الكتاب

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

مجلس الأمن‏..‏وشبح الحرب
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

مثل أفلام الجريمة والمحاكمات الكبري‏,‏ تركزت أنظار المشاهدين في العالم هذا الأسبوع علي جلسة مجلس الأمن التي ألقي فيها كل من كبير المفتشين الدوليين في العراق هانز بليكس ورئيس وكالة الطاقة النووية الدولية محمد البرادعي بيانه أمام ممثلي دول العالم الأعضاء بالمجلس‏,‏ ومثل أفلام المحاكمات بعد أن أدلي بليكس والبرادعي كل بشهادته تبعهما ممثلو الدفاع وممثلو الإدعاء‏,‏ وأخيرا سمعنا كلمة مندوب العراق محمد الدري‏,‏ ممثلا للمتهم في هذه القضية‏,‏ ولقد أجمعت آراء المعلقين في العالم علي أن تلك الجلسة الأخيرة كانت من أهم الجلسات التي عقدها مجلس الأمن في تاريخه‏,‏ كما كانت بالتأكيد أكثر جلسة شاهدتها الجماهير في العالم‏,‏ بعد أن نقلتها معظم محطات التليفزيون العالمية علي الهواء مباشرة‏,‏ فكيف أثرت هذه الجلسة في سير القضية؟
لقد جسدت جلسة مجلس الأمن الأخيرة ـ أكثر من أي شيء آخر ـ عزلة الادعاء في هذه القضية والذي تمثله الولايات المتحدة والقليل من حلفائها الذين تمثلوا في جلسة مجلس الأمن في بريطانيا وأسبانيا في مقابل الدفاع الذي مثله كل من فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وسوريا وبقية من تحدثوا في الجلسة‏.‏

ومن هذا المنطلق‏,‏ فإن واحدة من أهم الكلمات التي ألقيت في الجلسة كانت كلمة وزير خارجية فرنسا دومنيك دو فيلبان والتي حصلت ـ هي وكلمة روسيا ـ علي تصفيق حاد من الحضور‏,‏ رغم ما تقضي به لوائح المجلس بعدم جواز التصفيق خلال جلسات المجلس‏,‏ وقد اضطر رئيس المجلس الحالي وزير خارجية ألمانيا يوشكا فيشر إلي تذكير الحضور باللائحة‏.‏
وإذا كانت كلمة إيجور إيفانوف وزير خارجية روسيا قد أعقبها تصفيق الحضور هي الأخري‏,‏ فذلك لأنه اختتمها بإشارة طريفة إلي أن جلسة المجلس تعقد يوم فالنتاين أي عيد الحب‏,‏ حين يعبر كل إنسان عن حبه للآخر‏,‏ وقال إيفانوف ما معناه‏:‏ فلنتخذ من ذلك قدوة بدلا من أن نشن الحرب‏,‏ ولو لم يكن إيفانوف قد أشار إلي عيد الحب في كلمته داخل هذا المحفل السياسي لما حصل علي تصفيق‏,‏ ذلك أن كلمته كانت تعبيرا مباشرا عن الموقف السوفيتي من القضية الذي يري أنه من الأفضل حل قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق سلميا‏,‏ لكنه يترك الباب مفتوحا لتغيير موقفه بما يساير الموقف الأمريكي إذا اقتضي الأمر‏,‏ لذلك فلم تكن كلمة المندوب الروسي حاسمة في رفضها للحرب كما كانت كلمات بعض الدول الأخري‏.‏

ولا شك أن الموقف الروسي لا ينفصل عن الوضع في الشيشان أكثر‏,‏ وهو يعبر عن الوضع هناك أكثر مما يعبر عن الموقف من العراق‏,‏ فالحرب الشرسة التي تشنها روسيا في الوقت الحالي ضد المسلمين الشيشان‏,‏ لا تلقي الكثير من التأييد الدولي‏,‏ وقد كانت موضع انتقاد من الولايات المتحدة بالذات ومنظمات حقوق الإنسان في العالم قبيل الحرب في أفغانستان‏,‏ والدعوة لشن حرب مماثلة في العراق‏,‏ لكن بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ في الولايات المتحدة وإعلان إدارة بوش الحرب علي الإرهاب في مختلف أنحاء العالم‏,‏ فقد صنفت روسيا حربها في الشيشان علي أنها جزء من الحرب الدولية ضد الإرهاب‏,‏ والتي تقودها الولايات المتحدة‏,‏ وهو ما نلاحظ أنه نفس ما فعلته إسرائيل بادعائها أنها تحارب الإرهاب ووصفها للمقاومة المسلحة الفلسطينية بأنها عمليات إرهابية‏.‏
ولم يكن من الصعب علي روسيا تبني موقف محاربة الإرهاب أمام العالم‏,‏ خاصة بعد أن خرجت المقاومة المسلحة لمسلمي الشيشان من أراضيهم التي تحتلها القوات الروسية في الوقت الحالي إلي قلب العاصمة الروسية موسكو بالحادثة الدموية التي وقعت في العام الماضي بأحد المسارح وراح ضحيتها العشرات من المدنيين‏,‏ ومثلما يحدث بالعمليات الاستشهادية الفلسطينية التي انتقلت هي الأخري من الأراضي المحتلة إلي قلب المدن الإسرائيلية‏.‏

ولقد لاحظنا أنه نتيجة لهذه الصفقة غير الرسمية بين روسيا والولايات المتحدة أن واشنطن قد كفت لمدة أكثر من سنة الآن عن انتقاد الحرب الروسية في الشيشان‏.‏
لكن علي الجانب الآخر فإن الموقف الأصلي الروسي يقف إلي جانب العراق في أزمته الحالية لعدة أسباب لا تقتصر فقط علي علاقات التعاون التاريخية بين البلدين‏,‏ وإنما أيضا لمصالح روسيا المباشرة في العراق ولرفضها أن تستأثر الولايات المتحدة بالقرار الدولي من الناحية السياسية وبالبترول العراقي من الناحية الاقتصادية‏.‏

لذلك فقد جاءت كلمة روسيا في جلسة الأمن يوم الجمعة الماضي رافضة خيار الحرب في الوقت الحالي ومؤيدة استمرار المفتشين الدوليين في أداء عملهم‏,‏ لكنها في الوقت نفسه تركت الباب مفتوحا لتغيير هذا الموقف‏,‏ وهي إشارة موجهة في الأساس إلي الولايات المتحدة وليس للمجتمع الدولي‏.‏
أما كلمة دومنيك دو فيلبان فقد كانت علي العكس من ذلك هي المعبر الأول عن الرأي السائد داخل المجلس‏,‏ ومن ثم عن الضمير العالمي‏,‏ في رفضها القاطع لمبدأ الحرب‏,‏ فكانت هي الممثل الأول للدفاع في مواجهة الادعاء الأمريكي‏,‏ ولقد جاء خطاب دو فيلبان ـ الذي كان معدا سلفا ـ في كلمات رشيقة تليق بخلفيته الأدبية كشاعر صدرت له عدة دواوين شعرية قبل أن يصبح وزيرا للخارجية‏,‏ وبأسلوب بليغ يذكرنا بخطابات شارل ديجول والأدبيات الوطنية الفرنسية‏,‏ وهو ما جعل قاعة مجلس الأمن تنفجر بالتصفيق بمجرد انتهائه من كلمته في سابقة لم تتكرر كثيرا في تاريخ المجلس‏,‏ وقد كان هذا التصفيق هو الذي مهد للتصفيق الذي تلي الكلمة الروسية تعليقا علي الدعابة التي أنهي بها إيفانوف كلمته‏,‏ وقد فهم رئيس الجلسة ذلك جيدا فالتقط خيط هذه الدعابة وهو يذكر الحضور بضرورة الالتزام بلائحة المجلس التي لا تجيز التصفيق‏,‏ حيث أضاف‏:‏ خاصة في عيد الحب‏!.‏

أما من حيث المضمون فقد جاءت كلمة دو فيلبان كأقوي رد حتي الآن علي المزاعم الأمريكية ابتداء من الادعاء بوجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة‏,‏ الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكية كولين باول أمام المجلس في جلسة سابقة‏,‏ إلي استبعاد الموقف الفرنسي ـ الألماني المعارض للحرب باعتباره ممثلا لأوروبا القديمة‏,‏ كما قال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع‏,‏ وفي ذلك فقد سمي وزير الخارجية الفرنسية الأشياء بأسمائها‏,‏ فلم يقل مثلا إن البعض يقول كذا أو كذا‏,‏ وإنما قال صراحة‏:‏ لقد قال وزير الخارجية الأمريكية كولين باول في كلمته أمام المجلس في جلسته الأخيرة إن هناك علاقة بين العراق والقاعدة‏,‏ لكن ليس هناك أي معلومات استخباراتية تشير إلي ذلك‏.‏
أما أوروبا القديمة فذلك هو التعبير الذي ذاع بعد أن استخدمه وزير الدفاع الأمريكي في انتقاده للموقف الأوروبي الرافض للحرب‏,‏ ولقد رد عليه يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا أثناء الزيارة التي قام بها رامسفيلد إلي ألمانيا في الأسبوع الماضي‏,‏ حيث قال في المؤتمر الصحفي المشترك بين الوزيرين‏:‏ قد تكون أوروبا قديمة‏..‏ لكنها أيضا حكيمة‏!.‏

أما دومنيك دو فيلبان فقد حول هذا التعبير إلي مصلحة أوروبا قائلا إن أوروبا بالفعل قارة قديمة‏,‏ لذلك فهي تعرف ويلات الحروب أكثر من غيرها‏,‏ مشيرا بذلك إلي التاريخ الحديث نسبيا للولايات المتحدة‏,‏ والذي يجعلها غير ذات خبرة في هذه الأمور‏,‏ وقد فتح وزير الخارجية الفرنسية بذلك بابا للتعليق علي تلك المقولة‏,‏ فبدأت كلمة وزير الخارجية البريطنية جاك سترو بعده بقوله‏:‏ أنا أيضا أنتمي لدولة قديمة أقامها الفرنسيون‏,‏ كما وجد وزير الخارجية الأمريكية كولين باول لزاما عليه بعد ذلك أن يرد علي تلك التعليقات المتتالية‏,‏ فقال ما معناه‏:‏ قد تكون الولايات المتحدة ذات تاريخ حديث نسبيا‏,‏ لكننا أقدم دولة ديمقراطية‏,‏ والديمقراطية هي التي تجعلنا نرفض أسلحة الدمار الشامل التي تهدد الأمن والسلام الدوليين‏.‏
كذلك لم يكن من الممكن لكولين باول أن يتجاهل قول دو فيلبان إنه ليس هناك ما يشير إلي وجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة‏,‏ فقد كانت هذه هي مقولته هو شخصيا وليست مقولة رامسفيلد‏,‏ وإذا كان قد رد علي التعليقات الساخرة التي أطلقت علي مقولة رامسفيلد‏,‏ فقد كان من المحتم ألا يترك ما قيل عن مقولته هو شخصيا بلا رد‏,‏ وهكذا قال باول في كلمته إن المعلومات مازالت تتوارد عن هذه العلاقة‏,‏ وإنه سيطلع المجلس علي المزيد منها حين تتكامل‏,‏ فبدا وكأنه يتحدث عن معلومات جديدة لا يعلمها أحد بعد‏.‏

أما ما لم يرد عليه باول في كلمته فهو ما جاء علي لسان هانز بليكس شخصيا حول الموقع السري الذي قدمه باول في حديثه السابق لمجلس الأمن عن أدلة الاتهام الأمريكية ضد العراق‏,‏ وعرض له صورا سرية التقطتها الأقمار الأمريكية قائلا إنه مستودع لأسلحة الدمار العراقية‏,‏ فقد علق بليكس علي ذلك بشكل مباشر قائلا‏:‏ إن هذا الموقع معروف للمفتشين الدوليين وإنه لا تنطبق عليه الأوصاف التي قالها وزير الخارجية الأمريكية‏.‏
ويذكر لباول أن كلمته جاءت مرتجلة وبلا تحضير فكان لها نضارة التعليق المباشر علي الموقف‏,‏ وقد كان رده عمليا وواقعيا وإن سعي لتجميل الموقف الذي يمثله صقور الإدارة الأمريكية بسعيهم المحموم لغزو العراق‏,‏ وهو ما رد عليه المندوب الدائم للعراق بالأمم المتحدة محمد الدري حين قال إن الولايات المتحدة يحركها في هذا الأمر مصالح استعمارية‏.‏

وبعيدا عن الأطراف المباشرة للقضية‏,‏ فربما كانت أهم الكلمات في جلسة مجلس الأمن هي الكلمة السورية التي ألقاها نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية فاروق الشرع‏,‏ والتي كانت أولي الكلمات بعد تقديم بليكس والبرادعي لتقريرهما‏,‏ حيث أكد أولا أن قرار المجلس رقم‏1441‏ قد وافقت عليه سوريا بعد أن أكدت لها أطراف أخري وكان يقصد بذلك الولايات المتحدة وبريطانيا إنه لا يجيز شن الحرب ضد العراق‏,‏ وقد جاء وزير خارجية فرنسا في كلمته التالية مباشرة للكلمة السورية‏,‏ فأكد أن المجلس ليس بحاجة إلي قرار جديد‏,‏ وهكذا أغلق الباب تماما أمام الولايات المتحدة لشن الحرب وفق القرار‏1441‏ أو باستصدار قرار جديد يسمح بذلك‏.‏
علي أن أهم ما تميز به الخطاب السوري هو ما انفرد به من عقد مقارنة صارخة بين العراق وإسرائيل مذكرا المجتمع الدولي بأن إسرائيل تمتلك أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيماوية‏,‏ وأنها لم توقع علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كما فعلت الدول العربية‏,‏ وأنها بعكس العراق ترفض التفتيش الدولي‏.‏

أما كلمات كل من الصين وأسبانيا فلم تأت بأكثر مما كان متوقعا من كل منهما‏,‏ فقد أكدت الصين موقفها المؤيد لاستمرار المفتشين الدوليين في أداء مهمتهم‏,‏ بينما قدمت وزيرة الخارجية الأسبانية كلمة ضعيفة مؤيدة بشكل فاضح للموقف الأمريكي وهو ما سبق أن أعلنه رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا أثنار ضاربا بعرض الحائط رصيد العلاقات التاريخية بين أسبانيا والعالم العربي من ناحية‏,‏ ومن ناحية أخري موقف الرأي العام الأسباني الذي تشير آخر استطلاعات الرأي إلي أنه معارض للحرب بنسبة‏90%.‏
ولقد جاءت المحصلة النهائية للجلسة التي عقدها مجلس الأمن علي الهواء مباشرة وكأنها إحدي المحاكمات السينمائية مخيبة لآمال الادعاء‏,‏ ومؤكدة للموقف الدولي الرافض للحرب‏,‏ ولقد شاهدت عيني وزير الخارجية الأمريكية وهي تزداد ضيقا مع كل كلمة جديدة‏,‏ وأوداجه وهي تزداد انتفاخا حتي كادت تنفجر‏.‏

وإذا وجهنا سؤالا حول ما إذا كانت جلسة المحاكمة العلنية التي شاهدها العالم مساء يوم الجمعة الماضي قد قربتنا من الحرب أم أبعدتنا عنها‏,‏ فلا شك أن الجواب يكون إنها قد أبعدتنا عنها خاصة بعد أن جاء تقرير بليكس مؤكدا أن تقدما ملموسا قد حدث في عمل المفتشين الدوليين وفي التعاون الذي أبداه العراق في هذا الصدد‏,‏ في الوقت الذي أكد تقرير محمد البرادعي مجددا خلو العراق من الأسلحة النووية‏.‏
وإذا أضيف إلي التأثير الذي أحدثته هذه الجلسة سلسلة المظاهرات التي توالت في اليوم التالي مباشرة والتي خرج فيها الملايين في لندن وروما ونيويورك وغيرها من العواصم الدولية في أكبر مظاهرة علي مستوي العالم‏,‏ فإن شبح الحرب يكون قد ابتعد بشكل غير مسبوق منذ بدأت الأزمة‏..‏ فهل تستمع الولايات المتحدة إلي ذلك أم أنها ستمضي في الطريق وحدها‏,‏ سعيا لإنزال العقاب بنفسها‏..‏ وبعيدا عن ساحة المحكمة ليس كما يحدث في أفلام المحاكمات‏..‏ وإنما كما يحدث في أفلام رعاة البقر؟‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية