الأحد 12 من ذى الحجة 1433 هـ   28 اكتوبر 2012 السنة 137 العدد 45982
رئيس مجلس الادارة
ممدوح الولي
رئيس التحرير
عبد الناصر سلامة
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | الأهرام الثقافى
 
من الأدب الكلاسيكي الاسباني..مقاطع عن موت أبيه
783
 
عدد القراءات

د عبير محمد عبدالحافظ:
‏.1‏ تذكر النفس النائمة‏,‏ استنهض عقلك وتيقظ متأملا كيف تمر الحياة‏,‏ كيف يأت الموت صامتا هكذا‏,‏ كيف تمضي المتعة علي عجل كيف‏,‏ بعد أن يستوي العقل‏,‏ يحضرالألم‏;‏

كيف أنه كما بدا لنا,
فأي وقت مضي كان أفضل.
.2 فإذا رأينا الحاضر ذاهبا
في نقطة منتهية,
اذا قضينا بحكمة,
نظرنا لما هو آت علي أنه ماض.
فلا ينخدعن أحدكم, لا ينخدع,
حاسبا أن ما يأمله سوف يدوم,
أكثر مما دام ما رأه,
فكل شيء ماض علي هذا النسق.
.3 حياتنا أنهارتصب في بحر,
هو الموت,
هناك يذهب السادة
دون توان الي نهايتهم;
والي الفناء;
هناك الأنهار متدفقة;
هناك الأخرون.. أواسط
وأكثر شبابا;
وأكثر حضورا, متساوون,
هؤلاء الذين يعيشون من كد أيديهم
والأغنياء.
.5 هذا العالم هوالسبيل
الي الطريق الآخر الأورجواني دون كرب,
الأفضل لك أن تملك حسن الصواب
لتعبر هذا الصراط دون أن تضل.
نرتحل حين نولد, نسير بينما نحيا,
ونصل في الوقت الذي نموت فيه;
وعندما نموت, نستريح.
.9 أخبروني: الحسن
ونضارة الوجه الصبوح الناصع,
عندما يأتي العجز, فما مصيرهما؟
الخفة والمهارة
قوة الجسد
والشباب,يصير الجمع الي الفناء
حين تحل ناصية الهرم.
.14 هذه الملوك القادرة
نلمح أخبارها في مقدسات مضت,
في أحوال تعيسة باكية,
انقلبت أحوالهم الطيبة,
وهكذا فلا قوة للقوة,
فالحبر الأعظم والأباطرة والقساوسة
سينالهم الموت
مثلهم مثل رعاة القطعان.
.15 سنقول لأصحاب طروادة,
لا نري شروركم,
بالرغم من أننا نسمع ونقرأ قصصهم,
فلن نحفظها في معرفتنا
وهذا الذي كان في القرن الماضي
فماذا عنه;
سنذهب الي ما كان بالأمس,
فهو أيضا منسي مثله مثل مثله.
.16 ماذا فعل الملك دون خوان؟
أمراء أراجون؟
إلام آل حالهم؟
ماذا عن العاشق العشوق,
ماذا عن شئون جلبوها؟
الترامح والتراشق,
الزخارف والزينات
العالية المهيمنة,
ألم تكن محض هذيان؟
ألم تكن محض نبتات لعصور مضت؟
.17 إلام صارت السيدات, زينة رؤوسهن
أرديتهن, وعطورهن؟
إلام صارت ألسنة نيران العشق الملتهبة,
للمحبين؟
ماذا حل بهذا الشاعر يغني,
والألحان المنغومة يعزفها؟
ماذا حل بهذا الرقص, وحللهم الموشاة
المجلوبة؟
.21 وهذا القائد العظيم
السيد المحصن,
لا يصح الا الحديث عنه
وكيف شوهد مذبوحا من عنقه.
كنوزه الطائلة,قصوره, وأراضيه سلطته,
ماذا جلبت له غير البكاء؟
ألم تكن الا هموما حين غادرها؟
.23 هؤلاء الرجال العظماء,
الدوق و الماركيز والكونت
والرجال كما نراهم بأوج قوتهم,
قل أيها الموت, أين خبأتهم وإلام أحلتهم؟
ومآثرهم الجليلة
وما فعلوه أيام الحرب وأيام السلام,
فبغضبك العارم, طرحتهم أرضا وأجهزت عليهم.
.25 وهذا الذي به تدثرت,
محمودا لفضائله, من الخلق,
المعلم دون رودريجو مانريكي,
الأشهر المغوار;
أعماله العظيمة الجلية,
لا يكفيني مديحها,
فكانت مرأي العين,
ولا أبالغ في شأنها,
العالم كله يعرف
كيف كانت.
.26 ياله من صديق لأصدقائه!
يا له من سيد لخدمه وأتباعه!
يا له من عدو لأعدائه!
يا له من معلم للفرسان المغوارين,
يا لعقله ولحفظ لسانه!
يا لملاحته مع الظرفاء!
يا لحكمته!
يا لدماثته.. يا لأصل عنصره!
سيقول القاصي والداني يا له من أسد.
.29 لم يترك كنوزا,
لم يجن ثروات,
ولا متاع,
ولكنه قاتل المسلمين,
وفاز بقلاعهم,
وقصورهم,
فقدوا كثيرا من قومهم وجيادهم,
وبهذا العمل فاز بالغنائم والأتباع
وما وهبوه.
.32 والقصور والأراضي
اغتصبها الطغاة
وأعادها
بطرق الحصار و الحروب
وبقوة يديه استردها.
وهكذا ملكنا الجليل
اذا كان عمل علي هذا النحو
وهكذا خدم,
فلتخبر أيضا ملك البرتغال وكاستيا
حيث واصل بطولاته.
.33 وبعد أن أفلت حياته
وبعد خدمته المخلصة لقانونكم ومجلسكم,
بعد بطولات يستعصي علي الكلمات حكيها,
هناك في قصره بـ أوكانيا
جاء الموت ليطرق بابه.
36- حياة الخلود
لا تتحقق بمتاعات الدنيا,
ولا بحياة المتعة التي تسكنها الخطايا;
غير أن المؤمنين الأخيار يكسبونها
بصلواتهم, وبكائهم,
أما الفرسان العظماء,
فبأعمالهم والكرب يصيبون به المسلمين.
37- وأنت يا سيدي الرجل العظيم,
يا للدماء الغزيرة التي أرقتها,
دماء الوثنيين,
فلتنظر جائزتك
التي فزت بها بيديك
في هذا العالم,
وبهذه الثقة,
وبهذا الايمان العميق الذي تملكه,
ارحل يحدوك الأمل الطيب,
لهذه الحياة الأخري التي ستفوز بها.
(السيد رودريجو يتحدث)
38- لم يعد لدينا وقت في هذه الحياة البائسة علي هذا النحو,
فعزيمتي ماضية مع الإرادة الإلهية,
وأشعر في مماتي بإرادة راضية,
واضحة وصافية,
أن يريد المرء الحياة, فيما يريد الرب مماته,
فهذا ضرب من الجنون.
(دون رودريجو يتوجه الي السيد المسيح)
39- أنت يا من تحملت الذل من أجل شرورنا,
أنت, لأجل إلهيتك جاورت شيئا شريرا هو الإنسان,
أنت, يا من عانيت عواصف هائجة
دون مقاومة منك,فلتغفر لي,
ليس لأنني أستحق, ولكن لرحمتك الواسعة.
.40 النهاية
وهكذا, بمثل هذا الفهم,
ومحافظا عل حواسه الأدمية,
بين زوجه وأبنائه وأشقائه وخدمه,
أسلم الروح لصاحبها,
لمن وهبه إياها في السماء بعظمته-,
وبرغم موت الجسد, تركت لنا ذكراه مواساة عميقة.
ينتمي هذا النص مقطوعات في موت أبيه, الي النصوص الكلاسيكية الإسبانية ضمن أدب العصور الوسطي, وكتبها الشاعر الإسباني خورخي مانريكي(1440-1479) وهي من شعر الرثاء الذي اشتهر به في الأساس اللسان العربي.
كانت مناسبة القصيدة وفاة أبي الشاعر الفارس المغوار دون رودريجو, الذي كانت له صولات وجولات في المواقع والحروب خلال حكم الملك خوان الثاني.
يبدأ الشاعر قصيدته منطلقا من منطلق يغلب عليه الزهد والتصوف, فيخاطب النفس اللاهية ليجعلها تستفيق وتتيقظ لتتأمل الحياة في معناها. فيقلل من شأن الحياة ويعظم من شأن الأخرة ويسوق العديد من الأمثلة الهادفة للدفع نحو أصلية العالم الأخر. ونجده ينتقل بعد المقدمة الي الحديث عن مآثر أبيه, شجاعته, وإيمانه, وثباته علي مبادئه, ونبذه للثروة والجاه والقصور. وبعد أن يسوق خورخي مانريكي حججه يعطي الكلمة لأبيه دون رودريجو ليسوق بدوره حججه مصيغا بشكل أخر المعاني التي طرحها ابنه بحديثه عن زوال الدنيا وبقاء الأخرة, وإذعانه لرغبة الرب في تقبل مصير الموت: أن يريد المرء الحياة, فيما يريد الرب مماته,
فهذا ضرب من الجنون.
ثم يتوجه الي السيد المسيح يطلب غفرانه ورحمته. ويختتم الشاعر المقطوعات خاتمة سردية تصور مشهد موت الفارس الأب في بيته بكامل حواسه مكرما ومحاطا بزوجه وأبنائه وخدمه تاركا ذاكرة راسخة وذكري عطرة ونموذجا لمحبيه.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg