الخميس 29 من شعبــان 1433 هــ   19 يوليو 2012 السنة 136 العدد 45881
رئيس مجلس الادارة
عبد الفتاح الجبالى
رئيس التحرير
محمد عبد الهادى علام
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | ملفات الاهرام
 
الأهرام يواصل مطاردة السلاح المهرب من ليبيا[4-2]‏
تحقيق‏:‏ أشرف ابوالهول
4949
 
عدد القراءات

عندما توجهنا إلي مناطق الحدود المصرية مع كل من السودان وليبيا استكمالا للمهة التي بدأناها في سيناء لتتبع مسارات تهريب السلاح إلي مصر كنا نتخيل أن محاصرة هذه الظاهرة الجديدة نسبيا علي مصر إذا تضافرت جهود الجيش والشرطة وتعاون معهما الشعب,


ولكننا أكتشفنا أن القضاء المبرم علي الظاهرة ضرب من المستحيل لأسباب أولها طول الحدود الذي يمتد لآلاف الكيلومترات وثانيها أستفادة المهربين من الطبيعة لدرايتهم بها, وثالثها عدم وجود وسائل تكنولوجية حتي هذه اللحظة لايستطيع البشر خداعها بما في ذلك حقول الألغام التي كنا نتصور أنها يمكن أن تتكفل بمهمة تعطيل المهربين.
ومادمنا نتحدث عن حقول الألغام ومدي قدرتها علي الحد من عمليات التهريب فقد كان من الضروري أن نذهب إلي اللواء مهندس محمد خاطر ليس بوصفه رئيسا لجهاز تعمير الساحل الشمالي الغربي ولكن بوصفه واحدا من اكبر خبراء الألغام في مصر فهو القائد السابق لفوج إزالة الألغام بسلاح المهندسين بالقوات المسلحة المصرية والذي عمل لسنوات طويلة في تطهير الساحل الشمالي والعلمين وصولا إلي الحدود الليبية من الألغام التي تركها ورائهم المتحاربون في الحرب العالمية الثانية.
الألغام لاتعوق المهربين
في البداية أكد أن وجود الألغام لايمثل عائقا أمام مهربي السلاح من ليبيا إلي مصر فالمهربون يجيدون التعامل مع الألغام حيث يسيرون بسياراتهم فوق مناطق حقول الألغام بسرعة كبيرة مما يؤدي إلي تخفيف وزن السيارة بشدة حيث ان الألغام المضادة للدبابات لاتنفجر إلا إذا زاد وزن الجسم المار فوقها عن180 كيلو جراما ولا تضغط السيارة علي اللغم إذا قل وزنها عن ذلك كما أنهم يحفظون اماكن الألغام وحتي عند زراعة إلغام جديدة علي المنطقة الحدودية مع ليبيا لتحجيم عمليات التهريب لايتأثرون بها كثيرا لأن لهم عيونا في المناطق الحدودية تراقب اماكن زراعة الإلغام لتفاديها وإبلاغ المهربين بها.
وقال ان المنطقة التي يسهل التهريب منها تمتد لمسافة360 كيلو مترا علي طول الحدود المصرية الليبية وبالتالي يصعب حراستها جميعها ويحتار المهربون الليل للقيام بمهامهم غير القانونية.
دور الحمالين
وكشف اللواء محمد خاطر النقاب عن أن سلاح المهندسين قام منذ فترة بزرع حقل ألغام كبير علي الحدود مع ليبيا يصل عرضه إلي100 متر ومع ذلك واصل المهربون أنشطتهم من خلال الحمالين وهم الأشخاص المنوط بهم مهمة نقل البضائع او السلاح عبر جانبي الحدود باستخدام وسيلة النقل التي يرونها مناسبة للمكان حيث يستخدم الحمال في بعض المناطق السيارة وفي مناطق أخري الدواب وفي مناطق ثالثة ينقل البضاعة علي ظهره وهو يتقاضي مبالغ كبيرة مقابل هذه المهمة. وقال ان المهربين يبتدعون طرقا للقيام بأعمالهم ومنها تدريب الحمير علي عبور حقول الألغام محملة بالسلاح ووصلت كفاءة تدريب الحمار إلي أنه عندما يسمع صوت إطلاق نار ينبطح علي الأرض ليتفادي الرصاص. وقال أن حل هذه المشكلة يتطلب التعاون الكامل والواسع بين السلطات المصرية والليبية والتوسع في أنشاء نقاط الحدود علي الجانبين مشيرا إلي ان عدم وجود حقول الغام علي الجانب الليبي يسهل من حركة المهربين. وفيما يتعلق بعمليات التهريب الحالية اكد أنها تقلصت كثيرا بسبب وجود عدد كبير من الوحدات العسكرية في الطرق المؤدية لسيوة حيث توجد أبراج مراقبة علي مسافات متقاربة ووجود دوريات استطلاع جوي لكامل المنطقة خاصة علي الحدود.
التهريب الليلي
وقال اللواء محمد خاطر إن عمليات التهريب تتم ليلا لإنعدام الرؤية الليلية بسبب طبيعة الصحراء ولاتجدي معها الكاميرات الحديثة كما أن المهرب يكون دائما علي إلمام كبير بالمكان ويرصد كل مكوناته قبل أن ينفذ عمليات التهريب والتي تتم عادة في الليالي القمرية.
تخزين السلاح بمصر
وعن تهريب السلاح كشف مصدرثان للأهرام حقائق جديدة وأولها أن عملية إدخال السلاح عبر الحدود قد تراجعت كثيرا لسبب بسيط هو أن معظم السلاح دخل بالفعل الأراضي المصرية خلال الثورة الليبية وبعدها ولكن الذي حدث هو أن جزءا بسيطا فقط هو ماتم بيعه في السوق المصري أو تهريبه لغزة وتبقي الجزء الأكبر في مخازن سرية بالأراضي المصرية وبخاصة في منطقتي سيدي براني والنجيلة القريبتين من الحدود وعندما يتم الإعلان عن ضبط كمية من الأسلحة غالبا ماتكون قادمة من المخازن بهاتين المنطقتين وفي طريقها للمشترين بالصعيد اوغزة وحاليا يتم نقل بعضها لسوريا لتزويد مايسمي بالجيش السوري الحر بها.
وقال أن هناك مخازن أخري بالقرب من وادي النيل خاصة في وادي النطرون علاوة علي المخازن بشمال وجنوب سيناء والتي تصل إليها الأسلحة أحيانا عن طريق البحر.
وأرجع المصدر ظاهرة تدفق السلاح من ليبيا إلي ان نظام العقيد القذافي كان يحتفظ بمخازن ضخمة للأسلحة في شرق ليبيا وقد سقط شرق ليبيا بالكامل تحت سيطرة الثوارة في وقت مبكر وبالتالي لم تكن هناك حاجة فعلية لاستخدام كل الأسلحة الموجودة فبدأ الثوار في بيعها لمن يدفع للحصول علي المال اللازم لتمويل الحرب في بقية المناطق ودفع مبالغ للثوار وكان من الطبيعي ان تكون الأراضي المصرية هي المعبر الرئيسي لتلك الأسلحة التي كانت في البداية متجهة لقطاع غزة قبل أن يتنبه التجار غلي إمكانية بيعها في مصر نفسها.
سيوة وبحر الرمال
وأشار إلي ان70% من الأسلحة تدخل مصر عن طريق واحة سيوة مترامية الأطراف والتي يصعب تأمينها بالكامل لوجود بحر الرمال المتحرك الكبير بها والذي يجيد المهربون المرور منه باستخدام سيارات دفع رباعي تسير بسرعة هائلة قادمين من صحراء تزريبو الليبية التي يتم تجميع الأسلحة المهربة منها مرورا بواحة الكفرة القريبة من الحدود المصرية. كما يتم تهريب كميات ضخمة أخري من الأسلحة عن طريق هضبة الجلف الكبير الواقعة علي الحدود المصرية الليبية السودانية. وكشف المصدر عن انه بسبب التعرجات في بحر الرمال الكبير حيث توجد كثبان رملية منخفضة وأخري مرتفعة تحجب الرؤية فان الرادارات أيضا تعجز عن كشف عمليات التهريب.
سائقو السفاري
وأوضح أن كافة سائقي سيارات السلاح يكونون من سائقي السفاري الذي يجيدون التعامل مع جميع أنواع التربة الصحراوية بما في ذلك الجبال والهضاب وبحر الرمال والكثبان الرملية وحتي البرك والمستنفعات.
وقال أن معظم الأسلحة المهربة من نوعيات المدافع5 و14 مللي والجرينوف والكلاشنكوف وصواريخ جراد الحرارية وطبنجات بريتا وصواريخ سام24.
التهريب بحرا
وكشف النقاب عن وجود مسار أخر للتهريب من ليبيا إلي مصر وهو مسار البحر حيث تتحرك سفن الصيد محملة بالبضائع أو الأسلحة من منطقة ميناء البردي المجاور للحدود في السلوم ولكن من ناحية البحر في طريقها للأراضي المصرية وبجوارها توجد منطقة تهريب أخري تعرف بأسم الأخوار. وفي محاولة لفهم اسباب تحول مركز عمليات تهريب الأسلحة الليبية إلي واحة سيوة التي يعرفها الجميع بنشاطها السياحي الرائج لطبيعتها الخلابة وأحتفاظها ببيئتها الأصلية علاوة علي أحتوائها علي الكثير من المواقع الأثرية وتوافر المياة بها أنتقلنا من السلوم إليها لنري بام اعيننا ماذا تغير في واحة الغروب كما وصفها روائي مصر الشهير خيري شلبي.
وفي سيوة التقينا بأحد أهم خبراء السياحة السفاري فيها وهو الشيخ عمر أبو زهرة مؤسس جمعية أبناء سيوة للخدمات السياحية والحفاظ علي البيئة والذي أكد لنا أن الكلام عن تحول الواحة إلي جنة لتهريب السلاح مبالغ فيه وأن ماحدث هو أن المهربين استغل الموقع الجغرافي للواحة والتي تقع أطرافها عند بحر الرمال العظيم من أجل محاولة المرور منها ومن القري القريبة مثل بهي الدين وشياطة في طريقه لمطروح أو الواحات عبر المدقات الجبلية.
وقال أبوزهرة ان سكان سيوة وبهي الدين وشياطة يرفضون إلصاق اسماء مناطقهم بعمليات تهريب الأسلحة إلي مصر لأن المقومات السياحية لديهم عائدها دائم ويفوق عائدات تهريب الأسلحة وغيرها من الأنشطة غير القانونية والتي لايقرها عقل أو دين. وكشف النقاب عن أن عددا محدودا من سائقي السفاري بالواحة والقري القريبة اضطروا للعمل مع المهربين خلال فترة الكساد السياحي التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير وأن المهربين أختاروهم بعناية لخبراتهم الواسعة في بحر الرمال ودروب الصحراء وقرب سيوة وبهي الدين وشياطة من الحدود الليبية وتحديدا من واحة جغبوب ولكن أبناء المنطقة عارضوا هذه الأنشطة غير القانونية حتي إضطر معظم سائقي السفاري الذين عملوا بها للعودة لرشدهم وعادوا لحياتهم الطبيعية مع بدء إنتعاش السياحة في الشهور القليلة الماضية. وقال الشيخ عمر أبوزهرة ان قيام الحكومة المصرية بإعادة تشغيل المنفذ البري الرابط بين سيوة وواحة جغبوب الليبية يمكن أن يؤدي للقضاء علي عمليات التهريب تماما لأنه سيوفر فرص عمل لأبناء المنطقة في حالة تراجع السياحة ويجعل منها نقطة عبور خاصة للشاحنات الكبيرة المتجهة للأراض الليبية والتي تعاني كثيرا عند أستخدام المنفذ الحالي في السلوم لصعوبة صعود الهضبة التي يوجد عليها.
النجيلة ترفض التهريب
وعن دور النجيلة في عمليات تخزين وتوزيع السلاح المهرب من ليبيا يقول أحد أبناء النجيلة وهو الشيخ جمعة إسماعيل حميدة أن عددا محدودا من أبناء النجيلة هم من يعملون في هذا النشاط المرفوض من معظم أبناء النجيلة وأن رجال الدين والمتعلمين في المنطقة يحاربون هذا النشاط.
وأوضح أن الظاهرة ليست بالضخامة التي قد يتخيلها الناس وانه هو شخصيا ورغم أنه يخطب في المساجد ضد الظاهرة بوصفه شيخا سلفيا إلا أنه لم يلتقي بنفسه بأي مهرب أوتاجر سلاح ويسمع فقط عن الأمر.
وأشار إلي ان قيام الحكومة بتنمية النجيلة وعمل مشروعات فيها توفر فرص عمل للشباب سيؤدي غلي القضاء علي السلبية الناتجة عن الفقر والبطالة ومنها تهريب السلاح وغيره من البضائع من ليبيا مشيرا غلي أنه يمكن انشاء مصانع لتعليب التين في النجيلة التي تشتهر بزراعة التين البرشومي حلو المذاق.
وقال ان الأمطار لم سقوط الأمطار قليل جدا علي النجيلة وتعاني من الجفاف منذ قرابة14 عاما ولذا يعاني معظم أهلها البلغ عددهم22 الفا تقريبا من الفقر وضيق ذات اليد وأوضح أن ماساعد علي وجود نشاط تهريب السلاح في النجيلة هو موقعها حيث تمتد من البحر المتوسط قرب السلوم إلي الصحراء بعمق30 كيلومترا
في بحر الرمال العظيم
وحتي تكتمل الصورة كان من الضروري أن نقوم بانفسنا بمحاولة اختراق بحر الرمال العظيم والذي يعد أهم طرق تهريب السلاح من ليبيا حاليا لنتيقن بأنفسنا من مدي إمكانية رجال القوات المسلحة والشرطة من ضبط الأمن به وبالفعل أحضرنا سيارة ذات دفع رباعي للقيام بهذه المهمة بصحبة الشيخ عمر أبوزهرة خبير السفاري.
عندما بدأنا نتحرك في إتجاه بحر الرمال كانت الصورة النمطية لهذا البحر تسيطر علي خيالاتنا وهي أن تلك الرمال ستبتلع السيارة او أن السيارة يمكن أن تغرس في أي مكان فننعزل عن العالم خاصة وأن كافة شبكات الهاتف المحمول لاتعمل في المنطقة ولذلك كنا حريصين علي حمل تليفون مرتبط بالأقمار الصناعية معنا علاوة علي وجود خبير السفاري عمر أبوزهرة. ومع مرور الوقت وأزياد توغلنا في عمق بحر الرمال العظيم كانت أوهامنا عن التحرك بداخله تتبدد ليس لأنه مكان امن ولكن لأن هناك من يعرفون أسراره ويتعاملوا معه كما نتعامل نحن الأفندية أصحاب الياقات الزرقاء مع الطرق الأسفلتية العامة بالمدن مع فارق واحد هو اننا ندير مفاتيح سياراتنا فتتحرك وحدها مستفيدة من التكنولوجيا والعلم أما سائقو السفاري فلا يستخدمون إلا مهاراتهم الفردية التي تفوق أبرع سائقي سباقات السرعة في العالم. كنا كلما راينا كثيبا رمليا او جبلا او واديا عميقا نشعر بالقلق خوفا من أن تكون النهاية في تلك الصحراء الموحشة رغم أنها تبدو من بعد كتاج ذهبي رائع يغطي رأس الأرض اللا متناهية الأطراف والتي تمتد لما يزيد عن360 كيلومترا ولكن سرعان مايقوم خبير السفاري المصاحب لنا بتجاوز العائق تلو العائق والسير بإنسيابية وسط الرمال الساخنة المتربصة بكل من يحاول لمسها. ومع مرور الوقت ونحن نقطع المسافات داخل بحر الرمال في أتجاه الحدود الليبية كان إيماننا يزداد بأنه لاتوجد قوة في العالم تستطيع منع عمليات التهريب عبر هذا البحر الهادر دائما فكثبانه وجباله ووحشته تمنح أعظم حماية للمهربين من سائقي السفاري المحترفين فلا يمكن لحرس حدود أن يقيم نقاط ثابتة في عمق هذا البحر لأنها لن تقدم أو تؤخر أو تفيد في كشف السيارات المتحركة بسبب التعرجات والكثبان التي تنتشر في كل مكان فتعزله عما يجاوره. وفي نهاية رحلتنا في بحر الرمال العظيم توصلنا إلي قناعة واحدة هي ان الوسيلة المثلي لوقف التهريب من ليبيا إلي مصر وخاصة تهريب السلاح تتمثل في التعاون بين السلطات علي جانبي الحدود وتوفير دوريات أمنية مشتركة تدعمها طائرات استطلاع ومناطيد تصوير للحدود مع تنمية المدن والقري الحدودية وتوفير المساعدات وفرص العمل لأبنائها حتي لايضطروا تحت وطأة الحاجة للوقوع في المحظور.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg