|
|
 |
 |
تقارير المراسلين |
|
|
| |
| 44912 | السنة 133-العدد | 2009 | نوفمبر | 23 | 6 من ذى الحجة 1430 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
الجوع والفقر والبطالة.. كابوس في أرض الأحلام أمريكا التي لا يعرفها أحد!
رسالة واشنطن : عاصم عبدالخالق |
 |
الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة منذ نحو عامين ليست مجرد أرقام لشركات تخسر أو أرباح تتراجع وليست إحصائيات عن بنوك تفلس وميزانيات متخمة بالعجز, أنها قبل ذلك معاناة إنسانية حقيقية لملايين البشر تطحنهم الأزمة بلا رحمة. أمريكا لم تزل ارض الأحلام والفرص والثروة والرخاء, نعم ولكنها أيضا وفي ظل هذه الأزمة الشرسة ارض المعانة والفقر والجوع ومأوي المشردين الذي قذفت بهم مأساة الرهن العقاري والبطالة إلي ظلام المستقبل الغامض.
هذه الأمراض الاجتماعية وغيرها ليست حكرا علي بؤساء العالم الثالث ولكن ملايين الأمريكيين سقطوا فريسة لها, هذا ما تقوله التقارير الرسمية.
أحدث تلك التقارير أصدرته وزارة الزراعة قبل أيام عن الجوع خلال2008 يكشف عن وجود49,1 مليون أمريكي, أي نحو16% من السكان تضمهم17 مليون أسرة عانوا خلال العام الماضي من نقص في احتياجاتهم الغذائية الأساسية. وهو اكبر رقم للجوعي منذ أن بدأت الوزارة إصدار هذا التقرير السنوي1995.
وبطبيعة الحال فان انخفاض الدخل هو السبب الأساسي في المشكلة وهو ما يعني أنها تتجه لمزيد من التفاقم مع تزايد معدلات البطالة التي تجاوزت حاجز10%. وتزداد الصورة قتامة إذا أضيفت إليها حقيقتان مهمتان, الأولي أن فترات التعطل التي يقضيها العامل قبل عثوره علي عمل آخذة في الازدياد حيث كانت19,1 أسبوع في2008 أصبحت الآن24,9 أسبوع. الحقيقة الأخري هي أن إجبار الشركات لجانب كبير من العمال علي تخفيض ساعات العمل وبالتالي الأجر زاد من سوء أوضاعهم. ويعتقد الكثير من الخبراء المستقلين انه علي ضوء حقيقة أنصاف العاطلين تلك وعلي ضوء انقطاع أعداد كثيرة من العمال المفصولين عن تسجيل أنفسهم فان النسبة الحقيقية للبطالة في أمريكا تصل إلي20% أي نحو60 مليون شخص وهو رقم مخيف إن كان صحيحا.
فصل آخر من الدراما الأمريكية ترويه سجلات مكتب الإحصاء الفيدرالي وله تقرير منشور في سبتمبر الماضي يتضمن المؤشر السنوي للفقر. في هذا التقرير الخطير تعترف الحكومة بوجود39,8 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر( بالمقياس الأمريكي) أي13,2% من السكان. ويفسر هذا لماذا ازداد الطلب علي كوبونات الطعام المجانية التي يبلغ عدد المستفيدين منها الآن35,1 مليون شخص.ما لم يذكره التقرير الرسمي ولكن يعرفه كل المختصين هو أن هؤلاء القابعين في قاع السلم الاجتماعي سيظلون هناك حتي بعد انتهاء أزمة الركود الحالية. هذا ما تقوله القراءة التاريخية لثلاث دورات معاصرة من الركود عصفت بالولايات المتحدة. فخلال حكم ريجان وبوش الأب ظلت معدلات الفقر تزيد لمدة عام أو اثنين بعد زوال الأزمة. وعقب انتهاء ركود2001 استمر الفقر يزداد3 سنوات متتالية ولم يعد أبدا إلي المستوي المنخفض الذي كان عليه قبل تولي بوش الابن. وعلي هذا يتوقعون أن يواصل الفقر قفزاته حتي نهاية2011 علي الأقل.
ورغم أن العدد الرسمي للفقراء كبير بالفعل إلا أن العديد من الباحثين المستقلين يعتقدون أن الرقم الحقيقي اكبر من هذا بكثير, كما كان الأمر مع البطالة. وحجتهم في هذا هو أن الإحصائيات الرسمية لا تأخذ في الاعتبار اختلاف تكاليف المعيشة من منطقة لأخري. كما يتحفظون علي بعض آليات حساب مستوي الفقر نفسه. وبالتالي يعتقدون أن العدد الحقيقي للفقراء ما بين70 إلي80 مليون فقير أي تعداد دولة بحجم مصر تقريبا.
وبصفة عامة تعتبر الحكومة الأسرة المكونة من أبوين وطفلين فقيرة إذا قل دخلها عن21 ألفا و834 دولارا سنويا. وبالطبع يجب النظر إلي هذا المبلغ علي ضوء تكاليف المعيشة في أمريكا وليس بما يوازيه من عملة محلية في أي دولة أخري.
وبصرف النظر عن الاختلاف في تقدير أعداد الفقراء فان المتفق عليه أن متوسط دخل الأسرة العادية انخفض بمقدار3,6% العام الماضي. وتقرير التنمية البشرية الذي تعده الأمم المتحدة لقياس مستوي المعيشة في182 دولة يشير إلي أن الولايات المتحدة أصبحت خارج المراكز العشرة الأولي حيث تراجعت للمركز الثالث عشر.
هذا الوجه المظلم من الحلم الأمريكي لا يروي القصة كلها, هناك المزيد عن أمريكا التي لا يعرفها احد. من ذلك مثلا التدهور الصحي وهذا أيضا احد افرازات الفقر. وتشير الأرقام الرسمية إلي وجود46,3 مليون أمريكي محرومين من الرعاية الصحية في العام الماضي. وتقول دراسة لجامعة هارفرد إن45 ألف مواطن يموتون سنويا بسبب نقص الرعاية الصحية. ثمة ندوب أخري تشوه الوجه الأمريكي. فكما أنتج الفقر البطالة ومن ثم الجوع والمرض تسبب أيضا في مأساة اجتماعيه ضخمة هي طرد آلاف الأسر من منازلها لعجزها عن دفع الأقساط. ويتوقع بعض الخبراء أن تتفاقم مشكلة التشرد بسبب هذا العامل وغيره لتضم1,5 مليون شخص إضافي خلال العامين المقبلين. يضاف إلي هذا التدهور الحاد في الخدمات العامة نتيجة تراجع عائدات الضرائب.
ليس غريبا بعد ذلك أن تتفشي ظاهرة العنف في المجتمع الأمريكي علي ضوء تلك الضغوط التي يعاني منها الملايين. وخلال الشهر الماضي نشر مركز جالوب استطلاعا كشف فيه أن17% من الأمريكيين أي40 مليونا يعانون من اكتئاب. وان30% من هؤلاء يكسبون اقل من24 ألف دولار سنويا أي فوق خط الفقر, فما بالك لو كانوا تحته و بلا عمل أو دخل أو منزل, هؤلاء أصبحوا قنابل زمنية متحركة وتمتلئ الصحف المحلية بقصص يومية عن جرائم قتل أو انتحار ليائسين أنهكتهم البطالة أو اعتصرهم الفقر المر. نعم أمريكا لاتزال ارض الفرص والثروة والرخاء ولكنها متعبة هذه الأيام ولم يعد بمقدورها كتم أناتها أو إخفاء الجانب الآخر من وجهها المظلم. ومن يريد أن يعرف أمريكا الحقيقية عليه أن ينظر للجانبين معا. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|