليم.
ولأن الصوفية المعتدلين معلمون للنفوس, فهم أيضا معلمون للعقول, ففي مجال التربية والتعليم عمل أحد المدرسين كنائب لطريقة المرازقة الأحمدية ببندر ومركز فاقوس, وكذلك أحد نواب الطريقة الحامدية الشاذلية, كما كان شيخ الطريقة المنايفة الأحمدية مفتشا في التربية والتعليم وهو الشيخ علي فؤاد المنوفي, وكان شيخ الطريقة العزايمية الشيخ محمد ماضي أبو العزائم مدرسا بمديرية المنيا ثم مدرسا للفقه الإسلامي في كلية غوردون بالخرطوم في المدة من سنة1905 م إلي سنة1915 م, وكذلك عمل الأستاذ محمد زكي إبراهيم شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية مدرسا بالمدارس الأميرية بمحافظة بني سويف, ثم ظل يتدرج في وظائف التعليم المختلفة حتي أصبح رئيسا للسكرتارية العامة للتعليم الحر, وقد عمل أيضا أستاذا ومحاضرا للدراسات العليا بالمعاهد العالية ومعهد الدراسات الإسلامية ومعهد إعداد الدعاة.
ويعمل الأستاذ فوزي محمد أبو زيد رئيس الجمعية العامة للدعوة إلي الله, وممن يعملون علي تنقية التصوف مما شابه من مظاهر بعيدة عن روح الدين الإسلامي, وإحياء التصوف السلوكي المبني علي القرآن الكريم, وعمل رسول الله( صلي الله عليه وسلم) وأصحابه الكرام, نقول إنه يعمل مدير إدارة بمديرية طنطا التعليمية, وغيرهم الكثير من هذه النماذج التربوية والفكرية المستنيرة.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg