|
|
عنوان هذا المقال لا أعني به مطلع القصيدة التي غنتها أم كلثوم في آخر أفلامها فاطمة.. بل أسلوب حياتها ذاته!!.. وكذا منهج شخصية أروع ملحنيها زكريا أحمد.. واللذان اختارهما الله الي جواره خلال شهر فبراير.. وإن تفاوتت السنون.3 و15 فبراير1961,1975, علي التوالي. حقا!! البدائع التي أخرجها لنا زكريا أحمد وأم كلثوم لن يجود بها الزمن أبدا.. إنها عيون الطرب العربي الأصيل.. والتي لم تكن تزيد مدتها حتي في الحفلات علي الساعة بحال ـ رغم قدرة وقوة صوت أم كلثوم ـ من فرط فحولة أنغامها وخصوبة مقامها. وتمثل الأدوار فيها ـ أدسم الوجبات علي مائدة الفن المصري ـ القدح المعلي!!.. ومنها ما بقي شهيرا جهيزا رغم انقضاء اكثر من ستين سنة علي ظهوره مثل إمتي الهوي ييجي سوا, وهو ده يخلص من الله, أما الأغنيات الخفيفة ـ فما فتئت تحلق وتخفق في أسماعنا وجداننا كزجاجات عطر معتقة.. مازالت محتفظة بثمالاتها!!.. تأملوا كلمات مونولوج شجاني نوحي ولعله لأحمد رامي ثم إبحثوا ن إسطوانته ليشنفكم لحنه العمر فات.. في أمل وخيال.. والقلب مات.. من كتر ما مال.. وفضلت بعد الملل.. عندي أمل.. في الأمل!!, علي أن قدرا وافرا من هاتيك الأعمال الشامخة الباذخة لم تدركها أجهزة التسجيلات مع أن أم كلثوم غنتها في حفلات الإذاعة الشهرية منها كل الأحبة اثنين اثنين.. الخ ودعنا من القصيدة الفريدة زهر الربيع التي شدتها في حفل توقيع ملوك ورؤساء العرب لميثاق الجامعة العربية.. وسجلت واذيعت مرارا.. إلي أن إختفي شريطها في ظروف غريبة مريبة!!.
كان هذان العملاقان منذورين لحب مصر والانتماء إليها..!! لم يكفهما ما قدماه لها من عطاء بسخاء.. وأبيا إلا أن يكونا تجسيدا للمصري العريق الذي يري في المذلة ـ علي حد قول الإمام الشافعي ـ كفرا!!.. فلم ينسهما الإعتداد بكرامتيهما ما دعت إليه مهنتهما أحيانا من مجالسة الكاس ومؤانسة الطاس.. ولا ما أملته مقتضيات الذيوع والإنتشار من مغازلة الفن الجارح ردحا من الزمن كمثل الخلاعة والدلاعة مذهبي!! لأم كلثوم.. وألحان ماجنة لزكريا أشهرها إرخي الستارة اللي فريحنا لمنيرة المهدية.. وغيره مما صادرته الرقابة!!. أصون كرامتي.. قالتها أم كلثوم بعد أيام من قيام حركة23 يوليو1952.. لقد كانت ملكية الهوي والهوية حتي النخاع!.. أنشدت لفاروق في ميلاده.. وفي مساندة حكمه الملك بين يديك في إقباله.. يفديك نصرانية بصليبه.. والمنتمي لمحمد بهلاله!!.. وفي سهراته وما زلنا نستمتع بتسجيل ياليلة العيد أنستينا الذي حمل إهداؤه لها نيشان الكمال ولم يحزه قبلها غير هدي شعراوي وأم المصريين!!, لهذا لم تعدم ضابطا وقف في محفل يشهر بها.. فما كان منها إلا أن اتصلت باحد الضباط كانت تعرفه سلفا ـ شفيق أبو عوف ـ وأنهت إليه قرارها إعتزال الغناء.. وما إن طير النبأ الي مجلس قيادة الثورة حتي خف عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم إلي منزلها.. ولم يغادروه قبل استرضائها!!.
أما زكريا فرغم تواضع حاله.. حيث ظل طيلة حياته يسكن شقة فوق سطح منزل عتيق بالفجالة.. فإنه كان يستشعر الكرامة بنفس السهولة التي يتنفس بها.. حتي ابنته الكبري سماها كرامة!! فلما أحس بأن أم كلثوم بخست قدره برفضها لحنه لمونولج القلب يعشق كل جميل وبحذفها غصنا( كوبليه) من أهل الهوي ياليل ـ والتسيجلان كاملان بصوته في مكتبتي الفنية ـ أطلق لسانه بكل ما هو لاذع لاسع!! ولم يبال أن تحيل حياته حصيدا.. وكان ان إشتجرا ثم تداعيا أمام القضاء عقدا زمنيا.. كان الخاسر الحقيقي ملايين من جمهورهما الي أن قيض الله لهما أحد أسلافنا الصالحين ـ المستشار عبد الغفار حسني ـ فنقل الي كل منهما في غرفة المداولة ما يكنه الآخر من تعظيم وتكريم.. فإذ الذنوب تذوب من حرارة القلوب!! لتختفي مشاكلهما المالية في هنية... وليتعاهدا علي مواصلة المسيرة... إنما الأجل لم يهمل زكريا لغير أغنية هوا صحيح الهوي غلاب الذي صاغها من مقام الصبا الحزين حدادا علي حقبة من عمرهما ضاعت.. ثمنا للكرامة!!. سبحانك وانت القادر فوق عبادك ـ بحق هذا الدعاء العريض ـ احفظ علينا كرامتنا وكبرياءنا علي أهل الكبر فهي كما وصفها نبيك... صدقة!!..... وطيب ثري الشاعر الراحل القائل:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانا بها كانت علي الناس أهونا!! |
|
|
|
|
|