أثار الموقف الفرنسي في مجلس الأمن الدولي والرافض للاستخدام الفوري للقوة ضد العراق تساؤلات عديدة تتعلق بمستقبل العلاقات الأمريكية الفرنسية ومدي قدره فرنسا العملية علي درء شبح الحرب عن المنطقة خاصة وإنها دعمت رفضها هذا بالمطالبة بضرورة تقديم الدعم الكامل للمفتشين الدوليين لاستكمال عملهم في العراق. ولم يكن هذا الموقف هو الأول ولن يكون الأخير في تاريخ الرفض أو الاحتجاج الفرنسي علي بعض التوجهات الأمريكية فقد اعتادت فرنسا أن تتميز بمواقفها عن الولايات المتحدة منذ عهد الجنرال ديجول ولكنها في نفس الوقت لم تنجح في بناء بديل متكامل للسياسات الأمريكية فقد ظل' المشروع' الأمريكي مطروحا علي العالم كله وأمام دول المنطقة العربية وظل هناك معارضو هذا المشروع كالاتحاد السوفيتي السابق في مرحلة من المراحل وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا حاليا وبصور متفرقة وتبعا للقضية المطروحة.
وقد حافظت فرنسا منذ بدأ نزوعها الاستقلالي عقب تأسيس الجمهورية الخامسة عام1958 وإطلاق الجنرال ديجول لقطار الوحدة الأوربية علي انتمائها للتحالف الرأسمالي الغربي ولم تنضم إلي أي تكتل أو منظومة دولية من شأنها أن تواجه الولايات المتحدة فحافظت علي ارتباطاتها الغربية ولكن بصوت أكثر انفتاحا علي الجنوب وعلي بلدان الكتلة الاشتراكية حيث حرصت علي أن تتخذ كثيرا من المواقف الاستقلالية عن الولايات المتحدة كالخروج عام1966 من التشكيل العسكري لحلف الأطلنطيي ـ ثم عودتها عام1995 ـ ورفض إعطاء أسلحة لإسرائيل بعد حرب1967 ولكنها ظلت جميعها مواقف غير انقلابية' علي ساحة العلاقات الدولية وعلي مستوي العلاقات الأمريكية الفرنسية. هذه المواقف لم تعن إنها كانت غير ذات جدوي بل علي العكس كثيرا ما ساهمت في تخفيف حده الإحباط لدي الشعوب العربية من السياسات الأمريكية ولكنها لم تنجح في وضع مشروع مضاد للمشاريع الأمريكية سواء بالنسبة لملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو ملف الأزمة العراقية.
وقد جاء الخلاف الفرنسي ـ الأمريكي الأخير حول الحرب المحتملة في العراق ليعيد طرح مستقبل العلاقات بين البلدين من جديد فهو من ناحية جاء ليؤكد التراث الفرنسي السابق نحو الاستقلال عن بعض السياسات الأمريكية كما إنه من ناحية أخري جاء ليؤكد أن الأطروحة الفرنسية ظلت حتي الآن رد فعل علي الخطط الأمريكية وليست بديلة لها. ولعل الجديد في الرفض الفرنسي هو إنه مرشح في حال اكتماله أن يمثل ولأول مرة بداية تبلور' مشروع مضاد' للسياسة الأمريكية في العالم وأن ينتقل من حيز رد الفعل إلي الفعل خاصة وأن هذا الموقف جاء مدعوما من القوة الاقتصادية الأولي في أوروبا وهي ألمانيا بجانب8 بلدان أوربية تمثل جميعها الثقل الحقيقي في الاتحاد الأوربي.
وقد بدأت فرنسا وألمانيا وبلجيكا برفض المقترحات الأمريكية في حلف الأطلنطي بخصوص دعم الحلف لتركيا في حال تعرضها' للعدوان العراقي' في أول هزيمة للولايات المتحدة داخل الحلف ثم جاء بعد ذلك التحرك الفرنسي الألماني نحو روسيا التي أعلنت رفضها لاستخدام الولايات المتحدة القوة ضد العراق وعلي ضرورة إعطاء مزيد من الوقت للمفتشين الدوليين لإتمام عملهم في العراق. وعليه فقد جاءت كلمة وزير الخارجية الفرنسية في جلسة مجلس الأمن في الرابع عشر من هذا الشهر لتؤكد علي رفض فرنسي واضح لأي لجوء أمريكي تلقائي للقوة مع إعطاء مزيد من الوقت للمفتشين الدوليين لإتمام عملهم وقد تضامن مع فرنسا كل من روسيا والصين لتصبح هناك أغلبية رافضة للحرب وسط الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وفي الحقيقة فأن الرفض الفرنسي للعودة التلقائية للقوة يأتي منسجما مع مجمل تراث السياسة الخارجية الفرنسية تجاه المنطقة في كونها كانت تحاول أن تعدل من الجنوح الأمريكي لاستخدام القوة أو من الانحياز الأمريكي الأعمي لإسرائيل في اتجاه محاولة' تلطيف' السياسة الأمريكية وتخفيف حدتها دون القدرة علي امتلاك مشروع سياسي متكامل للمنطقة يمثل بديلا للمشاريع الأمريكية. وقد بدا المشروع الأمريكي للهيمنة علي الخليج العربي وكأنه المشروع الوحيد أمام المنطقة والعالم في ظل حالة الفراغ الهائل الذي تعيشه المنطقة العربية وهو ما جعل كل من هم خارج المشروع الأمريكي في أوربا في حالة تردد شديدة وهم يعارضون السياسات الأمريكية. فرغم أن هذه المعارضة تصب في النهاية لصالح الدفاع عن مصالح أوربا في كسر التفرد الأمريكي إلا أنها في النهاية تقف في صالح الدول العربية التي يراها الكثيرون في أوربا ـ وبصورة أسوأ في الولايات المتحدة ـ منطقة أشباح غير قادرة حتي علي الدفاع عن نفسها ومصالحها. هذا التصور الذي تردده بعض الدوائر الأوربية من شأنه أن يضعف الموقف الفرنسي الرافض للحرب حيث يأتي في الحقيقة متأثرا بالقراءات الأمريكية المتسرعة للمنطقة والتي عادة ما تنظر لها بشكل ساكن أو بالأحري وفق حسابات اللحظة وليس بخطوة إلي الوراء لفهم التاريخ وخطوة للأمام لاستشراف المستقبل القادر علي التغيير والدفاع عن الديمقراطية وسبل أفضل للعيش المشترك بين شعوب العالم.
ويمكن القول إنه منذ بداية العام الماضي قد حدث متغيرات علي قدر كبير من الأهمية يمكن أن يعززا من الدور الفرنسي ـ الأوربي في المنطقة: الأول يتعلق ببزوغ مشروع أوربي متكامل للمشاركة مع دول جنوب المتوسط العربية وصدقت عليه مصر مؤخرا بما يعني أنه لأول مرة صارت هناك علي أرض الواقع مشاريع أخري أكثر صلابة من المشاريع الأمريكية ونتاج للتفاعل بين دول شمال وجنوب المتوسط ليس فقط علي المستوي الاقتصادي إنما أيضا في المجال السياسي كما أنها لا تمثل املاءات كتلك التي تفرضها الإدارة الأمريكية علي المنطقة أو وصفات' سابقة التجهيز' علي الجميع طاعتها وإلا وضع في خانة الإرهاب. الثاني هو عدم قدرة الولايات المتحدة بعد11 سبتمبر علي تقديم مشاريع متكاملة لنهضة المنطقة ديمقراطيا واقتصاديا بل علي العكس فالولايات المتحدة ليس لديها الآن إلا مشاريع الانتقام وبث الكراهية والعنف بين الشعوب وهنا يمكن لمشروع فرنسي أوربي للمنطقة أن يجد منفذا له ويمكن له أن يساعد العالم العربي علي بناء نظم سياسية أكثر عدالة وديمقراطية.
ومن هنا فإن أي فيتو فرنسي محتمل في مجلس الأمن علي قرار الحرب الأمريكي سيعني ضمنا حدوث' انقلاب' تاريخي في سياسة فرنسا الخارجية القائمة علي محاولة' ترشيد' السياسات الأمريكية فوضع العدوان الأمريكي المحتمل علي العراق خارج إطار الشرعية الدولية سيعني في الحقيقة وضع كل النتائج المترتبة علي هذا العدوان خارج إطار الشرعية بما يفتح الباب واسعا أمام مقاومتها كما يجب علي فرنسا وألمانيا العمل علي تقديم أطروحة بديلة ونسق آخر للممارسة السياسية يؤثر ليس فقط في المنطقة العربية إنما أيضا في العالم بأسرة ليعطي أملا لشعوب الشمال والجنوب علي السواء أن هناك ضرورة في ألا يحمل المدافعين عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خراب الحرب والقتل والدمار. |