|
|
ها هو المسجد الحرام, يحيط بساحاته وتوسعاته الجديدة ابنية ضخمة( وقد بناها رجال الاعمال بشكل جميل..).. ابنية عالية تحيط بالكعبة, وبين الكعبة وهذه الابنية تسع الالآف من المسلمين الاتين من مناطق الجزر من شتي انحاء العالم, ياتون بوجدان مجروح ويستمعون الي خطب زاعقة تاتيهم من ميكروفونات عديدة تنتشر في الحرم, لا تخرج هذه الميكروفونات عن الايمان الذي يقي من عذاب النار, والتحذير من الخروج عن الدعوة المحمدية لدخول الجنة. وهي ميكوفونات تحمل من التشدد للايمان والصياح في هؤلاء البوساء الصاغين الجالسين في الباحة او الخارج, وتحدثهم عن خشوع المخبتين( هل يعرف احد من الجالسين هنا معني لهذه الكلمة؟) واعمال الصالحين وسعادة المتقين..
وقد يكون من المهم ان انقل بعض هذه الدعوات التي تلقي او تكتب لتقرأ اثناء الطواف, وقد يكون من المهم ان ننقل بعضها, وهي في اغلبها في كتيبات تحمل الصفحة منها احيانا الدعاء بالعربية والوجه الآخر الترجمة الي احدي هذه اللغات الغريبة عن العربية, والتي كثيرا ما يلقي بها الدعاء في جماعات.. وقد يكون من المهم نقل بعض هذه الدعوات, التي يحث علي ان اثناء الطوف حول الكعبة مقتصرين علي عبارة من مثل:
اللهم اني اسالك ايمانا كاملا, ويقينا صادقا ورزقا واسعا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا, وحلالا طيبا وتوبة نصوحا, وتوبة قبل الموت وراحة عند الموت ومغفرة ورحمة بعد الموت, والعفو عند الحساب, والفوز بالجنة,....) وقلما تخلو يد من أيدي هؤلاء المسلمين ممن لا يتحدثون العربية من مثل هذه النشرات والدعوات العقيدية الخالصة, والتي لا تخرج قط عن مثل هذا العبارات السابقة باية حال في كتيبات كثيرة لا تخرج عن الادعية التقليدية في شيء يطلق علي الدعاء في احداها تعبير( الشوط), وتتوالي الاشواط, شوط اول وشوط دو وشوط سوم, ونضع بين يدي القاريء بعض عبارات من الشوط الاخير(اي الشوط الثالث), نقرأ باللغة الغريبة عنا ولا نلبث أن نجد الترجمة العربية, نقرأ علي سبيل المثال بعبارة من مثل: ' خداوندا! تودر خواست مي كنم به اسم نهان وبنهان..
ونعود علي الصفحة التالية لنقرأ: اللهم اني أسألك باسمك المكنون المخزون الطاهر الطهر المبارك.. والدعوات طويلة والدلالات ظاهرة ونسارع هنا بالقول إن صلاح الانسان, ضروري للمجتمع, وان الايمان بدرجاته العالية هو الذي يصفي النفوس ويحيل الي العقل: غير ان هذا كله يظل مرهونا بالوعي بمايحدث حولنا, ففي غياب وعي اسلامي لمايحدث من استبداد الآخر(الغرب) بالا.نسان العربي, او استبداد الآخر( ولاة الامور والحكام) بهذا الانسان.يحول بين هدف الرسالة التي جاءت العقيدة من اجلها, فلم تكن العقيدة ايمانا وفحسب, وانما الايمان الذي يؤكده العمل والحث عليه, والجهاد ليس هو الجهاد الاكبر الذي حثنا عليه الحديث القدسي, وانما الجهاد الاصغر ايضا( جهاد النفس) الذي هو- بشكل اكيد- الجهاد في العمل وتاكيد الوعي الانساني بمايحدث حولنا. حدثت نفسي وانا اشهد عجيلج هذه الجموع حول الكعبة او الصفا والمروة وصولا الي جسر الجمرات, وانا اردد ان الايمان الحقيقي يظل ايمانا تتكامل فيه الدرجة اليقينية من الايمان بالله وبأصول العقيدة, وفي الوقت نفسه, الايمان يرفض الظلم او الانعزال عمايحدث حولنا, فالوقوف عند الشعائر والمناسك فقط يظل ايمانا باهتا, مجردا, اعزل من اي وعي لشروط الايمان, فالايمان المجرد الذي يقترب من حد الصوفية الغائبة عن اخطار الحاضر, بل من المؤكد انه من غير المطلوب في عالمنا المتردي قط, ومن ثم, فهو- الايمان بالله- لابد ان يرتبط بشروطه, واهم هذه الشروط: ان الايمان بالله يرفض مع ويرفض هذا الواقع, ويرفض عناصر الطغيان فيه, فالايمان بالله ومحاربة الطاغوت في دنيانا يظل من اهم الشروط التي يتم ان يتمسك به المسلم, وهو مانفهمه من هذه الآية الكريمة, يقول الله عز وجل:
.. فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم(256/2). والقرآن الكريم مليء بمثل هذه الدلالات التي تدعو الي الايمان الخالص وآداء الفرائض الواجبة وفي نفس الوقت الامر بالمعروف والنهي عن المنكر, وشروط التغيير في الحياة الدنيا..وما الي ذلك من ضرورة الجهاد ضد النفس وضد أعداء القيم الانسانية(3)
مشهد يروعنا هذا المشهد الذي التقينا ببعض صوره هنا وهناك, وهي العلاقة الدالة بين الكعبة وناطحات السحاب.. فبعد الدوران طويلا داخل الكعبة وخارجها, واداء العمرة لاكثر من مرة, كان يلفت نظري دائما هذا التغيير الذي طرأ علي المنطقة, لقد قرأت الكثير في بناء بيت الله, والتطورات التي حدثت له منذ هبط آدم وسعي ابراهيم وصولا الي الملك عبد العزيز وخلفائه حتي الآن, فلم يرقني هذا القدر من التغيير كما راقني الآن..
التحول هائل والتتغير كبير وهو تحول او تغير يبدو لمن ياتي ليقيم الشعائر غائبا, فمن ياتي الي هنا- في الغالب- لا يكون نصب عينيه غير المناسك والشعائر الدينية, غير ان من يحاول ان ينظر بعينيه او عقله خارج الكعبة يدهشه قدر التغيير الكبير.. اننا خارج المسجد الحرام امام هذه الناطحات, والبوتيكات, بل والسوبرماركات والاسواق التي يغلب عليها الطابع الغربي في المقام الاول, ثم يتلوه الطابع الاسيوي بعد ذلك سواء فيمايقدم او فيمن يعملون بهمة ونشاط كبيرين, يتعثرون في العربية, لكنهم يعملون بدأب شديد..
علي ان التغيير الذي يحدثه مصباح العم سام الآن- ليس مصباح علاء الدين- وصل الي هنا ايضا, وقد لاحظنا في الزيارة السابقة كيف ان مشهد الخروج من الكعبة كان يتلوه- مباشرة- مشهد' كنتاكي' الذي لا تتوقف الحركة فيه, فالرجال ياتون بالاطعمة المعروفة, والنساء المحجبات يمارسن الالتهام والشراء.. غير أنه يبدو ان العم سام انتبه الي ان الصورة الضخمة لكنتاكي وملحقاته كانت زاعقة اكثر مما يجب, ومن هنا, فقد لاحظنا تغييرا ليس في التوجه وانما في الوسيلة,
ان المكان الضخم استبدل(اليافطة) الضخمة التي كانت تشير- كما لاحظنا من قبل- الي الرموز الامريكية في الاطعمة, ومن ثم, التحول الثقافي..استبدل بها عنوانا آخر هو,KFC وعادت اليافظة الضخمة الي ايمن المكان(دجاج كونتاكي) و(بيتزاهت) وان لم يخل من الاعلان عما تقدمة سلسلة المحلات الامريكية للحجاج من وجبات طيبة وخدمات مغرية.. والواقع ان هذه الرموز الغربية اصبحت اكثر فاعلية في وجود سلسلة الفنادق الضخمة التي قامت- كما فعل اصحاب المطاعم الامريكية- باستخدام وسائل اكثر خداعا للزائر, اذ ان التصميم العربي من شبابيك وزوايا زخرفية عربية وطابع تاريخي عربي احتل الواجهة, في حين اننا لم نفارق اسماء من مثل( هيلتون) و( كونتننتال).. وما الي ذلك. وفضلا عن الابنية الضخمة: الفنادق والمحلات والاصواق الثرية الي درجة عالية, نجد- في المقابل- احياء فقيرة, لاتزال, تعكس واقع( ام القري) مذ اهملت في القرون السابقة, وفي المقابل, فان ثراء المناطق الفخمة يقابلة فقر المناطق الفقيرة, غير ان اكثر ما يلفت النظر هنا ان الخارج من المسجد الحرام يجد امامه السلة الفخمة من هذه الابنية, وهي ابنية تصل في ارتفاعها الي درجة يستطيع من يسكن فيها- باسم اداء الفريضة او العمرة- ان يري الكعبة تقبع في مكان ناء يهبط الي نهاية الاودية التي يتكون منها جغرافية ام القري, ويري الكعبة والطواف حولها, وكل مايمكن ان يقوم به المسلم من اية بقعة من العالم.
البشر داخل المسجد الحرام وخارجه الرمز داخل المسجد الحرام بما يحمل من اناس فقراء من شتي انحاء العالم, والبلاط الضخم خارج المسجد الذي يقيم فيه مثل هذه الجموع البائسة المشردة, الباكية تعكس لنا( حالة) العالم الإسلامي اليوم هل يمكن المقارنة- حين نستعير عصر العولمة- بين السادة ساكني الناطحات- وهم قلة لكنهم فاعلون اقوياء- والكثرة- وهم كثرة بؤساء باكون-
ثم نمضي مع هذه المقارنه مع التغييرات التي حدثت في العالم عقب عاصفة مانهاتن, فنقترب من هذه الجموع, لنفسر اكثر هذه( الحالة), بعد ان تحولت العولمة الاقتصادية الي شيء اقرب الي( عسكرة العولمة) ليس الاقتصادية وفحسب وانما في كل الميادين حيث تقوم الولايات المتحدة الامريكية بفرض سيطرتها العاتية علي كل فقراء العالم- الاسلامي- واثريائه من السادة المتعاونين من بين ولاة الامر من السياسيين او من بين رجال الاعمال الجدد ثم الضلع الثالث في مثلث الهيمنة العسكرية وقد مثله الآن من الفنانيين والمثقفين.. هل ابتعدنا عن العالم الروحي الذي جئنا الي ام القري من اجله ؟ فلنعد الي عقولنا اكثر, فان هذه النظرة الهوجاء لن يمكننا الاعلان عنها, او التعبير بها عما نعانيه الآ, ولنعد الي فندقنا المتواضع البعيد عن الكعبه, الذي يختفي في الشوارع الجانبية وراء أسورا هذه الابنية الضخمة من ناطحات السحاب.
علي انني لسوء الحظ, وفي اليوم الاخير, اصبت في حادثه امام الكعبة, مما ترتب عليه كدمات عنيفة جدا في ساقي اليسري, ومن ثم, تحاملت علي نفسي, للذهاب الي الفندق, بعد ان عانيت طويلا في مستشفي جياد لمحاولة الحصول علي علاج بدون جدوي. لحسن الحظ كنت قبل ذلك بقليل قد انتهيت من اركان العمرة: الاحرام والطواف والسعي وواجبات العمرة بشكل عام, فودعت الكعبة وتهيأت بعد الصلاة للمغادرة الي خارج المسجد الحرام
اكتفيت بالعودة الي الفندق, وابتلعت العديد من المسكنات, واستخدمت كثيرا من المراهم في ساقي التي كنت احس بها تزداد الما وتورما, انتظار مرور الوقت كان بطيئا مؤلما وانا اتهيأ للرحيل من ام القري الي مطار جدة. ظللت الليلة السابقة للرحيل حملت القرآن الكريم بين يدي وظللت اقرأ فيه القراءة الكلية, بمعني اننا تعودنا في مقاعد الدرس او اثناء القراءات المتفرقة ان نتوقف عند آيات معينه تضع امامنا للدرس او الفهم, ومن ثم, فان معرفتي- علي الجانب الشخصي- كان يشوبها هذا الانقطاع الي النظرة الكلية للقرآن الكريم, وحتي حين اهتممت لفترة طويلة من حياتي بقراءة(التفاسير) القديمة منها او الجديدة للقرآن كنت اقع فريسة لهذا المفسر او ذاك سواء في تفسيره العام, الذي لايخلو من توجه شخصي او ايديولوجي, او من السلفية التي كانت تستحوز علي عقول الكثيرين..
كانت الفرصة مواتية منذ خرجت من مطار جدة مرورا بالمندينة ان اقرأ القرآن بنظرة شمولية, مع الوعي التام بكثير من علامات الوقف ومصطلحات الضبط فضلا عن معرفة متواضعة بتجويد بعض الآيات, ومن هنا, ظللت هذه الليلة احاول ان اكمل الجزء الاخير من القرآن الكريم بوعي شديد.. كانت الآيات تصل بي الي درجة عالية من العجب: كيف لم افطن لهذا من قبل ؟ كيف لم اقرأ القرآن الكريم قراءة مستفيضة من قبل ؟ كيف اكتفيت بالشذرات التي اعطيت لنا؟ ولان الامر عندي لا يتوقف عند الجانب الفني الالهي الخالص في النص القرآني, فقد كنت- بالاندماج عضويا بالايات- انغمس في( حالة) المجتمع العربي اليوم.. اذكر في هذه الليلة الاخيرة انه استوقفتني اكثر من آية وانا اتامل الواقع الاسلامي/ الشرقي اليوم; الواقع رديء بما يدفع الي البحث عن المسئول; كيف وصل بنا الحال الي مانحن فيه الآن, كيف اصل الي اية منطقة في الارض المقدسة الا فاجد مجموعات كثيرة, اغلبها يتحدث لغة ليست العربية, واغلبها ينادون الله- عز وجل- في بكاء مضطرب وعذاب مستمر لاخراجهم من الضيق الذي يعيشون فيه, كيف انتهت هذه الامة الي ماهي عليه الآن؟!
اسئلة كثيرة كانت تطرح وانا اتلو تلوت كثيرا وانا اجد اجابات كثيرة لاسئلة تعبر عن الواقع المؤلم الذي تعيش فيه هذه الامة.. قرأت ودونت في ورق امامي: هل ينظرون الا ان تاتيهم الملائكة او ياتي امر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون'(33/16) فاصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ماكانوا به يستهزءون(34) ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم(46/8) ان الله لايظلم الناس شيئا ولكن الناس انفسهم يظلمون((44/10)..
تناهي الي صوت اذان الفجر, لم استطع الذهاب, تحاملت علي نفسي, صليت في هذا المكان من الفندق, لم اغف اكثر من ساعة.. حملت الامتعة وجررت ساقي الي العربة, واتجهت في ظلام العربة الي المطار.
كانت الساعة تجاوزات الثامنة مساء, بدا الطريق الطويل مظلما بين مكة وجدة, ومع ذلك, راقبت الطريق بدت المرئيات قريبة مما شهدتها هنا قبل عامين.. اسماء المحلات الاجنبية تكتب الي جانب العربية, وبتنوع والوان كثيرة
اذكر في زيارة بعيدة للرياض انه كان ممنوعا ان تكتب اية لغة الي جانب العربية, ورويدا رويدا, اكتشفت في الزيارات التالية, انه لم يكتف باللغة الفارسية او اللغة الامهرية وانما وضعت اللغة الانجليزية جنبا الي جانب بجانب العبارات العربية في الميادين والشوارع العامة. كما لم اخطيء عدد من البنوك الاجنبية في الطريق, ولكن مالفت نظري اكثر هذه الرمز الامريكية التي تخترق هذه الضواحي, فاجدها خاصة في المحلات الضخمة وفي محطات البنزين, كما رايت اكثر من( ماكدونالد) ضخم في الجانب الايسر من الطريق
لم اسال نفسي كثيرا: هل هذا طبيعي اليوم, ام انه يترجم سيطرة الرموز الامريكية وهيمنة امبريالية الشر الجديدة المتغطرسة في عالمنا اليوم. انها شراسة القوة التي تهدد الآن بان تدمر العراق سيتم ان اجلا او عاجلا, والتي تؤكد عبر تصريح الكثير من المسئولين في المشرق والمغرب ان ثمة مساحة من الود او الخوف لا تنتهي تسمح للقوي الامريكية الآتية لتدمير عاصمة الخلافة العباسية- بغداد-
** حين وقفت العربة امام مطار جدة, شغلت بالام ساقي, والاحمال الثقيلة, عن اشياء كثيرة اخري..وعدت الي القاهرة
|
|
|
|
|
|