الأثنين 8 من ربيع الآخر 1434 هـ   18 فبراير 2013 السنة 137 العدد 46095
رئيس مجلس الادارة
ممدوح الولي
رئيس التحرير
عبد الناصر سلامة
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | الأهرام السياسى
 
تراث تمبكتو‏..‏ ثمن الصراع في مالي
796
 
عدد القراءات

كتبت دينا عمارة :
سطرت صفحات التاريخ مجازر فكرية تمثل أغلبها بحرق وتدمير الإرث من الكتب والمخطوطات التراثية‏,‏ منذ أن قام الاسكندر الأكبر بحرق مكتبة برسيبولس سنة‏335‏ ق‏.‏م

وقيل إنها كانت تحتوي علي عشرة آلاف مخطوط. ثم توالت سلسلة الحرائق: مكتبة الإسكندرية علي يديوليوس قيصر, مكتبة بيزنطة التي أحرقها ليون ايزوري, وهولاكو الذي أحرق مكتبات العراق, وتعددت وسائل تخريب التراث من قبل الغزاة, فمنهم من إستخدم النار ومنهم من ألقي بها في النهر مثل هولاكو الذي أفرغ مكتبة بغداد كلها في نهر دجلة حتي تحول لونه إلي اللون الأزرق من الحبر.
وكما الأندلسيون الذين نجحوا في تهريب كتبهم التراثية من بطش الإسبان, كان' علي إمام بن السيوطي' شيخ مسجد بني في القرن الرابع عشر, يدرك ضرورة الدفاع عن المخطوطات التراثية التي يقتنيها المسجد الذي صمد مئات السنوات في مدينة تمبكتو شمال مالي التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ, كان عليه ألا يسمح لأحدث غزاتها; المتمردين القوميين, والطوارق, والمتطرفين الإسلاميين بتدميرها الآن.
وبقطع بسيطة من القماش الخشن أخذ السيوطي يلف حوالي8 آلاف مخطوط بحذر شديد ووضعها بعناية في صندوق ثم نقلها سرا إلي مخبأ في مكان لم يكشف عنه لأنه يؤمن بأن هذه المخطوطات ليست ملكا لتمبكتو فقط بل هي تراث إنساني لابد من الحفاظ عليه. عاني سكان تمبكتو بشدة من حكم المقاتلين الإسلاميين الذين حرموا كل مباهج الحياة حتي تلك البريئة منها كالاستماع إلي الموسيقي والرقص. لكن الحياة بدأت تعود تدريجيا إلي سابق عهدها مع وصول القوات الفرنسية والمالية في يناير الماضي, لكن الإرث التاريخي الغني للمدينة عاني خسائر فادحة, فمدينة تمبكتو تشتهر بأنها مدينة الأولياء حيث تحتضن رفات333 عالما وشيخا صوفيا يحظون بتقدير بالغ, قام المتمردون الإسلاميون بتسوية العديد من هذه الأضرحة بالأرض زاعمين حرمة هذه الأضرحة, ولدي خروجهم السريع من المدينة ارتكب المقاتلون عملا شائنا آخر عندما أضرموا النيران في عشرات المخطوطات القديمة الموجودة في معهد أحمد بابا أضخم وأهم مكتبة في المدينة. تعد تلك المدينه الصغيره التي هي علي الرغم من صغرها حيث لايزيد سكانها علي نصف مليون نسمه, بمعايير دولة مالي من اهم واكبر المدن, بل انها من اكثرها أهمية وهي الأكثر شهرة حتي من باماكو العاصمة لسبب بسيط وهي انها من الحواضر العظمي للحضارة الاسلامية في وسط وغرب أفريقيا. المدينة لاسباب تاريخيه وجغرافية كثيرة صارت من علامات الحضارة الإسلامية في تلك المنطقة من العالم, حيث جامعة أو مدرسة ممتلئة بالدارسين, ومعهد علمي مزدحم بالمخطوطات الاسلامية النادرة, وهي أيضا جوهرة الصحراء التي أدرجت علي لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم( يونيسكو) في العام.1988
خلال فترة ازدهار تمبكتو جلب التجار الكتب وكان خطاطوها يكسبون قوتهم من نسخها يدويا, وتغطي هذه المخطوطات نطاقا واسعا من المعرفة الإنسانية: الفلسفة الإسلامية, القانون, الطب, علم النبات, والفلك.
واجهت المقتنيات الثقافية الموجودة في تمبكتو التي تراجع عدد سكانها إلي نحو500 ألف بعد أحداث العنف الأخيرة كثيرا من الأخطار علي مدي قرون, بدءا بالمناخ القاسي والنمل إلي ويلات الزمن التي أتت علي بعض منها, ناهيك عن الغارات المتكررة من قبائل البدو وأمراء المغرب وملوك فرنسا, لكن كثيرا من هذه المقتنيات تمكنت من الصمود. وتعد نجاة هذه المقتنيات الأثرية شاهدا علي عادة عائلات تمبكتو في إخفاء متعلقاتهم القيمة مع اقتراب الخطر بدفنها في مكان عميق بالصحراء, ولعل عائلة كوناتي ألفا مثال علي ذلك, فتمتلك هذه العائلة مجموعة تقدر بنحو3 آلاف مخطوطة منذ أجيال, وعندما وصل المتمردون قررت العائلة حماية هذه المخطوطات في المخابئ التي اعتاد سكان المدينة إخفاء مخطوطاتهم القيمة فيها. وتمكنت العائلة أثناء توسيع المجمع السكني الذي تقيم فيه- قبل عشر سنوات- من العثور علي عدد كبير من المخطوطات داخل حائط.
كانت المخطوطات مركز اهتمام دولي واسع للحفاظ علي التراث الإنساني الهش في تمبكتو, فأنفقت حكومات جنوب أفريقيا وفرنسا ومؤسسة فورد إلي جانب آخرين ملايين الدولارات لإعادة بناء مكتبة تضم أضخم وأهم مجموعة من المخطوطات في معهد أحمد بابا, وعندما وصل المتمردون الطوارق إلي المدينة في أبريل الماضي عصف المقاتلون الإسلاميون بالمكتبة وهم يفرون من المدينة وأضرموا النار في كل ما طالته أيديهم. لحسن الحظ, لم تطل أيديهم سوي قدر ضئيل من مجموعة المكتبة, فقد نجحوا في العثور علي أقل من5% فقط من محتويات المكتبة.
والآن بعد جلاء المجموعات الإسلامية لا تبدو أي من مكتبات تمبكتو في عجلة لاستعادة مجموعاتها من الأماكن التي خبئت بها رغم سيطرة الحكومة علي المدينة. وعلي الرغم من تمركز القوات الفرنسية هناك والضربات الجوية التي توجه للمقاتلين بالقرب من الحدود مع الجزائر وخروج المقاتلين من المدن الكبيرة, فإنه لا تزال تمبكتو ومدينة كيدال الحدودية في الشمال تعيشان حالة من القلق, فلا أحد يدري علي سبيل اليقين ما إذا كان المقاتلون سيحاولون العودة مرة أخري أم لا. إن تراث تمبكتو كنز ثقافي إنساني يستدعي حماية حقيقية له لا توظيفه كـ' دعاية سياسية' لكسب التأييد للعمل العسكري, علي اعتبار هذه المآثر شهادة للتاريخ تروي حكاية الطوارق, أمالهم وحضارتهم الممتدة لقرون, وهي شهادة مادية تروي جزءا من الهوية الثقافية لهذا البلد.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg