قضايا و اراء

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

الرئاسة العربية للجنة الدولية لحقوق الإنسان‏..‏ الدلالات والتوقعات
بقلم : هاني خلاف
سفير مصر في طرابلس
ونائب مساعد وزير الخارجية السابق لحقوق الإنسان

في تطور سياسي له دلالاته المتعددة وانعكاساته المهمة بالنسبة لكثير من الأطراف الدولية فازت الجماهيرية العربية الليبية بمنصب رئيس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دورتها القادمة وذلك في أول انتخابات تعقد لشغل هذا المركز منذ إنشاء اللجنة بعد أن ظل اختيار رئيسها يجري طوال العقود الماضية من خلال قاعدة توافق الرأي‏.‏
وحتي يمكن التعرف علي القيمة الحقيقية لهذا الانتصار الدبلوماسي الليبي ودلالاته بالنسبة لليبيا ومختف الأطراف الأخري قد يلزم التعرف أولا علي طبيعة عمل هذه اللجنة وموقعها في خريطة التنظيم الدولي وأهميتها بالنسبة للأجندات السياسية لمختلف القوي الدولية المتنفذة في عالمنا المعاصر‏.‏

ما هي لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ؟‏!‏
نشأت هذه اللجنة كإحدي اللجان التخصصية المنبثقة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي وهي أحد الأجهزة الرئيسية الستة في منظومة الأمم المتحدة‏.‏ وتتولي لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأصل ـ متابعة تنفيذ الدول الأعضاء في المنظمة الدولية لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام‏1948‏ وغيره من عهود ومواثيق واتفاقيات دولية تتعلق بحقوق الإنسان سواء السياسية والمدنية أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية‏,‏ والتي تبلغ حتي الآن قرابة‏26‏ عهدا واتفاقا دوليا‏,‏ وتعد لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان دورتها السنوية في جنيف لمدة ستة أسابيع تبدأ عادة في شهر مارس وتستمر حتي نهاية أبريل وتقدم تقريرها السنوي عن حصائل أعمالها إلي المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يرفعه بدوره إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماده واتخاذ قرارات بشأنه‏.‏
وعلي مر السنوات استحدثت اللجنة عدة آليات لعملها من بينها انشاء لجان فرعية تختص كل منها بمتابعة قطاعات معينة من حقوق الانسان‏(‏ اللجنة الخاصة بالحقوق السياسية والمدنية‏)‏ واللجنة الخاصة‏(‏ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية‏)‏ الي جانب اللجان الفرعية الخاصة‏(‏ بمكافحة التمييز العنصري‏)‏ واخري تختص‏(‏ بمنع جميع أشكال التمييز ضد المرأة‏)‏ واخري تختص‏(‏ بمناهضة التعذيب والمعاملة القاسية واللا إنسانية‏)‏ الي جانب‏(‏ لجنة خاصة بمتابعة تنفيذ الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل‏)‏ واخيرا أنشأت أيضا لجنة خاصة لبحث جوانب‏(‏ الحق في التنمية‏)‏ وهو مفهوم جديد حرصت بعض الدول النامية علي ادخاله وتبنيه ومازال الامر تحت البحث والتقنين كذلك استحدثت لجنة حقوق الانسان آلية جديدة تعرف بنظام المقررين حيث تختار اللجنة بعض الشخصيات المشهود لها بالكفاءة والحياد والولاء لمبادئ حقوق الانسان وتسند اليها بعض مهام التحقق الميداني ومقابلة المسئولين الوطنيين في فرادي الدول ويقوم هؤلاء المقررون بتقديم تقارير عن اعمالهم الي اللجان الفرعية كل حسب تخصصه وتقوم الدول الاعضاء في الاتفاقيات المعنية بحقوق الانسان بتقديم تقارير دورية الي اللجان التخصصية المختلفة عن أدائها الوطني وتشمل تلك التقارير في العادة عرضا لما يستجد في الاداء الوطني من تشريعات وبرامج وانشطة ومؤسسات تعكس التزام الدول بما ورد في الاتفاقيات والعهود الدولية المنضمة اليها وتخضع تلك التقارير لمناقشات مستفيضة من جانب اعضاء اللجان‏.‏

كما انشئت في اطار المفوضية العامة لحقوق الانسان في جنيف إدارات معينة لتلقي الشكاوي الفردية والجماعية من المتضررين ومن الجمعيات الأهلية واجراء ما يلزم من اتصالات ومراسلات بشأنها مع حكومات الدول المعنية وتلقي الإيضاحات والردود منها‏.‏
وجدير بالذكر ان جدول اعمال لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان اخذ في الاتساع والتضخم تدريجيا حتي بلغ متوسط عدد البنود المدرجة فيه خلال كل دورة من الدورات الخمس الاخيرة ما يربو علي الثلاثين بندا‏.‏ ولعل ابرز البنود التي تهم العالم العربي البنود المتعلقة بانتهاكات اسرائيل لحقوق الانسان في الاراضي العربية المحتلة‏,‏ الي جانب موضوعات اخري تتعلق‏(‏ بعقوبة الاعدام‏)‏ و‏(‏الحق في انسياب وحياد المعلومات‏)‏ و‏(‏انعكاسات العمليات الارهابية علي درجة التمتع بحقوق الانسان الاساسية‏)(‏ وحماية نشطاء حقوق الانسان‏)‏ و‏(‏دور اللجان الوطنية لحقوق الانسان في تعزيز وتوسيع ثقافة حقوق الانسان وفي اعمال الرقابة والتشريع‏)‏ و‏(‏التنوع الثقافي وانعكاساته علي تطبيقات حقوق الانسان‏)‏ وغير ذلك من قضايا ومسائل سياسية وانسانية ودستورية‏.‏

وتزداد اهمية لجنة حقوق الإنسان وأعمالها مع ازدياد الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الانسان وانتقال كثير من القوي الكبري الي اعتبار هذا المجال من بين المعايير الحاكمة لمساعداتها الخارجية‏.‏ واعتباره أيضا احد المعايير المؤهلة للانضمام الي نظم المزايا والتفضيلات التجارية‏,‏ والمعبر الأساسي المؤهل للإنضمام إلي بعض المنظمات والتجمعات والترتيبات الدولية‏(‏ توسع العضوية لحلف الأطلنطي مثلا‏)(‏ أو الانضمام الي الاتحاد الاوروبي‏)‏ أو الانضمام الي‏(‏ منظمة التجارة العالمية‏)(‏ أو الي مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية المعروف بعملية برشلونة‏).‏
ورغم اشتراك الجميع في التعبير عن الفرحة الغامرة بهذا الفوز الدبلوماسي الكبير الا انه يمكن ملاحظة قدر من التباين في ترتيب الدلالات الحقيقية لهذا الحدث لدي مختلف الدوائر والتجمعات والشرائح الليبية‏.‏ ففي حين اعتبرته الدوائر الأيديولوجية الممثلة في حركة اللجان الثورية ـ وهي التنظيم الطليعي القائد والمنظر للسياسات الليبية ـ وعدد من المؤسسات الأخري العاملة في مجال دراسات الكتاب الأخضر انتصارا للفكر السياسي الليبي واعترافا رسميا من المجتمع الدولي بأهمية هذا الفكر وتميزه علي ما عداه من مواثيق وإعلانات عالمية وإقليمية تتعلق بحقوق الإنسان‏,‏ وراحت تلك الدوائر تبرز وجوه السبق الذي حققه هذا الفكر الليبي وخاصة منذ اصدار ما يسمي بالوثيقة الخضراء لحقوق الانسان عام‏1988‏ والتي تتضمن إشارات الي ضرورة إلغاء تجارة السلاح في العالم‏,‏ والدعوة الي تدمير الأسلحة النووية جميعها‏,‏ الي جانب الدعوة الي الغاء عقوبة الاعدام في التشريعات الجنائية‏,‏ رأت الدوائر الدبلوماسية الليبية وبعض الشخصيات الاكاديمية من اساتذة القانون الدولي والعلاقات الدولية‏.‏ إن هذا الفوز إنما يأتي تتويجا لأعمال التطوير والتحسين في السياسات والممارسات الليبية‏,‏ ونتيجة لخطوات التقارب التي حققتها ليبيا خلال السنوات الأخيرة مع القيم والمعايير العالمية السائدة من الناحية الواقعية‏(‏ وقعت ليبيا وصدقت علي‏17‏ اتفاقية وعهدا دوليا لحقوق الإنسان‏)‏ وقامت بعض المؤسسات الليبية وعلي رأسها مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية ـ بأدوار مهمة في الوساطة من أجل الإفراج عن الرهائن الأجانب المحتجزين في كل من الفلبين وسيراليون وفي تقديم المساعدات القانونية والانسانية لعلائلات ضحايا الارهاب وأسر المحتجزين والمسجونين وفي ادارة حملة واسعة ضد التعذيب في السجون والمعتقلات كما تقوم هذه المؤسسة برعاية مشروع للعفو العام عن سجناء الرأي في الجماهيرية وتعزيز ثقافة حرية التعبير‏.‏

الفوز الليبي‏..‏ من وجهة نظر العالم الخارجي‏:‏
وفي حين تميل الدوائر الوطنية داخل ليبيا إلي إبراز هذه الابعاد الليبية الذاتية كمؤهلات منطقية لفوزها بالمنصب الكبير راحت بعض الدوائر الدبلوماسية الاخري تركز علي الابعاد الدولية لهذا الفوز باعتباره انتصارا افريقيا في المقام الاول حيث ان ليبيا لم تكن لتحصل ـ في تقدير هذه الدوائر الأجنبية ـ علي المنصب لولا التبني الجماعي لهذا الترشيح من جانب دول الاتحاد الافريقي في قمة ديربان في جنوب افريقيا في منتصف عام‏2002,‏ والمعروف أن مثل هذه المراكز الدولية يتم شغلها حسب قاعدة التناوب بين الاقاليم والتجمعات الجغرافية والسياسية‏,‏ وقد كان الدور في هذه المرة معقودا علي المجموعة الأفريقية‏,‏ من ترشحه ومن جانبها‏.‏
ـ كذلك ذهب عدد من المعلقين الاجانب والليبيين‏,‏ ايضا ـ إلي القول بأن أهمية الفوز الليبي بهذا المنصب يرجع إلي أنه تم في مواجهة حملة أمريكية وكندية مكثفة ضد هذا الترشيح‏,‏ الأمر الذي يجعل النتيجة هزيمة للدبلوماسية الامريكية بقدر ما هي انتصار لليبيا وللإرادة الافريقية من ورائها‏.‏

كما يشير البعض إلي أهمية انتقال بعض الدول الأوروبية المعروفة بتحالفها الاوتوماتيكي مع الولايات المتحدة إلي موقف حيادي تمثل في الامتناع عن التصويت خلال عملية الاقتراع التي تمت في المنظمة الدولية‏.‏
ـ وكان اللجوء إلي عملية التصويت في اختيار رئاسة لجنة حقوق الانسان لهذه الدورة ـ في حد ذاته ـ موضع تركيز واهتمام كبيرين لدي بعض الدوائر الدولية حيث انها المرة الأولي التي يتم اختيار رئاسة هذه اللجنة بغير توافق الرأي‏Concnsus‏ وهو ما دعا البعض إلي اعتبار رئاسة ليبيا لهذه الدورة بداية لمرحلة جديدة من مراحل عمل اللجنة يمكن ان يتسم الأداء خلالها بطابع أقرب إلي الاستقطاب السياسي والايديولوجي علي نحو ما كان سائدا في مراحل سابقة إبان عصر التوازن الصراعي بين المعسكر الشرقي بزعامة ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي‏,‏ والمعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوروبية‏.‏

الدلالات‏..‏ والتوقعات‏..‏ من وجهة نظرنا‏:‏
والواقع ان ما قد يراه البعض انه انتصار للإرادة الافريقية في المقام الأول ـ يمكن ان يكون في تقديرنا ـ دليلا مؤكدا في نفس الوقت علي صحة الرهان السياسي الليبي علي القارة الافريقية‏,‏ وأهمية التحالف معها والاحتماء بها وهو الاتجاه الذي راحت القيادة السياسية الليبية تروج له وتحرض عليه منذ أكثر من خمسة أعوام وخاصة بعد ان ابدي عدد من قادة الدول الافريقية شجاعة في كسر الحظر الدولي الذي كان مفروضا علي ليبيا واتجهوا جميعا بطائراتهم لإعلان وقوفهم إلي جانب الجماهيرية الليبية ومن ذلك التاريخ راحت الدبلوماسية الليبية تركز جل جهودها وأدواتها السياسية والاعلامية والاستثمارية بل وحتي أدوات الدعوة الدينية القائمة لديها ـ في توطيد أواصر الصلة بين ليبيا والقارة الافريقية والتحرك في كل اتجاه من اجل بناء اتحاد افريقي جديد يحل محل منظمة الوحدة الأفريقية‏,‏ ويكون قادرا علي مواجهة تحديات العولمة الجديدة ومحاولات الهيمنة والتدخل الاجنبي‏,‏ وهو استثمار سياسي ضخم تحصد ليبيا الآن عوائده علي الصعيد الدبلوماسي‏.‏
ومن غير المستبعد ـ في تقديرنا ـ ان يفتح هذا الانتصار الدبلوماسي الليبي شهية طرابلس لمزيد من التطلعات‏,‏ ويشار هنا إلي احتمال تقدم ليبيا بالترشيح لعضوية مجلس الأمن في عام‏2004,‏ الأمر الذي قد يعزز احتمالاته شكل ومستوي وطبيعة الأداء السياسي الليبي في رئاسة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إلي جانب الأداء الليبي إزاء عدد آخر من بؤر الأحداث والتوترات الأمنية في أفريقيا وخارجها‏.‏

ـ ومن ناحية أخري قد يمكن لنا اعتبار الرئاسة الليبية للجنة حقوق الإنسان فرصة مهمة لإثبات جدارة الثقافة العربية والإسلامية في قيادة ضمير العالم الذي تمثل اللجنة أحد اركانه وآلياته‏..‏ وتزداد أهمية هذا الاختيار علي ضوء المرحلة الحالية التي يتعرض فيها الإسلام والثقافة العربية لحملات تشكيك وتشويه قوية‏.‏ ومعني ذلك ان ليبيا ستكون خلال رئاستها للجنة حقوق الانسان محملة بمسئوليات حضارية وثقافية خطيرة الي جانب ما يحمله الموقع من تحديات سياسية مفهومة‏.‏
وبنفس المنطق فإن اختيار شخص السيدة السفيرة الليبية نجاة المهدي حجاجي لرئاسة اللجنة يمكن ان يكون فرصة ذهبية لإثبات جدارة وقدرة المرأة العربية والإسلامية والإفريقية في ادارة مثل هذه المواقع الدولية المهمة الي جانب ما يعنيه اختيارها اصلا لهذا المنصب الرفيع من دلالات تقدير لشخصها وثقافتها وخبراتها الدبلوماسية‏.‏

ـ واذا كان البعض يري ان الرئاسة الليبية لهذا الجهاز الدولي المهم يمكن ان تتيح فرصة لتحريك وتنشيط بعض الموضوعات النائمة أو الراكدة في عمل اللجنة مما يهم العالم العربي والعالم الاسلامي‏(‏ كموضوع حماية حقوق الإنسان الفلسطيني من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة‏)‏ وموضوع‏(‏ تقنين الحق في التنمية‏)(‏ والضوابط الأخلاقية لحرية الاعلام‏)‏ و‏(‏العلاقة بين العولمة والهويات الثقافية الذاتية في مجالات حقوق الانسان‏)..‏ فلابد من الاعتراف بأن هناك حدودا اجرائية وسياسية لما يمكن ان تقوم به رئاسة اللجنة ولابد من التذكير بما يرد في نظم العمل وقواعد اتخاذ القرار داخل التنظيم الدولي من ضوابط وتوازنات لا يمكن تجاوزها ومع ذلك فإن الثقة معقودة في كفاءة السفيرة الليبية وفي قدرتها علي ادارة عمل اللجنة من خلال روح حية ومتوازنة وواقعية وبما يسفر عن بناء مستويات جديدة من‏(‏ توافق الرأي الدولي‏)‏ حول الموضوعات التي تهمنا مباشرة والموضوعات الأخري‏.‏
ـ وفي تقديرنا ـ فإن اختيار ليبيا لهذا الموقع الدولي المهم ـ يمكن أن يكون أيضا فاتحة لإحداث عدد من التطويرات المهمة في الأداء السياسي والتشريعي ليس فقط داخل ليبيا بل لدي عدد من الدول العربية والإسلامية والإفريقية في مجال حقوق الإنسان وقد يؤدي الي إحداث بعض التغييرات في أساليب المعالجة الليبية والعربية لبعض القضايا العالمية والنظر اليها من زوايا جديدة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية