الجمعة 16 من ذى القعدة 1432 هـ   14 اكتوبر 2011 السنة 136 العدد 45602
رئيس مجلس الادارة
لبيب السباعى
رئيس التحرير
عبد العظيم حماد
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | تحقيقات
 
من مذكرات رجل قرأ هوامش النكسة واسهم في كتابة أسفار النصر‏:(1)‏
فؤادهويدي‏:‏ النكسة هزمت عبد الناصر ولم تقتل مصر

1781
 
عدد القراءات

حـــوار‏:‏ محــمـد حـــربي
لولا النكسة ما كان نصر أكتوبر‏..‏ صحيح أن النكسة قتلت عبد الناصر فعليا‏..‏ بالسكري والسكتة السياسية‏,‏ وجعلت مشروعه الوحدوي.. حلما كما كان ربما منحته لقب الحلم المستحيل لكن هذه النكسة أحيت مصر, وجعلتها تدرك وضعها الصحيح بلا أوهام, فوضعتها علي حافة التحدي.


وأدخلتها كما يقول نيتشة قلب الخطر والخوف, فواجهت التحدي واستعادت قدرتها ونجحت خلال سنوات ست أن تعيد كتابة التاريخ من جديد, بعبور معجز من دون بلاغة الساسة, وانتصار مدو كما وصفه العدو.. مصر حررتها النكسة من الخوف فقد خافت إلي حد الثمالة, ولم يعد في كأس الخوف من قطرة جديدة..
وحررتها من الحزن.. فهل بعد فراق الأرض والأبناء من حزن لأم..
النكسة كانت فاتحة النصر.. وأبجدية أولي في سفر الواقعية العسكرية,, تهجته القوات المسلحة المصرية فكتبت فصل البداية في تحولات الوطن من الهزيمة إلي فواتح النصر.
ولا يمكن قراءة النصر من دون الالتفات إلي سفر الهزيمة في الخامس من حزيران أو قراءة الهوامش التي سجلها العسكر والساسة علي دفتر النكسة إذا استعرنا لغة نزار قباني في رائعته الشهيرة..
ولا يمكن قراءة دفتر الهزيمة إلا إذا عدنا إلي ملامح وطن أجهده حكم الفرد, وشللية القيادة العسكرية, ومغامرات نشر إنجيل الثورة في الخارج.. لنعرف كم كانت مصر مجهدة وهي تستقبل الفجر الكاذب في يونيو7691.. يقول المثل العربي القديم: ولا ينبؤك مثل خبير. واللواء فؤاد هويدي قرأ سفر استنزاف القوات المسلحة المصرية في حرب اليمن, وقرأ سفر الهزيمة في76 قبل أن يتسلم ملف إسرائيل في المخابرات الحربية, ويقرأ مع أبطالنا في أكتوبر قصيدة النصر الخاطفة, التي حولها القادة إلي سرد يستجدي الحل السياسي.
ومن يقرأ هذه الملفات من داخل مسرح العمليات, يملك حق الكلام.. ويحق علينا أن نستمع إليه.
في الحلقة الأولي نقرأ في ملفات هويدي كيف كانت مصر عسكريا وسياسيا قبل5 يونيو وما بعدها.
وهذه هوامش القراءة علي دفتر النكسة..
لكي نقرأ أكتوبر فلا بد أن نبدأ من حيث ما فرض علينا أكتوبر, أي لا بد أن نتحدث عن يونيو7691. فما سميناه نكسة تمثل نتاجا طبيعيا لسيطرة حكم الفرد أو الدكتاتورية التي سادت بسبب الزعيم الملهم وخداع النفس وتعطيل إرادة الجماهير وتجفيف منابع الإضافة إلي فكر الحاكم بالرأي الآخر.
إلي جانب القيادة العسكرية المنشغلة بصراعات القمة وتأمين قبضتها علي القوات المسلحة بأهل الثقة والولاء الشخصي متخلفة عن مواكبة العصر عسكريا واستيراتيجيا.
ومن المؤسف عندما نعود إلي ما حدث في7691 أن ندرك أن العالم كان قد تقدم في أفكاره وأساليب تطبيق هذه الأفكار سياسيا وعسكريا, بينما كنا نعاني العشوائية في كل شيء. وعلي الضفة الأخري, كان عدونا الأساسي يتدبر يومه, ويخطط لغده ويقدر فرصه ويعمل علي تعزيزها.
كيف تشخص الحالة المصرية إن صح التعبير في يونيو7691 ؟
كانت مصر في عام7691 وطنا أصابه الإجهاد سياسيا وعسكريا, ولكي ندرك هذه الحقيقة دعنا نعود إلي لحظة الثورة في يوليو2591..
حيث كانت مصر عفية, يقودها قائد كفء هو جمال عبد الناصر, الشاب المثقف عسكريا وسياسيا, والضابط الذي يلم بالشئون العسكرية والواعي بالواقع الإقليمي الذي كان يتغير بعد الحرب العالمية الثانية. وكان معه عبد الحكيم عامر, الضابط المتفجر حماسا, والمخلص لوطنه ولحركة الضباط الأحرار.
وكانت مصر بلدا يموج بالحركة والحيوية, يتفجر فيه الوعي بسبب الطموح للخلاص من النظام الملكي والاحتلال, وتحقيق الاستقلال.
ولكن الشعب فقد كثيرا من روحه عندما وصل الي7691 بسبب سياسة حكم الفرد والحزب الواحد, و استباحة الكرامة الإنسانية من قبل الأمن الأمر الذي افقد هذا الشعب الكثير من عافيته متأرجحا بين القهر والامل..
أليس في هذا تجنن علي عهد عبدالناصر الذي مازال كثيرون يتغنون بأنه من صنع الكرامة للعرب جميعا؟
أشهد أن عبد الناصر فجر قيم القومية العربية والوحدة العربية وأعاد الاعتبار لانتماء مصر العربي, الذي حاول الاستعمار إلغاءه أو طمسه. ونشهد أن ناصر قدم نموذجا للتغيير في2591.. لكنه وصل76 بممارسة حكمه الداخلية ومغامراته الأقليمية منهكا وكانت تجربة الوحدة مع سوريا قد فشلت وغرزت أقدام قوات مصر المسلحة في كثبان حرب العصابات في اليمن إلي جانب معاداة معظم النظم التقليدية العربية له وأحساسها بتهديده لعروشها وكان الغرب الذي تمرد عليه عبد الناصر وفي مقدمته امريكا بالمرصاد.
وهل كان ناصر في الخمسينات معاديا لأمريكا أو بعيدا عنها؟
عندما قام عبد الناصر بالثورة, لم يكن في برنامجه أو فكره معاداة أمريكا, فلم نكن ننظر الي الولايات المتحدة الأمريكية أنذاك كخطر يهدد استقلالنا وتقدمنا.. بل كانت تمثل قيم الديمقراطية وحرية الفرد ونموذج التقدم.. ودعنا نقول إن أمريكا دعمت ثورة يوليو في بدايتها ولكنها كانت تريدها تابعا لا شريكا, وكان طبيعيا ونحن نخطط لنهضتنا الصناعية وتسليح جيشنا بمعدات حربية ان نلجا الي امريكا, لأن جيشنا كان مسلحا بخردة من بقايا الحرب العالمية الثانية. وللأمانة فقد كان عبدالناصر واعيا بما يريد, وواعيا بمخططات أمريكا ومصالحها في المنطقة. وكان يستطيع ان يفوز برضاها إذا تنازل عن حتمية التسليح, ووافق علي فتح الباب لإسرائيل لحل القضية الفلسطينية حلا يرضي أمريكا وإسرائيل. لكن الرجل لم يقبل بذلك, وأصر علي كسر القيود المفروضة علي تسليحنا, وتوجه إلي الاتحاد السوفيتي حتي يرفع قدرات القوات المسلحة المصرية, ويحيي أمل كل مصري وعربي في استعادة الحقوق الفلسطينية. وفي اوائل الستينيات كان ناصر يعاني من جرح الانفصال عن سوريا, فقد كانت الوحدة أول تجسيد لفكرة القومية, وأول تتويج لزعاماته الشعبية للعالم العربي, ولكن الوحدة انتهت بجرح قاس للكبرياء.ثم جاءت اليمن كفرصة سياسية تعيد لعبد الناصر آمال الوحدة وأحلام الزعامة..
وتجربتنا في اليمن قصة طويلة تستحق التوقف أمامها لاستخلاص العبر والدروس.. فقد قام الضباط الأحرار في اليمن بانقلاب عسكري أطاح بالإمام البدر بن حميد الدين, وتطلع هؤلاء الثوار إلي مصر عبد الناصر.
لماذا تطلعوا إلي مصر؟
لحمايتهم من أي احتمال لعدوان أو تدخل. فاليمن تتحكم في باب المندب, المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وبحكم موقعها في الباب الخلفي للجزيرة العربية وبترولها, وأي ثورة أو تغيير فيها يعني إشعال حريق أمام عتبة هذا الباب, وربما في المنطقة كلها.. وهذا يهدد مصالح الغرب وعروش شبه الجزيره المعادية لعبد الناصر.
والسبب الثاني أن اليمن كانت محكومة تاريخيا بواسطة القبائل, حيث كانت القبيلة دولة لها حدودها وشيخها وقائد جيوشها ومجلس حكمائها. وكانت السعودية حريصة علي توثيق علاقاتها مع زعماء القبائل المتاخمة لحدودها تمدهم بالذهب والفضة والسلاح لتأمن جانبهم. وقد بدأت السعودية فعلا بتحريك هذه القبائل ضد الثوار, فلم يكن أمام هؤلاء سوي اللجوء إلي مصر وهم محقون في ذلك, وكان علي مصر أن تستجيب. وجاء رد الفعل المصري باستخدام السلاح والقوات المسلحة, واندفعنا إلي هناك.
ولم نكن نعلم عن اليمن الشمالي الكثير( ولا أظن أن أحدا أخر كان يعلم عدا بعض السعوديين) وأتحدث باعتباري كنت المسئول عن اليمن في المخابرات الحربية آنذاك, واليمن الشمالي تجنبت بريطانيا استعماره بعد الإمبراطورية العثمانية, واكتفي البريطانيون بعدن وماحولها كمدخل جنوبي للبحر الأحمر, ولم تنفتح علي العالم لتزار, ولم يظهر بها بترول ليستدعي.
ماذا عن خبرتك الفعلية في اليمن. كيف تعرفت علي الواقع هناك؟
ذهبت إلي اليمن مع طلائع القوات المصرية التي ذهبت إلي صنعاء بعد أن طلب الثوار دعم مصر, وسبقتني إلي هناك وحدة فرعية عسكرية.
بدأت عملي بالتعرف علي القبائل من خلال المواكب التي تقاطرت علي صنعاء مؤيدة للثورة( اسماؤها وشيوخها ومواقعها علي الطبيعة, جيرانها وتعدادها). وكنت أعود في المساء إلي مقر إقامتي لأعيد كتابة ما جمعته من معلومات ولأحاول رسم خريطة لأوضاع القبائل المحيطة بصنعاء وتفهم حقيقة الموقف في اليمن بالنسبة للوضع الذي نشأ بالثورة علي حكم الآئمة. و حين ثار ضباط اليمن الأحرار في صنعاء وفر منها الإمام البدر وآل حميد الدين لم يكن هناك جيش ولا حكم يمتد خارج صنعاء ليسقط نظام او ينشأ آخر.
وكان يؤيد الثورة علي الإمام معظم الجنوب( جنوب اليمن الشمالي) وقطاعات كبيرة من قبائل الشمال التي عانت من حكم الإمام.
وعلي الجانب الآخر تمركز عدد من أمراء بيت حميد الدين في المناطق الجبلية الشمالية جهة منطقة الجوف في الشمال الشرقي بين قبائل لهم فيها من النفوذ المذهبي والعلاقات مع مشايخها ما يؤمن وجودهم فيها.
وكانت السعودية: تمد أمراء بيت حميدالدين بالمال والذهب والسلاح بل وتؤلب معهم القبائل في سعي ملح لوأد الثورة القائمة في أسرع وقت.
أما البريطانيون في الجنوب والشرق فكانوا يعتمدون علي ضباط مخابراتهم( الضباط السياسيين) الذين انتشروا بين القبائل, يعيشون في مناطقها ويسيطرون علي مشايخها يدعمون عبر الحدود كل نشاط مضاد للثورة ويؤلبون من استطاعوا من القبائل وخاصة في منطقة مأرب من بيحان المحتلة. ومصر في عجلة ترسل القوات التي تمكنها من دعم الثوار وتأمين صنعاء وتأخذ علي عاتقها لأول مرة في تاريخ اليمن الحديث مد دائرة الأمن والسيطرة للحكومة المركزية إلي خارج صنعاء ومد يد العون والدعم العسكري والأمني الي المناطق المؤيدة للثورة وخاصة في الشمال, وتسعي في الوقت نفسه بكل امكاناتها لسرعة تفهم هذا المجتمع وطبيعه العلاقات القبلية وتحالفاتها وخصوماتها وشخصيات مشايخها, الي جانب فهم الخطوط المذهبية وموازناتها, والمثقفون وانتماءاتهم الفكرية والقبلية بالإضافة إلي قائمة طويلة أخري من المطالب اللازمة للعمل العسكري من توفير الخرائط و مد الطرق وتوفير مصادر المياه...
ماذا فعلت تجربة اليمن بنا؟ وما علاقتها بإجهاد الوطن في الستينيات ؟
كدولة وكشعب لا جدال في أن نقل وإدارة عمليات عسكرية بواسطة قوات بالحجم الذي تم توجيهه الي اليمن والتصدي لدعم نظام حكم الثوار قد حمل الدولة والشعب المصري من التكلفة والجهد ما أثر علي نمو اقتصاده وحمله أعباء أثقلت كاهله. وفيما يتعلق بالقوات المسلحة فإن طبيعة مسرح العمليات وطبيعة القتال فرضت زيادة مطرده في حجم القوات ليتم تــــــــأمين المناطق ذات القيمة الاستراتيجية في الشمال وفي الجوف وفي وادي تهامة وفي الشرق وتوفير القوات اللازمة لتأمين طرق المواصلات المؤدية الي الأطراف.
إلي جانب إنشاء شبكة مطارات ميدانية وتوافر أسطول طائرات نقل لتأمين الإمداد والإخلاء وتوفير البدائل للطرق البرية حال قطعها, وما يتطلبه ذلك كله من مخزون ودعم لوجستي هائل.
كان ذلك كله عبئا استهلك من كفاءة الأفراد ومن المعدات ومن الموارد المالية ماكان ينتقص بالضرورة من قدرات القوات المسلحة الموجهه الي تأمين مصر وحدودها الشرقية والتصدي لإسرائيل.
ومع عام1967 كانت قواتنا المسلحة في حالة إجهاد ونقص في الموارد وتدني في مستوايات التدريب الي جانب ما تحدثه حرب العصابات من خلل في القدرات القتالية لجيش معد لحرب تقليديه.
كتب الفريق أنور القاضي في مذكراته أنه نصح الرئيس عبد الناصر بالانسحاب من اليمن, فلماذا لم يستمع عبد الناصر لمثل هذه النصيحة؟
ناصر في هذه الفترة صار أسير أحلامه وطموحاته, ولم يكن الفريق أنور القاضي هو فقط من نصح عبدالناصر بذلك بل ان الفريق عبد المحسن كامل مرتجي الذي تولي قيادة القوات المصرية في اليمن نصحه بذلك, ولكنه لم يستمع إلي ذلك. وعلاقة ناصر بتجربة اليمن تمثل تجسيدا لأحلامه في زعامة الأمة العربية.
لمن كنت تكتب تقاريرك عن اليمن؟
زرت اليمن كثيرا, وأقمت بها مرتين لفترات وصلت الي عدة شهور خلال الثورة اليمنية. وتحترم تقارير المخابرات الحربية قرارات القائد العام للقوات المسلحة وترسل الي رئيس الجمهورية باعتباره القائد الأعلي للقوات المسلحة كما يتم إرسالها طبقا لموضوعاتها إلي أفرع وهيئات القوات المسلحة المعنية ويتم تبادل التقارير مع اجهزة المخابرات الشقيقة في مصر ووزارة الخارجية.
وماذا عن الإجهاد الداخلي لمصر؟
كانت مصر محكومة بالحزب الواحد, وكان هناك ترفع وغرور للقيادة العليا التي تركت الأمور الداخلية بين أيدي أهل الثقة لا أهل الخبرة. وبدأ نفوذ التنظيم الطليعي, والعمل السري, والرقابة المفروضة علي كل الناس, والشللية التي تحكم عمل القوات المسلحة.
وبدأ صراع داخلي سري بين ناصر رئيسا ومعه مجموعة من المعاونين, وعامر قائدا عسكريا ومعه مجموعة أو شلة, وكان لافتا أن عامر وشلته كانوا يتحكمون في الأمور الداخلية لمصر بشكل كبير.
هل كانت مصر بهذا القدر من الإنهاك العسكري والداخلي مستعدة لحرب محتملة؟
اقتطف الرد علي هذا السؤال من حديث مع الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي قائد القوات البرية وممثل القائد العام للقوات المسلحة في مركز العمليات المتقدم في لقاء معه فقال لي:
إنه فضلا عن وجود القوات المصرية المسلحة في اليمن بحجم يفرض عدم فتح جبهة ثانية لايمكن التعاون أو التنسيق بينهما.. فقد كانت القوات في أسوأ حالاتها لأن من يرجع من اليمن من الأفراد ليس عنده أي استعداد للحرب. ويمكن تلخيص مشكلات القوات المسلحة بحسب الفريق مرتجي في هذه النقاط:
أدني مستوي للتدريب حيث لم يتجاوز التدريب في القوات المسلحة مستوي السرية ولم تسمح الظروف المالية بمستوي ارفع للتدريب للقوات أو القيادات.
كانت نسبة الاستكمال للآليات والمدرعات لا تتجاوز50%.
تم تخفيض حجم القوات نسبة الثلث(3/1).
المطارات لم تكن جاهزة لتأمين الطائرات.
الرادارات لم تكن قادرة علي رصد طائرات تطير علي ارتفاع أقل من50 مترا.
لم تكن حال البلد أفضل من حال قواتها المسلحة.
كانت التعبئة في منتهي السوء, كما لم يكن هناك إعداد جيد, فسائق الدبابة تمت تعبئته سائقا لسياره وسائق السيارة تمت تعبئته سائقا لدبابة ووصل بعض الجنود المستدعيين الي الجبهه( العريش) بملابسهم المدنية.
ماذا عن شرارة إشعال الحرب, والحديث عن تعرض سوريا للتهديد؟
بصرف النظر عن حقيقة تعرض سوريا لتهديد عسكري من قبل إسرائيل. فعبد الناصر كصانع قرار سياسي- استراتيجي كان أمام موقف يمكن أن يتطور إلي حرب طبقا لأسلوب إدارته لهذه الأزمة وقد كان أمام ثلاثة بدائل:-
الأول: أن يكون مستعدأ لعمل عسكري ضد إسرائيل ولديه الأهداف والخطط والقوات المنفذة لها فيعتبر هذه الأزمة والتهديد المدعي لسوريا فرصة لتنفيذ مخططاته وتحقيق أهدافه.
الثاني: أن يضع في اعتباره الموقف الداخلي لبلاده والواقع الإقليمي والدولي, ويقرر أن يختار من الوسائل الدبلوماسية والقانونية ما يضغط به علي إسرائيل لرفع تهديدها لسوريا.. وفي هذا السياق يمكن أن يستخدم العمل العربي المشترك ودول عدم الانحياز والورقة السوفيتية والنفط العربي.
الثالث: أن يقوم بتحرك عسكري محسوب يحفظ ماء وجهه ولكنه لا يتعدي الخطوط الحمراء التي تفرض اشتعال الحرب مع إسرائيل مثل تعزيز القوات في سيناء أو إجراء تدريب بمجموعة لواء في شرق الدلتا أو تعبئة لواء أو لواءين من الاحتياط مع المحافظة علي خطوط الاتصال مع جونسون( الرئيس الامريكي) وتأييد جهود التهدئه في الأمم المتحدة في المنطقة.
وبحسب رواية الفريق أول مرتجي فإن عبد الناصر: كانت تؤرقه مقولات وشائعات من خصومة في مصر والمنطقة انه فتح خليج العقبة للملاحة الإسرئيلية منذ56, وأن سيناء تؤمنها قوات الطوارئ الدولية وليس الجيش المصري..
أما عامر: فقد قال ان بينه وبين ديان ثأرا يود أن يرده. وكلاهما لم يكن يريد حربا ولم يتصور أن إسرائيل سوف تشنها في بدايه نصور الاحداث, وقد قالها عبدالناصر صراحة في لقائه بمطار أبوصوير مع القادة والطيارين الذين طالبوه في هذا اللقاء بالضربة الأولي وقالها عامر صراحة للفريق مرتجي.. وكلاهما- عبدالناصر وعامر- اعتبر الأمر مجرد مظاهرة عسكريه واستعراضا للقوة فقط.
ولماذا برأيك اختار عبد الناصر بديلا آخر؟ وهل تم جره إلي حرب في وقت غير مناسب؟
لا أحد يعرف بالضبط حتي الآن لماذا اختار عبدالناصر أن يخطو إلي الحرب من دون تقدير سليم للموقف, أو استعداد حقيقي لخوضها.
فقد أخطره السوفيت بالتهديد العسكري الاسرائيلي لسوريا, وسافر الي سوريا الفريق محمد فوزي رئيس هيئة اركان حرب القوات المسلحة المصرية ليتأكد من الامر واكد له السوريون انهم لا يواجهون تهديدا عسكريا اسرائيليا غير عادي, وانهم طلبوا من الملحق العسكري السوفيتي في القدوم الي سوريا للمرور علي الجبهة والتاكد من ذلك ورفض
وعلي الجبهة الاردنية اكد الفريق عبد المنعم رياض ان الامور عادية وانهم لا يرصدون اي تهديد لسوريا
ويعلم الرئيس والمشير ان قرار اغلاق خليج العقبة لا يمكن اعتباره الا بمثابة اعلان حرب علي اسرائيل, وان قرار طرد قوات الطواري الدولية لا يمكن تفسيره الا بانه تمهيد للهجوم علي اسرائيل.
لقد كنا دولة مكشوفة, غير جاهزة لتلقي ضربة الحرب فما بالك بشنها. وإذا رجع القارئ إلي الكتب المهمة التي عالجت هذه النقطة أو حاولت الإجابة عن سؤال أساسي هو: لماذا قرر عبد الناصر جر مصر إلي حافة الحرب دون استعداد؟, سيجد أن السؤال لا يزال بلا إجابة كاملة شافية.
أين كنت وقت وقوع الهزيمة في76 وكيف علمت بها؟
كنت في مهمة بصنعاء- اليمن, وتابعنا الموقف من الإذاعات وكانت صوت العرب كما نعلم جميعا تذيع بيانات عسكرية وهمية تعرض انتصارات وخسائر إسرائيل.. وبينما كانت الإذاعات الأوروبية مثلBBC ومونت كارلو تنقل مايثير القلق عن نتائج الهجمة الحربية الاسرئيلية وضربها للقوات الجوية المصرية علي الأرض, والتقدم السريع للقوات البرية الاسرائيلية الميكانيكية والمدرعة علي محاور سيناء الثلاث.
وترقبنا عودة اللواء كمال حسن علي قائد القوات المصرية في اليمن الذي عاد الي صنعاء مساء الخامس من يونيو67 ليخبرنا بحقيقة سوء الوضع وانهيار الموقف العسكري المصري.
وقد تم استدعائي علي الفور بعد الهزيمة, ووصلت القاهرة بعد النكسة بأيام وفور عودتي أمرت بالانضمام إلي فريق العمل المسئول عن إسرائيل وهكذا تركت ملف الدول العربية لأتولي مسئولية الملف الأسرائيلي ثم قطاع المعلومات حتي.1979
وبدأت عملي علي الفور لكسر الجمود الذي أصاب الجميع بعد الهزيمة إذ لم يكن أحد يتصور أو يتوقع ماحدث وكان الذهول مسيطرا علي الجميع وبصرف النظر عما كان يجري علي الساحة السياسية أو داخل القوات المسلحة من التنحي والكلام عن تمرد عامر, هذا كله لم يكن له عندي أي اعتبار فقد كانت أمامي والمجموعة المتميزة في إدارة المخابرات الحربية مهمة لا تحتمل اهمالا او انشغالا وهي تلبية احتياجات القوات المسلحة بالمعلومات عن العدو.
كيف حصلتم علي هذه المعلومات؟
وسائل المخابرات لجمع المعلومات معروفة, من علنية وسرية, ويضاف إليها ما تملكه المخابرات من إمكانيات القوات المسلحة وعناصر استطلاعها البرية والجوية والبحرية والإلكترونية, الأمر الذي بالتخطيط والمتابعة يلبي احتياجات القيادات لاتخاذ القرارات.
وأشير هنا إلي نقطتين:
الأولي: بدو سيناء الذين كانوا مرابطين علي الثغور كأي مجاهدين, أعطوا كل ما نحتاج إليه وكانوا شركاء فاعلين في تأمين المعلومات الدقيقة عن العدو, ولا يمكن أن أصف مدي إحساسي بالظلم الواقع عليهم, فحتي الآن لم يلقوا من وطنهم ما يستحقونه.
الثانية: إننا ثبتنا سياسة إشاعة الثقافة والعلم بالعدو بين أفراد القوات المسلحة, وأصبح العدو ودراسته جزءا من دورات المعاهد العسكرية وامتحانات الترقي. وحرصنا علي أن نزود كل مستوي من الجندي إلي أعلي مستوي بما يجب أن يعرفه عن العدو وبما يمكنه من قراءته وتفسير تصرفاته وتوقع أفعاله.
قلت إنك توصلت لفهم حقيقة ما حدث من خلال الأسري المصريين الذين عادوا من الجبهة فماذا قال لك العائدون والأسري؟
كانت الإجابة عن سؤال ما الذي حدث مهمة جدا, وقد حرصت شخصيا علي الحديث المباشر مع مجموعة من القادة من مختلف أسلحة وتشكيلات القوات المسلحة, بينما تولي زملائي الحديث إلي ضباط الصف والجنود. وكانت الخلاصة:
تم الفتح التعبوي للقوات تنفيذا للخطة قاهر وهي خطة دفاعية.
لم يكن مسرح العمليات مجهزا لتأخذ القوات أوضاعها الدفاعية
تم إجراء تحركات خارج الخطة قضت علي معالمها
تعبئة الاحتياط كانت مرتجلة ومرتبكة ووصل بعض جنود الاحتياط إلي العريش بملابسهم المدنية( الجلابيب).
امتلكت إسرائيل السيادة الجوية بهجمتها التي دمرت القوات الجوية المصرية علي الأرض مع عدم توفر قوات دفاع جوي تؤمن القوات المتدفقة إلي والمتمركزة في سيناء.
حدث ارتباك كامل في قيادة الجبهة والقيادة العامة وتعددت وتضاربت الأوامر الصادرة من المشير في القاهرة إلي قيادة الجبهة وأحيانا إلي قيادات التشكيلات الميدانية مباشرة مع قرارات وأوامر قائد الجبهة.
لم تكن القوات في أوضاع تكتيكية أو تعبوية مكافئة لأي وضع دفاعي أو هجومي ولم تكن لديها مهام محددة.
في ظل السيادة الجوية ومستغلة الفوضي التي عليها القوات المصرية, تقدمت مجموعات العمليات الإسرائيلية الثلاث مندفعة إلي عمق سيناء.
أمرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية بانسحاب شامل للقوات, لم يتم تنظيمه أو وضع جدول زمني له, وارتدت القوات من دون خطة أو تأمين.
القوات المصرية لم تحارب, وانهارت قيادتها قبل أن تخترق خطوطها في سيناء.
كيف لخصت النكسة بعد تقديرك الأولي للموقف؟
رغم شيوع التعبير لدينا فإن كلمة نكسة لا تعبر عن حقيقة ما حدث.
ففي عام7691 وبمبادرة شخصية من رئيس جمهورية مصر العربية والقائد الأعلي لقواتها المسلحة ونائبه الأول القائد العام للقوات المسلحة المصرية تحقق لإسرائيل ما يلي:
هزيمة الجيوش العربية وأقواها جيش مصر إلي جانب جيشي دولتي الطوق, الأردن وسوريا
احتلت إسرائيل كل فلسطين, وسيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.
تم القضاء علي مصداقية الزعامة العربية, ودعوي القومية العربية, والسعي للوحدة العربية.
وحق بعدها لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أن تطلق أيديهما في المنطقة لتطويع نظمها وشعوبها, لتأمين مصالحهما, واستغلال مواردها لتأمين احتياجاتهما, واستخدام موقعها لدعم نفوذهما الإقليمي والعالمي.
وذلك بعد تقزيم مصر وزعامتها وترويع كل من كان يتطلع إلي دعواها أو يتبع مسارها, وتأمين الزعامات التقليدية الحليفة التي عاشت يهددها تيار الوحدة والاستقلال وتطلع الشعوب إلي حقوقها منذ2591.
إن ما حدث في7691 منعطف تاريخي بكل ما يعنيه ذلك من آثار إقليمية وعالمية, وليس نكسة أو كبوة تعثرت بها مسيرة المنطقة نحو مستقبلها الذي تستحقه وعصرها الذي تخلفت عنه..
فمنذ يونيو7691 وحتي الآن ورغم نصر أكتوبر3791- هذه هي الحقائق علي الأرض والنتائج الكارثية التي مازالت قائمة حتي الآن.
تضاءلت مصر دورا وثقلا في المنطقة لتخلق فراغا سعي إلي ملئه من شاء من داخل المنطقة برعاية أمريكية ومباركة إسرائيلية ومن خارجها من دول الجوار منسقين أو معادين لأمريكا وإسرائيل.
تراجعت القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين علي أجندة دول المنطقة العربية وعلي الأجندات الدولية, وتركت لإسرائيل المحتلة وأمريكا الراعية لها ليتداولا الشأن الفلسطيني إلي ما ينهي القضية والحقوق.
%.
%..
%
%.
%.
ورغم كل ذلك أنا مؤمن بقدرات الجندي المصري وأثق تماما في أنه لو كان له قائد كفء يعرف مهمته ويمتلك قلبه فلن يهزم أبدا, مهما كان سلاحه بسيطا. وقد حز في نفسي كثيرا وآلمني أن أعرف أن أسلحة فعالة تم صرفها من المخازن وفك تخزينها وأرسلت إلي سيناء, وتركها القادة والضباط هناك بدون أن تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل, لأن أمرا عشوائيا صدر بالانسحاب فوقعت الفوضي. وهنا أؤكد ما يعرفه الكثيرون من أن الجيش المصري لم يهزم في يونيو7691 لأنه ببساطة لم يخض حربا.. والدليل البدهي أن هذا الجيش نفسه, وهؤلاء الجنود أنفسهم هم من صنعوا نصر أكتوبر بعد تغيير القيادة فقط.
هل كان هناك تقصير في عمل المخابرات الحربية قبل النكسة ؟
كانت المخابرات الحربية أول شماعة حاول البعض تحميلها المسئولية متهما إياها بأنها لم تتوقع ما حدث ولم تعط معلومات دقيقة عن الموقف قبل الحرب, لكن هذا لم يكن صحيحا بالطبع بدليل أن أحدا من المخابرات الحربية لم يحاكم أو توجه إليه شبهة التقصير وأن الجهاز بضباطه وجنوده واصلوا المهمة إلي نصر اكتوبر37..
لا تخلو هزيمة من بطولات ولو فردية, فهل يصدق هذا علي7691 ؟
البطولة الحقيقية أن مصر لم تمت رغم هذه الهزيمة المروعة, وبقي فيها نبض وظلت واقفة تستعد حتي يوم النصر.. وهذا موضوع الحلقة القادمة.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg