|
|
 |
تعرضت الزوجة لكل صنوف المهانة في حياتها لفقدانها زوجها في الحرب التوسعية. التي يقودها القيصر الصيني, ومع يقينها أن زوجها قد مات في تلك الحرب, إلا أنها رفضت ثبات هذه العلاقة بينها وبين المهانة, فراحت تحت تأثير انهيار عالمها, وبمراس وادراك ذاتيين, تبحث عن التحرر من ثبات علاقتها بنوعية حياة لاتتوافر فيها المتطلبات الحيوية الانسانية, إلا بتخليها عن شرفها وقيمها, حيث تغدو سلعة للمساومة والتداول بين الرجال, مخذولة أمام نفسها, تدفع الي السقوط دف الغصب وتعدي الحدود, تحت ضغوط سيادة سلطان المهانة التي تغطي مساحة حياتها لغياب عائلها الوحيد, وقصور تحكمها, وقصور تصرفها, لكنها أمام مسئوليتها تجاه نفسها, تلك المسئولية المقترنة بالخوف من السقوط, رفضت ان تتورط في إقامة علاقة انتظار مع الحياة المهينة, أملا فيما قد يأتي أو تلقاه يوما, فيحررها من تلك المهانة, إذ أدركت أنها إن فعلت ذلك, فساعتها ستكون قد فتحت الباب امام فعل الانتظارليعتقلها في دائرة المهانة الأبدية, وترغم عندئذ علي الاستسلام, ويصبح الاتجار بجسدها هو بضاعتها ورأسمالها كي تعيش, ومن دون خيار, وذلك لثبات مسلسل الاسباب المتناسلة في شكل دائرة, يحرك مركزها ذلك القيصر الذي يدفع الرجال الي الموت بلا سبب سوي إرضاء الذات, ثم تتواثب من بعد ذلك المحن بجموح, فتتفكك حياة الناس وتنهار, لذلك اختارت الزوجة عندما انهار عالمها, ان تخرج لتواجه ذلك القيصر, من كان سببا في مهانتها حين أضاع في الحرب زوجها وعائلها الوحيد ثمنا لمجده الذي يتنفسه وحده, بما ينعم به من مباهج الحياة, متربعا فوق السور الضخم في ظل حراسه, حفظة بقاء ذلك السور الرهيب, الذي يعني وجوده ـ علي الحقيقة ـ ترسانة القوة المتعالية علي قدرات اهل البلاد, كما يعني وجوده ـ علي المجاز ـ استمرار فعل الانتهاك للحياة, واستطراد وثبات محن العيش للناس, لكن المدهش في أمر تلك الزوجة انها عند مواجهتها للسور الرهيب, الذي يتربع فوقه القيصر, طلبت المحال المتمثل في استعادة زوجها الذي غاب, برغم يقينها انه مات, وايضا برغم تاريخها معه الذي ذاقت فيه كل المرارات. ربما يكون طلبها للمحال تجسيدا لارادة لاتلين تسعي الي استرداد حقها في حياة ارتضتها, وتراها كافية وفقا لمعاييرها, إذ لم يتسع بعد وعيها لجدل المقارنات واستيعاب معني جدارة الاستحقاق, فمعني الحياة لديها قد اختزل في ذلك النموذج الذي خبرته وارتضته. ولان ادراكها ذو طابع ثبوتي, فانه لم يستطع ان يغذيها بأحلام وتصورات وتطلعات تتجاوز ماعاشته, إذ يقال إن الانسان لو لازمه في حياته ـ بشكل دائم ـ الاحساس بالحاجة, فانه يصاحب ذلك الاحساس فعل تقييم للذات, يرسخ اعتبارها مرصودة للافتقار والحاجة طيلة الحياة, وينفي عنها معني جدارة الاستحقاق لما هو افضل, مهما كانت حدة ما في وجوده من نقصان, والاخطر انه لايسعي إلي تجاوز هذا النقصان, ويعزز لديه الرضا الطوعي لتقبل هذا النقصان, مدي قدرة هذه الحياة المنقوصة علي الحفاظ علي الحد الادني من العيش بلا إضرار أو انكسار أو انهيار لمنظومة القيم التي يعتنقها, وتلك هي حال هذه الزوجة, فحياتها المنقوصة مع ذلك الزوج الخائن الكسول كانت ـ بالاساس ـ تحقق لها حماية نفسها وقيمها, بما يوفره لها من الحقوق الدنيا, بل كان وسيلتها الناجعة, وعندما انفلت عنها بغيابه كشف غطاء حمايتها, وتركها فريسة لمن يطلبون اللقاءات العابرة ويدفعون ثمنها, فنراها تصرخ في وجه الحراس سوف اخونه, أنا امرأة تعرف فضائل الاسرة وواجبات الزوجة, ولكن اذا لم يرجع الي فسوف اخونه. مأزقها ـ إذن ـ لن يحله إلا استعادة زوجها, فهي لم تبح للحراس بموته, وعندما حاولوا إنهاء تنازعها معهم بقولهم إنه ربما يكون قد سقط في المعركة, علي الفور صدرت اليهم اليقين بعدم موته استنادا الي قوته ووفرة صحته اذ ادركت انها سوف تخسر قضيتها أمامهم, وتنهزم حال ان تقتنع بموته, فأنهت معهم بمنطقها كل حسابات الاحتمالات بموته, وعندما حاول الحراس مناداته باسمه الذي اسمته به لهم, أيقنت أن ذلك سينسف رهانها, ويعري السر المحتجب, فأعلنت ـ علي الفور ـ عن اقتدارها هي نفسها علي التعرف إلي زوجها بدون التباس, أيا ماكان موقعه, وذلك كان فخها الذي نصبته حتي لاينغلق طريقها, ولا يحذف من أمامها المستقبل, ولا تتقوض قيمها لتعبر مرحلة المهانة حين تتمكن من أن تستبدل بالاصل آخر, فأبلغها الحراس أن القيصر قد من عليها بشرط خلاصها, إن استطاعت, وهي أسفل السور, التعرف إلي زوجها من بين الوجوه المحتجبة بالخوذات للجنود الذين يسيرون أعلي السور الرهيب, فلحظتها سيرجع معها زوجها بلا حظر أو منع. واستهوي الأمر الحراس, فصنعوا من مأساتها فرجة ولعبة تسلية, قاموا بالمشاركة فيها بالمراوغة والتمثيل والسخرية بها كي يستمتع قيصرهم بالمشاهدة, لكن الزوجة عرفت كيف تستدير وترفع النظر, ولم تقصها التحذيرات المتوالية من الحراس عن الإبحار في موج مغامراتها, ولا حتي شرط التحدي الذي أعلنوه, من أن القيصر يطل عليهم من عليائه, مطالبا بضرورة أن تتوافر قرائن الاقناع والدلالات علي أنها والجندي الذي ستتعرف إليه, هما ـ علي الحقيقة ـ الزوجان الشرعيان, وإذا ما تبينت لهم شبهة زيف أو خديعة, فعلي الفور سيقتل الجندي, وستطارد هي. لم تأبه الزوجة, وأقحمت نفسها في المجهول, فالذي يحركها ضميرها يدفعها إلي مغالبة التهديدات كلها لتصون وتحمي نفسها من المهانة المؤكدة. ولانها ليست الوحيدة في هذا العالم التي تحاول سد فراغ المعني لحياتها, تداخلت وانعطفت علي مسارها محاولة اخري مشابهة لها, محاولة لجندي يسعي إلي الخلاص من بشاعة عمله فوق السور الرهيب, فما أن أشارت إليه, ودعته بزوجها حتي أعلن لها علي الملأ أنه قادم إليها هابطا من أعلي السور, فالتقت الارادتان معا, للخلاص من وطأة القهر بممارسة فعل المغامرة الخطرة عبر منطق تركيب معقد لتجربتين انسانيتين, يتم تماسهما واحتكاكهما تحت المراقبة المسلحة, ويحكم كلا منهما وعي فردي, تثقله ممارسات اجتماعية وفردية وسلوكيات وأفكار وخبرات وانفصالات والتواءات متعددة المصادر والمقاصد, لايمكن لأي منهما الاحاطة بها أو استيعابها في لحظات. صحيح ان المطرقة التي انهالت علي حياتهما فاعلها واحد, هو قهر القيصر, وصحيح ايضا ان مقصدهما الخلاص من القهر والمهانة, لكن خطر التبسيط للموقف امر غير واقعي, فكل منهما سيعاني لحظات التأرجح بين شخصيته ورؤيته للعالم, وبين تلك الوقائع المفاجئة والطارئة. لقد أقدم كل منهما علي المغامرة بريبة وشك من التواءات التواصل, وخوف من سلطة المراقبة ان تتبين مساحة وحقيقة المباعدة المزدوجة بينهما, فالزوجة ناجت نفسها كم أخاف علي نفسي من الرماح ومن القيصر, فأنا لا أعرف هذا الرجل الذي يهبط إلي من السور ولم أره, لكن مادام زوجي الشرعي لم يظهر إلي الآن فلن يرجع مطلقا, ولهذا صممت أن أخذ هذا الرجل, ومادام قد جاء إلي بإرادته, فعلي أن أتشجع وأخاطر بآداء هذه اللعبة الخطرة. لقد أخذ القيصر مني رجلا, ولابد ان يعيد إلي رجلا آخر. أما الجندي المتمرد الذي انخرط فجأة في دائرة الزوجة, فهو المرشح للانكماش, أي مرشح للملاءمة لينفي المباعدة, والملاءمة تعني ان يصير ماكان غريبا عنه, خاصا به فهو المنادي من الزوجة, وهو ايضا الشخص المزدوج, وعليه ان يستدرح أجوبة لا يتوقعها, لذا فقد ناجي نفسه أنا خائف علي نفسي, لأني لا أعرف المرأة التي تقف هناك. سوف يقتلونني إذا لاحظوا أنني لا أنتمي إليها ولا هي تنتمي الي. إن بشاعة الخدمة فوق السور هي التي تشجعني علي المغامرة باللعبة الخطرة. كلاهما يدرك ـ إذن ـ خطورة المغامرة, وجواب مأزهما هو الملاءمة. وبالفعل بدأت لعبة التمثيل بين الزوجة والجندي, تحت سلطة مراقبة الضابطين المسلحين لهما, كي يستوثقا من انهما الزوجان الشرعيان. ولأن الزوجة تمتلك تاريخا مع الزوج جاهزا, هو حصيلة حياتهما معا, علي الفور اخذت ـ بحتمية تذكارية ـ تستعرض وتستعيد وتفكك علاقتهما معا, عندئذ واجه الجندي صفات وملامح وخصائص تلتصق به تنفي هويته الحقيقية, وترسم له هوية اخري مخالفة ومغايرة فهو خائن, وكسول, وخامل, وجملة من الصفات شكلت لذاته تغييرا لحالتها وتشويها لها, واستتبع ذلك مستوي اخر من المباعدة ارتبط بشخصية الزوجة وتكوينها, فحياتها المشحونة بالعزلة في كوخها, وعدم تخالطها وانفتاحها مع البشر, حرمتها فرص الاكتساب والتحصيل والخبرة, واتساع مداركها وخيالها, وإحساسها بنشوة الوجود والمعرفة, فأصبح عالمها اضيق من ان يتسع لطموحات واحلام, سوي إشباع احتياجات المأكل والملبس والسكن كأسيرة لعالم العزلة والثبات والجمود, وربيبة المسافة والحد, وهي بذلك لاتنتمي إلي عالم الجندي الذي يخالط البشر من عمال وحرفيين وسماسرة وصرافين وعلماء وفقراء, ويسعي إلي أن يكون ذكيا حتي لايتلقي اللطمات علي أذنه, ومن هنا كان التناقض الذي يبقي متعذر الحل, لانه محكوم بالتوتر الذي يحاول ان يستأصل من عالمه معناه, إذ هي تتصوره ينتمي إلي تجربتها, فطول الوقت تمارس غزوه واختراقه وتستأصل وجوده فدمرت كل إمكانية للملاءمة, فصاح فيها أنت لاتحسين بشئ, تعيشين طول اليوم في كوخك ولا تشعرين بما يجري في العالم.. أما أنا.. أما أنا.. ألا تفهمين ما أقول؟ في الكوخ, في الكوخ, ليس لديك إلا في الكوخ, أربع خطوات للأمام, وأربع خطوات للوراء, والنافذة مغلقة علي الدوام, تبا لك أنت وكوخك. إزاء هذا التناقض المتجذر بين مشروعين للحياة يقصي كل منهما الآخر, أدرك الجندي زن الملاءمة هي الشرط المتعذر عبوره لاتمام مشروع هروبه, اذ تستنزل قطيعة تامة ومطلقة مع صلاحيته الحقيقية في علاقته بوجوده, وأن الشفيع الأكبر له ليس سوي الكشف عن أنه ليس هو ذلك الزوج الذي ادعته, ومن ثمت كان اعترافه أمام الضابطين المسلحين لست زوجك.. إنني لا اعرفك..لم أعرفك قط. وعلي الفور تمت مواجهته بتهمة الادعاء بأنه الزوج الشرعي للتهرب من الخدمة, غير ان الزوجة ظلت تؤكد علي ادعائها بأنه زوجها, مع ان الضابطين اخبراها ان زوجها الشرعي قد مات, وسلماها دليل موته, تلك التميمة التي أهدتها إليه يوم زفافها وكان يحملها في رقبته, لكنها أيضا مازالت تصر علي استعادة الجندي الذي يعد الزوج المزيف, وذلك تحت يقينها انه زوجها, ولابد أن تستكمل معه تمثيل حياتهما معا امام القيصر, وبعدها يذهبان معا الي كوخهما. وبالفعل يعاود الضابطان التمثيل معها حتي يختفي الجندي, ويفر منها فجأة من دون ان تدري, وتبقي من بعد وحيدة وحولها الضابطان, ومن فوق السور كل الجنود يضحكون ضحكات عالية, فقد كان الامر محض فرجة ولعبة تسلية, استمتع بها القيصر وانصرف. ثم ينهي الكاتب المسرحي الالماني المعاصر تانكريد دورست مسرحيته الرائعة خطبة الادانة الطويلة عند سور المدينة بمشهد تلك الزوجة وحيدة بعد أن عرفت أن القيصر قد انصرف, فتصرخ بخطبتها الطويلة في مواجهة السور الرهيب, والتي منها: إن كنت فشلت في حياتي, فمن المسئول؟ ماذا فعلت إذن؟ تعبت وشقيت لأكون امرأة صالحة وخيرة, فلم تكن النتيجة إلا الشر والفساد. أردت أن أعيش مع زوجي في أمان, تعب وشقي بقدر طاقته, أين ذهب الرجل إذن؟ لن يأتي زوجي.. لن يأتي, لقد مات, وأنت أيضا ذهبت أيها الجبان, أذهب إلي القتلة, فما أنت إلا واحد منهم.. لم لاتفسرون لي السبب في انتشار العفن الفظيع في العالم كله, وأنت إيها السور السميك العظيم القديم الغبي, سأظل ألطمك برأسي حتي تتهدم.. ما الذي يمنع أن أعيش مع الرجل أيها السور؟ لماذا أصبح الأمل كله عدما, والحنان عدما, والذكاء عدما, والحب عدما.. عدما.. أجبني عن سؤالي.
تري هل تجدي خطبة الادانة الطويلة في مواجهة سيادة التصرف, وسلطان السطوة. وسلطان البأس, وسلطان البطش, وهل ياتري سيستجيب القيصر, أو أن الأمر ـ كما أكد دورست في مسرحيته ـ لايكفي أن تكون شريفا, بل لابد ايضا ان تون كفئا طموحا يقظا قويا ذكيا مدركا فاعلا ندا حتي لاتصبح تسلية وتتلقي اللطمات, ومن دون ذلك يكون الأمر كما قال الجندي للزوجة بعد انتهائها من صراخها بخطبة الادانة الطويلة, بأنه لن يسمعك أحد. تري, أليس ذلك هو عري العالم وعاره؟. |
|
|
|
|
|