|
|
حاولت في مقالي السابق بعنوان علي دقات طبول الحرب.. يتأمل العراقيون أن ارصد تغيرا ملحوظا طرأ علي الساحة الدولية, وهو تصدي كل من فرنسا والمانيا الغربية وروسيا الاتحادية لمحاولات الولايات المتحدة تطويع منظمة الأمم المتحدة لإرادتها, وكان تقديري أن هذا المعامل الجديد يلزم تدارس أبعاده.. الا أنه لم يكن يدور في مخيلتي علي الاطلاق, ان أبشر بعصر جديد من توزان القوي, أو تنازع الهيمنة بين هذه الدول والولايات المتحدة الأمريكية, ذلك أن شواهد الأمور تجعل من السذاجة السياسية الوصول التي مثل هذا التصور فالولايات المتحدة مازالت القطب الاحادي, والذي يمكنه ان يتحمل تكاليف الهيمنة السياسية الدولية, من هنا فإن الولايات المتحدة مازالت هي الدولة المهيأة فعاليا وعمليات لفرض الواقع السياسي والعسكري الذي ترتئيه علي المنظومة الدولية في هذه المرحلة تحديدا ـ كما أنها القوة الوحيدة التي يمكنها أن تتصرف دون انتظار لقرار دولي يغطيها. وتقديري الشخصي, أن الخلاف بين الولايات المتحدة وكل من فرنسا, والمانيا الاتحادية, وروسيا, والصين الشعبية, هو خلاف حقيقي, إلا ان ابعاده محدودة الأثر ولاتتجاوز الخلاف في المواقف داخل اروقة الأمم المتحدة علي خط تكتيكي فحسب, وليس علي جوهر الأمور فالدول الأربع لاتختلف مع الولايات المتحدة الأمريكية في حتمية نزع العراق لأسلحة الدمار الشامل, وتتمحور نقطة الخلاف بين الطرفين حول توقيت اللجوء لاستخدام القوة, والذي يلزم من منظورهم ان يعقب اعلان المفتشين الدوليين عن عجزهم علي تحقيق هدفهم وانجاز مهمتهم التي كلفهم بها مجلس الأمن, وعندئذ يحال الأمر إلي مجلس الأمن لاتخاذ القرار الذي يتناسب مع معطيات الوضع الجديد.. من هنا فإن التصور بأن الضغط الأوروبي, والصيني الراهن علي الولايات المتحدة يعني تغيرا في موازين القوي الاستراتيجية الدولية, هو مجرد طرح غير مؤسس علي واقع الحال الدولي الراهن, فالدول الأوروبية الثلاث ـ اثنتان منها عضوان دائمان في مجلس الأمن, والصين الشعبية كعضو ثالث فيه, فضلتا ان تمارسا مع الولايات المتحدة لعبة الجولف السياسي علي ساحة الأمم المتحدة, وتمكنتا ـ لظروف مواتية لموقفهم ـ أن تصلا للحفرة الخامسة, الا ان المقطوع به أنه مازال أمامها ثلاث عشرة حفرة يلزم ان تعبرها لاكمال المباراة فحسب, ثم يتحدد بعد ذلك من الذي فاز في الجولة ككل علي ضوء عوامل مختلفة يحدد اتقان اللعب والوقت. الا ان المقطوع به كذلك, أن هناك مستجدات تؤكد أنه قد حدث تبدل حقيقي في الموقف السياسي الدولي في العديد من الزوايا التي تستحق المتابعة, ونري من المفيد أن نفردها في هذا المجال, واهمها:
* ان موقف كل من فرنسا, والمانيا الاتحادية, وروسيا, والصين الشعبية, يمثل مرحلة جديدة في الممارسة السياسية علي ساحة المنظمة الدولية, ففي خلال حرب الخليج الأولي عام1991, وفي حرب كوسوفو, واخيرا في حالة الحرب مع افغانستان كان الموقف الدولي اضعف من أن يستطيع الصمود امام المد الأمريكي, أما الآن فإن تصدي هذه الدول وبشدة للموقف الأمريكي يشكل تغيرا ظاهرا في الممارسة السياسية الدولية. اكثر من هذا فإن دور المفتشين الدوليين ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد سحب البساط من تحت اقدام الدبلوماسية الأمريكية التي كانت تسعي إلي الخروج بموقف يدين العراق صراحة, ويسمح للولايات المتحدة بالسير قدما في التجهيز لعملية التأديب الأمريكي للعراق المتمرد ـ وقامت كوندوليزا رايس بمقابلة هانز بليكس في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لإقناعه بالخروج بهذه التوصية إلا إنها فشلت في اقناعه بذلك حسبما ظهر جليا, ولعل الدفع الذي تقدم به هانز بليكس ضد ماتضمنه تقرير كولين باول من أن العراق كان يسحب أسلحة الدمار الشامل من مواقعها قبل وصول فرق التفتيش الدولي اليها, وتأكيد كبير المفتشين الدوليين السرية التامة للتحركات الخاصة بفرق التفتيش الدولي, وعدم قدرة العراق علي اختراقها, وان ما كان يتم نقله من هذه المواقع هو معدات مدنية..قد دحض بالكامل احد المحاور الرئيسية التي استند اليها تقرير باول المدعوم بصور ملتقطة من أقمار التجسس الأمريكية, والتي عرضها امام مجلس الأمن في الخامس من هذا الشهر لتأكيد ان موقف العراق كان يتسم بالمراوغة, وانه يستحق توجيه ضربة عسكرية تأديبية له.
* اضافة إلي ماتقدم فإنه قد ظهر ان خللا ملموسا قد طرأ علي موقف الاتحاد الأوروبي في المنظومة الدولية, في وقت كان الاتحاد الأوروبي يسعي فيه لاصلاح مؤسساته, والتوسع أفقيا بضم اعضاء جدد.. ولقد عبرت الرئاسة اليونانية عن قلقها من الوضع الراهن للاتحاد الأوروبي بعبارات محددة وجازمة تقطع بأنه اذا لم تتمكن قمة بروكسل التي ستعقد يوم الاثنين المقبل لدول الاتحاد الأوروبي من الوصول إلي قرار موحد ومشترك حول الموقف من العراق, فإن ذلك سيضعف من قدرة الاتحاد الأوروبي علي ان يكون له موقف دولي حاكم في مرحلة حاسمة من تاريخ هذا الاتحاد. وجدير بالاشارة ان هناك انشقاقا واضحا في مواقف الدول اعضاء الاتحاد الأوروبي, وان موقفي كل من فرنسا, والمانيا الاتحادية, المعارض للولايات المتحدة ـ والتي اطلق عليهما دونالد رامسفيلد لفظ أوروبا القديمة ـ الهدف منه في الاساس تقوية موقفهما داخل الاتحاد الأوروبي ـ كهدف أساسي ـ علي حساب الدول الأخري التي تأخذ صف الولايات المتحدة ـ وتتزعمها كل من بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا ـ واثارة النعرة الاستقلالية الأوروبية ضد الانصياع للهيمنة الأمريكية. أما الظاهرة التي نراها خطيرة في مجال الأحداث الراهنة فهي الانشقاق الواضح داخل نطاق حلف الاطلنطي, حيث تزعمت كل من فرنسا وألمانيا الاتحادية وبلجيكا جناح رفض تقديم أي دعم لوجستيكي لتركيا حال قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية للعراق, وقامت باستخدام حق الفيتو لايقاف هذا التحرك.. ومصدر الخطورة في هذاالموقف, أن الولايات المتحدة قد خسرت معركتين متوازيتين, وفي توقيت بالغ الحساسية: الأولي في داخل أروقة مجلس الأمن, والثانية داخل التحالف الغربي الذي استطاعت ان تطوعه لارادتها في حرب كوسوفو, وكان له تأثير فاعل في دعم الموقف الأمريكي. علاوة علي احتمالات تفسخ دور الحلف ذاته استنادا إلي عدم وجود هدف استراتيجي ظاهر يعتمد علي تهديد مباشر واضح ضد اعضائه مثل الشيوعية في السابق
*النقطة التالية التي يكشف عنها الموقف الراهن, هي بزوغ رأي عام شعبي في العديد من الدول الأوروبية, مناهض تماما للضربة العسكرية التي تعتزم الولايات المتحدة توجيهها للعراق, وأن هذا الرأي الشعبي يتعارض تماما مع المواقف الرسمية للدول إلي يتبعها.. ولمجرد التدليل علي ذلك, فإن التجمع الشعبي الذي سيعقد في الخامس عشر من الشهر الحالي بحديقة هايد بارك اللندنية والذي سيضم مايزيد علي نصف مليون نسمة, ويخطب فيه داعية حقوق الإنسان الأمريكي جاكي جاكسون هو خير دليل علي ذلك. اضافة إلي ماتقدم فقد بدا واضحا الانسلاخ الشعبي والبرلماني الكامل عن موقف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير المؤيد بالمطلق للموقف الأمريكي.. اضافة إلي ماتقدم, فإن التصفيق الحاد الذي حظي به خطاب وزير خارجية فرنسا في مداولات مجلس الأمن عقب القاء كبير المفتشين الدوليين ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية لبيانيهما يوم14 الحالي, والذي أعلن فيه تمسك فرنسا بتقوية دور المفتشين الدوليين ورفض اللجوء للقوة, هو تأكيد جديد علي رفض السياسة الأمريكية الراهنة من جانب العديد من اركان المجتمع الدولي الحالي.. أكثر من هذا فإن استطلاع الرأي الذي تم في الولايات المتحدة حول المواقف الشعبية من التحرك الأمريكي الأخير الذي يهدف لضرب العراق, قد اظهر تباينا واضحا عن التأييد الذي كان يحظي به من قبل موقف الرئيسي بوش من حتمية ضرب العراق باعتباره رأس افعي الإرهاب الدولي وتوضح الدوريات والصحف الأمريكية بدء الرأي العام الأمريكي في عدم تصديق هذا الدفع.. وهي ظاهرة تستحق الرصد والمتابعة. تبقي بعد هذا نقطة مهمة تستوجب التركيز عليها وهي أن الولايات المتحدة قد تحركت نحو ساحة المعركة بإيقاع لايتناسب مع معطيات الموقف الراهن, حيث لم تنجح في تعبئة الرأي العام العالمي بنفس الحجم والتأثير الذي كان يحظي بها التحرك الأمريكي في حروبه السابقة.. الخليج الأولي, وكوسوفو, ثم أفغانستان, مما جعل الموقف الأمريكي الراهن ـ والذي يستهدف توجيه ضربة عسكرية قاصمة ضد العراق ـ هو مجرد تحرك عسكري فقد حجيته ومضمونه المقنع سياسيا, وان كولين باول قد فشل في إقناع العالم بالصلة التي تربط مابين تنظيم القاعدة والعراق, ودعم من هذا الموقف البيان الذي القاه اسامة بن لادن يوم13 الماضي, والذي اعتبر فيه ان نظام حكم العراق الاشتراكي قد فقد مصداقيته وحجيته.. اضافة إلي ماتقدم فإن الموقف في اروقة الأمم المتحدة قد فوت علي الولايات المتحدة الدفع بحجة أنها تتحرك ضد العراق لضرب الإرهاب الدولي.. أكثر من هذا فإن مراوحة الموقف الأمريكي بين فرضية نزع اسلحة الدمار الشامل, وبين حتمية تغيير نظام حكم صدام حسين كمبرر للحرب المقبلة, قد افقد الخطاب السياسي الأمريكي حجيته, وقدرته علي اجتذاب المؤيدين.. وبات موقف المؤيدين لهذا القرار ينبع من مجرد الانصياع للنفوذ الأمريكي عن غير اقتناع.
* يبقي موقف جديد قد طرحه السيد الرئيس حسني مبارك, والذي استند إلي توقيت متميز, حيث واكبت دعوة سيادته لعقد قمة استثنائية عربية للاتفاق علي موقف عربي يحول دون وقوع الضربة العسكرية الأمريكية للعراق, تلك المداولات التي تمت في الجلسة الساخنة التي طرح فيها كبير المفتشين الدوليين ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية لبيانيهما, والبيانات والتعقيبات اللاحقة, ووضوح قوة موقف فرنسا والمانيا الاتحادية وروسيا والصين الشعبية من تأييد استمرار ودعم عمل فيق التفتيش الدولي, ووضوح تعاطف المجتمع الدولي مع عدم اللجوء إلي انتهاج سياسة استخدام القوة المسلحة الا بعد الفشل في الزام العراق باتباع منهاج جاد لنزع اسلحة الدمار الشامل, ولقد كنت دائم التحفظـ علي انعقاد القمة العربية في مثل هذه الظروف الشائكة, الا انني, ومن منطلق المتغيرات الجديدة التي طرأت علي الموقف الدولي, اري ان هذه القمة العربية مهمة للغاية, حيث انها ستجد الساحة ممهدة للخروج بموقف سياسي عربي قوي, يؤازر الموقف الأوروبي والروسي وموقف الصين الشعبية, وموقف فريق التفتيش الدولي.. وقد يكون من المهم ان يكون القرار الذي سيتم التوصل اليه يقوم علي معطيات موضوعية, ولايخلد إلي الصياغات العنترية.. فحسبنا ان نصل في هذه المرحلة إلي التأكيد علي أهمية دعم مهمة المفتشين الدوليين للتوصل إلي تقرير نهائي يحدد موقف العراق من نزع اسلحة الدمار الشامل, مع مناشدة طرفي النزاع لتدارك مواقفهما لتجنب احتدام الأزمة, و اللجوء للخيار العسكري فالقرار يلزم ان يطالب العراق بالالتزام بالقرار1441 والتعاون التام مع فريق التفتيش الدولي, كما يلزم ان يطالب القرار الولايات المتحدة بإعطاء فريق التفتيش الدولي.. المهلة الكافية للتحقق من الموقف العراقي, ومدي استعداده للالتزام بالموقف الدولي قبل اللجوء لخيار الحرب, وفي تقديرنا فإن المناخ الراهن قد يسمح كذلك بخروج القرار بآلية وساطة عربية: تقوم فيها بعض من قيادات الدول العربية بزيارة إلي العراق لاقناع الرئيس صدام حسين بالالتزام بالمواقف الدولية وبالقرار1441 وتتوجه قيادات عربية اخري لمقابلة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش لمحاولة اثنائه عن اللجوء إلي خيار الضربة العسكرية في هذه المرحلة ولحين توصل فريق التفتيش الدولي إلي قرار نهائي حول موقف العراق من نزع اسلحة الدمار الشامل وقناعتي ان عجلة الحرب لايمكن ان تتوقف اذا مادارت دورة كاملة ـ وربما يكون هذا هو الحال بالنسبة لآلة الحرب الأمريكية حاليا ـ الا ان الدور العربي في هذه المرحلة مطلوب, حتي ولو كان هدفه هو مجرد تسجيل الموقف.. فالمناخ العالمي يساعد علي هذا التحرك وتخلف العرب عن القيام بهذا التحرك في هذه المرحلة الحاسمة سوف يكون سقطة في تاريخ العرب.. فالجماهير العربية تغلي من الداخل وتقاعس القيادات العربية عن القيام بدور محسوس, سوف يزيد هذه المواقف الشعبية تأججا. |
|
|
|
|
|