تقارير المراسلين

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

القمة الإفريقية الفرنسية رقم‏22‏ تعقد في مناخ عالمي وإقليمي متوتر
الشراكة الجديدة بين فرنسا وافريقيا وبداية عصر من العلاقات الوثيقة

رسالة باريس‏:‏ ليلي حافظ
شيراك
تعقد القمة الافريقية الفرنسية رقم‏22,‏ من‏19‏ وحتي‏21‏ فبراير الحالي‏,‏ التي تشهد مرور‏30‏ عاما علي بدء اللقاءات الدورية بينهما‏,‏ في وقت تجد فرنسا نفسها فيه أمام تحد مصيري سواء علي الساحة العالمية أو الأفريقية‏,‏ حيث يتصاعد التوتر علي الجبهتين‏,‏ بينما تواجه القارة الافريقية تحد خروجها من سنوات من التدهور الاقتصادي والديون والنزاعات المسلحة التي دمرت طاقاتها الانتاجية ومصادرها الأساسية‏.‏
فتأتي القمة الافريقية الفرنسية في وقت تدخل فيه فرنسا صرع قوة علي الساحة العالمية مع الولايات المتحدة‏,‏ حيث تعمل بالتعاون مع ألمانيا وانضمام روسيا والصين اليها علي منع الولايات المتحدة من تجاهل الشرعية الدولية المتمثلة في منظمة الأمم المتحدة‏,‏ في اتخاذ قرارات بشن الحرب‏,‏ حتي لا تكون سابقة خطيرة‏.‏

كما تأتي القمة في وقت تشهد فيه فرنسا مصداقيته الاقليمية في افريقيا في محل شك بعد أن فشل تنفيذ اتفاقية ماركوسيس لوقف الحرب الدائرة في الكوت ديفوار‏,‏ التي توصل اليها جميع الاطراف المتصارعة في الكوت ديفوار في شهر ديسمبر الماضي‏,‏ خلال المفاوضات التي دعت اليها فرنسا في ضاحية في جنوبي العاصمة باريس‏.‏ وهي المفاوضات التي استمرت عشرة أيام وصدر في نهايتها اتفاق صدق عليه‏11‏ زعيم دولة افريقية ورؤساء المنظمات الدولية والاقليمية‏.‏
وذلك في الوقت الذي تشهد فيه القارة الإفريقية تزايد الصراعات في أربع مناطق أساسية هي جمهورية وسط افريقيا‏,‏ والكونجو برازافيل‏,‏ والكوت ديفوار ومدغشقر‏.‏

لذلك فإن قمة افريقيا وفرنسا رقم‏22‏ تشكل أهمية خاصة لكل من فرنسا والقارة الافريقية إذ انها من ناحية فرنسا‏,‏ تؤكد عودة سياسة فرنسا الديجولية في افريقيا‏,‏ وهي السياسة التي وضعها زعيم الجمهورية الخامسة شارل ديجول‏,‏ منذ الخمسينات وبداية الستينات التي أكد فيها أهمية إفريقيا التي اعتبرها الفناء الخلفي لفرنسا‏,‏ وادرك أن عليه الاستجابة لنداء الشعوب الإفريقية للأستقلال والا سارت نحو الاستقلال بمفردها‏.‏ فطرح الرئيس الفرنسي شارل ديجول‏,‏ في ذلك الوقت في عام‏1958‏ علي الدول الإفريقية التي تطالب بالاستقلال‏,‏ الاختيار ما بين أن تنضم إلي المجتمع الفرنسي الإفريقي‏,‏ أو الانفصال‏,‏ ليصبح الانضمام إلي المنظمة الإفريقية الفرنسة بمحض اختيار الدول الإفريقية‏.‏ ونظمت العلاقات الإفريقية الفرنسة تحت شعار‏:‏ الاستقلال للجميع والتعاون مضمون داخل المؤسسة التي تحولت إلي كونفدرالية‏.‏
لذلك فمنذ أن استقلت الدول الإفريقية ظلت روابطها مع فرنسا وثيقة‏.‏ فمن ناحية أخري ظلت الدول الإفريقية المستقلة ترتبط بفرنسا في إطار تعاون كونفدرالي سياسي واقتصادي يسمح لها بالتطور والتقدم‏.‏

بدأت فرنسا وإفريقيا تنظمان لقاءاتهما في مؤتمرات قمة منذ عام‏1973,‏ عندما قرر الرئيسان ديوري وسنجور عقد اجتماعات إفريقية‏,‏ مع النية في دعوة الولايات المتحدة المشاركة فيها‏.‏ ولكن في اللقاءين الأولين اللذين عقدا في عامي‏1973‏ ثم‏1975‏ التقت عشر من الدول الإفريقية الفرانكفونية‏,‏ ثم في عام‏1976‏ تم دعوة عدة دول من المتحدثين البرتغالية للمشاركة كمراقبين‏,‏ فتحول اللقاء من قمة فرانكفونية إلي قمة إفريقية‏/‏ فرنسية‏,‏ وفي عام‏1981‏ تحولت رسميا إلي اسم مؤتمر رؤساء فرنسا وإفريقيا‏.‏
خلال الثمانينات بدأ يتزايد عدد الدول المشاركة في القمة‏,‏ ومع عام‏1989‏ تقرر أن تعقد القمة كل عامين مع الأخذ في الاعتبار قمة كل من الدول الاعضاء في منظمة الفرانكفونية وقمة الاتحاد الأوروبي وإفريقيا‏.‏ ومع الوقت اختفت صفة المراقب‏.‏ وخلال الفترة من عام‏1983‏ إلي‏1994‏ وصل عدد المشاركين من الدول الإفريقية إلي‏37‏ دولة‏.‏ ثم أعربت الدول الإفريقية في قمتها عام‏1996‏ عن رغبتها في توسيع دائرة المشاركة إلي سائر الدول الإفريقية‏,‏ لذلك ولأول مرة دعيت كافة الدول الإفريقية باستثناء ليبيا والسودان بسبب الحظر الدولي الذي فرضته الأمم المتحدة عليهما‏,‏ كما لم تدعي الصومال التي لم يعد فيها سلطة ممثلة‏.‏

وفي قمة‏1998‏ التقت الدول الإفريقية ودعت إلي القمة سكرتير عام الأمم المتحدة ورئيس منظمة الوحدة الإفريقية‏,‏ وأخيرا دعيت جميع الدول الإفريقية في القمة الأخيرة رقم‏21‏ التي عقدت في ياوندي في يناير عام‏2001,‏ باستثناء جزر القمر التي كانت قد فرضت منظمة الوحدة الإفريقية حظرا عليها‏,‏ وحضرت القمة في هذا العام‏52‏ دولة إفريقية بما فيهما الجزائر التي حضر القمة لأول مرة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه‏.‏
وعلي مدي السنوات الثلاثين الماضية تطورت القمم في تنظيمها‏,‏ فكانت كل قمة من الـ‏21‏ الماضية تحمل شعارا خاصا يعكس الوضع الدولي والاقليمي في ذلك الوقت‏,‏ ويسمح للدول المشاركة التحاور بشكل غير رسمي حول القضية المطروحة‏.‏ فعقدت أول قمة في عام‏1973‏ تحت عنوان‏:‏ الاصلاح والتعاون‏,‏ وفي عام‏1975‏ كان شعارها الحواربين الشمال والجنوب‏,‏ ثم التنمية وأزمة الطاقة‏,‏ وهكذا كانت القمة الافريقية الفرنسية دائما انعكاسا للقضايا الملحة في الفترة التي تعقد فيها‏,‏ إلا أن المسألة الاقتصادية كانت أكثر القضايا الملحة في معظم الأوقات‏,‏ سواء في مجالات التنمية أو استخدام الموارد الأساسية أو المساعدات الغذائية‏,‏ أو الديون‏,‏ وتأتي مسألة الأمن والصراعات الاقليمية‏,‏ أيضا من القضايا الملحة في أغلب المؤتمرات‏,‏ ومنذ عام‏1990‏ بدأت الدول الافريقية تتحدث عن التحديات التي تواجهها‏,‏ وضرورة التضامن‏(1992‏ و‏1994),‏ ثم تحول الحوار في عام‏1996‏ إلي مناقشة مسائل التنمية والحكم الرشيد‏,‏ وفي عام‏2001‏ بحثت افريقيا مسألة التحديات التي تواجهها في زمن العولمة‏.‏ وأخيرا تأتي قمة‏2003‏ لتبحث الشراكة بين فرنسا وإفريقيا‏.‏
موجابى
في العام الحالي تستضيف فرنسا القمة الفرنسية الإفريقية رقم‏22,‏ التي دعت اليها جميع الدول الافريقية باستثناء الصومال‏.‏ ولقد أدت دعوة فرنسا للرئيس موجابي رئيس زيمبابوي‏,‏ إحتجاج بريطانيا بسبب الحظر الدولي المفروض عليه‏,‏ ولكن فرنسا قررت دعوته علي اساس أن الحظر لم تفرضه الدول الافريقية المجاورة له‏.‏ وتعقد القمة تحت شعار‏:‏ فرنسا‏/‏ إفريقيا‏..‏ معا في الشراكة الجديدة‏.‏
ففي ظل الحكومة اليمينية الفرنسية الجديدة‏,‏ التي تشكلت بعد فوز حزب الرئيس جاك شيراك في الانتخابات الفرنسية في أبريل ومايو الماضيين‏,‏ وتخلص شيراك من عوائق التعايش مع الحكومة الاشتراكية‏,‏ بدأ وزير خارجيته دومينيك دي فيلبان يظهر إهتماما خاصا بإفريقيا التي يعرفها جيدا‏,‏ فزارها عدة مرات‏,‏ خاصة إلي الكوت ديفوار التي شهدت في الشهور الأخيرة توترا عسكريا دمويا من شأنه ان يتفجر مرة أخري‏.‏ ولكن شيراك هو اليوم في اشد الحاجة لكي يثبت قوة فنائه الخلفي في وقت يشهد فيه أكبر تحدياته علي الساحة الدولية‏.‏

وكان الشعار الذي يرافق دي فيلبان في زياراته الإفريقية هو‏:‏ إن سياسة فرنسا الخارجية لن تكون قوية إلا إذا كانت موحدة ومتناسقة وحديثة‏.‏ وأكد سياسات محددة أساسها التعاون والفرانكفونية والاصلاح‏.‏ وقال دي فيلبان‏:‏ يجب ان يكون لدينا الطموح لأن نؤسس نظاما عالميا جديدا علي أساس ثلاثة مباديء إضافية‏:‏ المسئولية الجماعية‏,‏ والشرعية والفاعلية‏.‏ وكانت تلك هي المباديء التي اعتنقتها الخارجية الفرنسية في الفترة الرئاسية الحالية‏.‏
وهكذا تعود فرنسا تحت حكم شيراك‏,‏ الديجولي‏,‏ إلي سياسة ديجول المؤسسة‏,‏ وهي التعاون مع افريقيا في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية‏,‏ ولكن بدون ان تنحاز إلي جانب دون جانب‏,‏ ودون أن تجد نفسها متورطة داخل شباك المشاكل الداخلية‏.‏

فخلال السنة الماضية‏,‏ ومنذ أن بدأت الدول الإفريقية تدرك أهمية أن تتحمل مسئولية التنمية في إفريقيا‏,‏ وتبادر في الأخذ علي عاتقها تنمية نفسها ووضع أسس الحكم الرشيد الذي يقوم علي إحترام حقوق الانسان والشفافية في إدارة الاقتصاد‏,‏ دعت فرنسا الدول الإفريقية الاعضاء في منظمة الشراكة الجديدة من أجل التنمية الاقتصادية الإفريقية‏,‏ وهي المنظمة المعروفة بإسم نيباد لكي تطرح تلك الدول الخطط التي وضعتها من أجل تنميتها وطرحها علي مؤتمر الثماني الكبار لدعمها‏.‏ وسوف تعود تلك الخطط والمبادرات علي رأس قائمة الموضوعات المطروحة للبحث في قمة فبراير الحالية‏,‏ فقال بيير أندريه ويلتزر‏,‏ وزير الدولة لشئون التعاون والفرانكفونية‏,‏ أن قمة باريس الحالية سوف تناقش سبل الوقاية وحل النزاعات كما ستناقش حماية وتنمية المصادر الطبيعية‏,‏ خاصة المياه والزراعة ومسألة الهجرة من القري‏,‏ كما ستبحث المشاكل الخاصة بالصحة والتعليم‏.‏
ومن بين الموضوعات المطروحة للمناقشة أيضا مسألة تقوية المنظمات الاقليمية‏,‏ والقدرات الافريقية للحافظ علي السلام الافريقي‏.‏ كما ستكون فرصة لفرنسا لطرح وجهة نظرها علي الدول الإفريقية‏,‏ والسماع لوجهات نظرهم في تلك القضايا الملحة‏.‏ إذ أكد مصدر مطلع في الحكومة الفرنسية أن الشراكة بين فرنسا والدول الإفريقية تقوم علي تلك النقطة بالذات‏,‏ وهو تبادل وجهات النظر في القضايا المطروحة‏,‏ وحيث كل جانب يتحمل مسئولياته فيها‏.‏

وأكد ويلتزر من جانبه‏,‏ أن كافة الدول الإفريقية أدركت مخاطر التهميش التي تهدد القارة الإفريقية حاليا‏,‏ ولذلك اوضح الوزير أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك‏,‏ الذي سيرأس القمة رقم‏22,‏ قرر زيادة المساعدات العامة من أجل تنمية إفريقيا‏,‏ وجعل القارة الإفريقية في مركز الاولويات للحكومة اليمينية الحالية‏.‏
لذلك فإن قمة باريس‏2003‏ ستكون البداية لسلسلة من المؤتمرات التي ستعقد خلال العام الحالي لبحث مشاكل القارة قبل قمة الثمانية الكبار في إيفيان بفرنسا‏.‏ ومن أهم تلك المؤتمرات لقاء لشبونه في أبريل المقبل بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية