قضايا و اراء

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

أصون‏....‏ كرامتي‏!!‏
بقلم : المستشار الدكتور علي فاضل حسن

عنوان هذا المقال لا أعني به مطلع القصيدة التي غنتها أم كلثوم في آخر أفلامها فاطمة‏..‏ بل أسلوب حياتها ذاته‏!!..‏ وكذا منهج شخصية أروع ملحنيها زكريا أحمد‏..‏ واللذان اختارهما الله الي جواره خلال شهر فبراير‏..‏ وإن تفاوتت السنون‏.3‏ و‏15‏ فبراير‏1961,1975,‏ علي التوالي‏.‏
حقا‏!!‏ البدائع التي أخرجها لنا زكريا أحمد وأم كلثوم لن يجود بها الزمن أبدا‏..‏ إنها عيون الطرب العربي الأصيل‏..‏ والتي لم تكن تزيد مدتها حتي في الحفلات علي الساعة بحال ـ رغم قدرة وقوة صوت أم كلثوم ـ من فرط فحولة أنغامها وخصوبة مقامها‏.‏ وتمثل الأدوار فيها ـ أدسم الوجبات علي مائدة الفن المصري ـ القدح المعلي‏!!..‏ ومنها ما بقي شهيرا جهيزا رغم انقضاء اكثر من ستين سنة علي ظهوره مثل إمتي الهوي ييجي سوا‏,‏ وهو ده يخلص من الله‏,‏ أما الأغنيات الخفيفة ـ فما فتئت تحلق وتخفق في أسماعنا وجداننا كزجاجات عطر معتقة‏..‏ مازالت محتفظة بثمالاتها‏!!..‏ تأملوا كلمات مونولوج شجاني نوحي ولعله لأحمد رامي ثم إبحثوا ن إسطوانته ليشنفكم لحنه العمر فات‏..‏ في أمل وخيال‏..‏ والقلب مات‏..‏ من كتر ما مال‏..‏ وفضلت بعد الملل‏..‏ عندي أمل‏..‏ في الأمل‏!!,‏ علي أن قدرا وافرا من هاتيك الأعمال الشامخة الباذخة لم تدركها أجهزة التسجيلات مع أن أم كلثوم غنتها في حفلات الإذاعة الشهرية منها كل الأحبة اثنين اثنين‏..‏ الخ ودعنا من القصيدة الفريدة زهر الربيع التي شدتها في حفل توقيع ملوك ورؤساء العرب لميثاق الجامعة العربية‏..‏ وسجلت واذيعت مرارا‏..‏ إلي أن إختفي شريطها في ظروف غريبة مريبة‏!!.‏

كان هذان العملاقان منذورين لحب مصر والانتماء إليها‏..!!‏ لم يكفهما ما قدماه لها من عطاء بسخاء‏..‏ وأبيا إلا أن يكونا تجسيدا للمصري العريق الذي يري في المذلة ـ علي حد قول الإمام الشافعي ـ كفرا‏!!..‏ فلم ينسهما الإعتداد بكرامتيهما ما دعت إليه مهنتهما أحيانا من مجالسة الكاس ومؤانسة الطاس‏..‏ ولا ما أملته مقتضيات الذيوع والإنتشار من مغازلة الفن الجارح ردحا من الزمن كمثل الخلاعة والدلاعة مذهبي‏!!‏ لأم كلثوم‏..‏ وألحان ماجنة لزكريا أشهرها إرخي الستارة اللي فريحنا لمنيرة المهدية‏..‏ وغيره مما صادرته الرقابة‏!!.‏
أصون كرامتي‏..‏ قالتها أم كلثوم بعد أيام من قيام حركة‏23‏ يوليو‏1952..‏ لقد كانت ملكية الهوي والهوية حتي النخاع‏!..‏ أنشدت لفاروق في ميلاده‏..‏ وفي مساندة حكمه الملك بين يديك في إقباله‏..‏ يفديك نصرانية بصليبه‏..‏ والمنتمي لمحمد بهلاله‏!!..‏ وفي سهراته وما زلنا نستمتع بتسجيل ياليلة العيد أنستينا الذي حمل إهداؤه لها نيشان الكمال ولم يحزه قبلها غير هدي شعراوي وأم المصريين‏!!,‏ لهذا لم تعدم ضابطا وقف في محفل يشهر بها‏..‏ فما كان منها إلا أن اتصلت باحد الضباط كانت تعرفه سلفا ـ شفيق أبو عوف ـ وأنهت إليه قرارها إعتزال الغناء‏..‏ وما إن طير النبأ الي مجلس قيادة الثورة حتي خف عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم إلي منزلها‏..‏ ولم يغادروه قبل استرضائها‏!!.‏

أما زكريا فرغم تواضع حاله‏..‏ حيث ظل طيلة حياته يسكن شقة فوق سطح منزل عتيق بالفجالة‏..‏ فإنه كان يستشعر الكرامة بنفس السهولة التي يتنفس بها‏..‏ حتي ابنته الكبري سماها كرامة‏!!‏ فلما أحس بأن أم كلثوم بخست قدره برفضها لحنه لمونولج القلب يعشق كل جميل وبحذفها غصنا‏(‏ كوبليه‏)‏ من أهل الهوي ياليل ـ والتسيجلان كاملان بصوته في مكتبتي الفنية ـ أطلق لسانه بكل ما هو لاذع لاسع‏!!‏ ولم يبال أن تحيل حياته حصيدا‏..‏ وكان ان إشتجرا ثم تداعيا أمام القضاء عقدا زمنيا‏..‏ كان الخاسر الحقيقي ملايين من جمهورهما الي أن قيض الله لهما أحد أسلافنا الصالحين ـ المستشار عبد الغفار حسني ـ فنقل الي كل منهما في غرفة المداولة ما يكنه الآخر من تعظيم وتكريم‏..‏ فإذ الذنوب تذوب من حرارة القلوب‏!!‏ لتختفي مشاكلهما المالية في هنية‏...‏ وليتعاهدا علي مواصلة المسيرة‏...‏ إنما الأجل لم يهمل زكريا لغير أغنية هوا صحيح الهوي غلاب الذي صاغها من مقام الصبا الحزين حدادا علي حقبة من عمرهما ضاعت‏..‏ ثمنا للكرامة‏!!.‏
سبحانك وانت القادر فوق عبادك ـ بحق هذا الدعاء العريض ـ احفظ علينا كرامتنا وكبرياءنا علي أهل الكبر فهي كما وصفها نبيك‏...‏ صدقة‏!!.....‏ وطيب ثري الشاعر الراحل القائل‏:‏

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هوانا بها كانت علي الناس أهونا‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية