السبت 18من صفر 1432هــ   22 يناير 2011 السنة 135 العدد 45337
رئيس مجلس الادارة
د.عبد المنعم سعيد
رئيس التحرير
أسامة سرايا
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | الكتاب
 
علماء التراث وقضايانا
‏..‏ محمد زاهد الكوثري‏(2-2)‏
المعاصرة

بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى
د.محمد عبدالفضيل القوصى
940
 
عدد القراءات

عرف التراث الإسلامي ـ علي مدي تاريخه الطويل ـ نمطا فريدا من العلماء‏:‏ يستغرقون أعمارهم ويفنون أبصارهم في تحصيل دقائق علم بعينه‏,‏ أو علوم بأعيانها لا يبغون عنها حولا‏,‏

 ويجدون في تكبد مشقات هذا التحصيل: من المتعة العقلية واللذة الروحية ما يغنيهم عن متع الحياة ولذائذها جميعا, وعلي كواهل هذا الطراز النادر من العلماء انبني الصرح العلمي الإسلامي رفيعا مهيبا, وتشيدت لبنات الحضارة الإسلامية باذخة شامخة.
ولقد كان الإمام الكوثري واحدا من أبرز رجالات هذه الكوكبة من العلماء المحصـلين في العصور القريبة بلا مراء, بل لعله من أكثرهم ثراء وتنوعا, وسعة وشمولا, فلم تقف شهية التحصيل لديه عند علم معين, بل امتدت من علوم العقائد إلي علوم السنة, إلي مجال الفلسفة, إلي مجالات الفقه وأصوله, إلي علوم الأديان والفرق, دون أن يشغله التضلع في تحصيل إحداها عن التضلع في بقيتها, بنفس القدر من العمق والاستقصاء.
بيد أن الإمام الكوثري لم يقف في عطائه العلمي عند حد التحصيل فحسب, ولو أنه فعل ذلك لما كانت له هذه المنزلة السامقة التي تبوأها في العقد المنير من علماء التراث, لكنه أضاف إلي مهمة التحصيل: مهمة التجديد, وكان يري في هاتين المهمتين الجليلتين كلتيهما: التحصيل والتجديد: عبادة يبتغي بها وجه الله تعالي, ورسالة ينير بها مسالك الأمة ودروبها, لاسعيا وراء شهرة أو مال, ولا استهدافا لجاه أو منزلة, بل كان يلقي من جراء الإخلاص العميق لمهمتيه هاتين: الضنك وشظف العيش, ويحتمل في سبيلهما البأساء والضراء!!
ـ في مهمة التحصيل يكاد يستعصي علي المرء إحصاء ذخائر التراث التي تولي الإمام الكوثري الحصول عليها, ثم تقديمها لأجيال الدارسين والعلماء من بعده, ولولا ألمعيته الوقادة لظلت تلك الذخائر تائهة في خزائن المكتبات المبعثرة, بل ربما خسرتها الذاكرة العلمية للأمة أبدا.
ولم تكن مهمة التحصيل تلك: تجعل منه مجرد أحد الوراقين, أو النساخ الذين عرفتهم خزائن المكتبات في حواضر العلم الإسلامية خلال عصور مضين, بل كانت مهمة التحصيل عنده تذهب به إلي الغوص في عمق أعماق تلك الذخائر, فتراه يكتب لكل منها المقدمات الضافية الذيول, العميقة الأغوار, حتي ليظن قارئ كل واحدة من هاتيك الذخائر: أن الكوثري لم يكن له شغل سواها, وأنه لم يعكف إلا عليها!!
فهذا هو الكوثري ـ علي سبيل المثال ـ في مقدمة تحقيقه للكتاب المعنون( تبيين كذب المفتري) الذي ألفه العلامة ابن عساكر في القرن الخامس الهجري: يستعرض التاريخ الاعتقادي الصحيح للأمة الإسلامية منذ عصورها الباكرة وصولا إلي الإمام أبي الحسن الأشعري ومدرسته الباذخة, ولا ينسي الكوثري في غمرة هذا الاستعراض التاريخي ـ أن ينتقد ابن عساكر لميله إلي الإكثار من الرؤي والأحلام في امتداح الإمام الأشعري, مع أنه كان الأجدر به أن يكتفي بحجج اليقظة عن رؤي المنام, والحجج عند الإمام الأشعري كثرة كاثرة!! وها هو ـ علي سبيل المثال أيضا ـ في مقدمة تحقيقه لإحدي ذخائر علم الحديث رواية ودراية, وهو كتاب نصب الراية ينتهض فارسا لا يشق له غبار, سواء في علوم الجرح والتعديل, أو في تراجم الرواة من الحفاظ والمحدثين, مشيدا باشتمال هذا الكتاب النادر علي نصوص حوتها مصادر مجهولة لولاه لطوتها غياهب الفناء!!
ـ في مهمة التجديد: لم يكن الكوثري ـ داعية إلي مذهب مبتدع, ولا مروجا لاتجاه مخترع, بل كان يري أن التجديد الحقيقي يتمثل في إعادة البهاء والرواء إلي الفهم الصحيح للدين, وإزالة ما علق به ـ علي أيدي كثير من الأدعياء ـ من غلظة في التناول, ومن حرفية في الفهم, ومن جمود في الرؤية ومن عداء للعقل, فلقد كان العقل عند الكوثري أخا شقيقا للشرع, وكان يجهر بصوته عاليا بقولة ابن الجوزي إننا بالعقل عرفنا الله تعالي وأثبتنا وجوده, فينبغي أن لا نهمل العقل, وإلا أهملنا ما ثبت به الأصل!!
فلقد كان الإمام الكوثري ـ في تجديده ـ يستشعر مكامن الخطر العقدي والفكري التي ينطوي عليها إهمال العقل علي حد تعبير ابن الجوزي, وهي مخاطر لا تقف عند حد الفهم الظاهري الجامد لنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بذات الله تعالي وصفاته وأفعاله بما يؤدي إليه ذلك من تعكير صفو التنزيه وتشويه نقاء التقديس, بل تتعدي ذلك إلي تكوين نمط من التفكير الأجوف الذي يتحول باهتمامات الأمة من الجوهر إلي المظهر, ومن المضمون إلي الطلاء, فإذا بالأمة ولا هاجس لها إلا الأشكال والطقوس, ولا شغل لها إلا قضايا الملبس والمأكل أو ما هو دون الملبس والمأكل, مهما توكأت بعض تلك الاهتمامات علي أفهام ضيقة لبعض الآثار التي في أسانيدها مقال..وأي مقال, وتاهت من وعي الأمة القضايا المصيرية الكبري في النهضة والحرية والتقدم ودفع الظلم ورفع الجور, وها نحن نلمس لدي أتباع السلفية المدعاة اليوم: شاهد صدق علي منطق الكوثري ورؤيته الثاقبة!!
وفوق ذلك كله.. فقد كان التجديد, ـ عند الكوثري ـ لاينهض إلا علي شحذ إرادة الأمة سعيا إلي انبعاثها من عثراتها الفكرية والروحية, إن التجديد عنده ليس مجرد علوم تحصل, وليس مجرد كلمات تقال, بل إنه هجرة إلي التمسك بالمبادئ القويمة المؤدية إلي سعادتي الدنيا والآخرة, وإيقاظ الروح الوثابة في نفوس المسلمين. ثم أقول: لئن كانت أجيال العلماء اللاحقين مدينة بالفضل للإمام الكوثري بالحفاظ علي تلك الذخائر العظمي التي حفظها لنا من الاندثار والضياع, فهي مدينة له أيضا بالتفاني في الدفاع عن قضايا الإسلام الكبري, ومدينة له كذلك بوقفته الصلبة أمام موجات السلفية المدعاة, ودعوات التغريب, ورياح العلمانية; وهي جميعا ـ في النأي عن جادة السبيل ـ سواء!! ألم يكن التجديد الصحيح عنده هو أن يعود للدين رونقه وبهاؤه وضياؤه, ثم ألا يتبين لنا اليوم أن كلمات الكوثري ـ الذي لا تكاد الأجيال المعاصرة تدري من أمره شيئا ـ لازالت صالحة لأن تقال لهذا الجيل ولكل جيل ؟؟
 

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg