قضايا و اراء

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

صنوف من الجهالة
بقلم : د‏.‏ عادل صادق

‏..‏ بعد ان انتهيت من كتابة هذا المقال تحت عنوان صنوف من الامية أعدت كتابته مرة أخري تحت عنوان صنوف من الجهالة‏..‏ وقد يبدو الفرق بسيطا ولكنني آراه شاسعا فالأمية بمعناها المحدد والشائع المعروف هي الجهل بالوحدات التي ترسم الكلمات فلا يستطيع الأمي ان يقرأ أو أن يكتب‏..‏ والحقيقة ان الامر اخطر واعمق من ذلك‏..‏ فتلك الكلمات‏..‏ تدخل ضمن تركيبات اعقد وهي الجمل ولكل جملة معني متكامل أكثر اتساعا من مدلول الكلمة المفردة‏..‏ وبعد ذلك تدخل هذه الجملة ضمن سياق متكامل يسمي النص‏,‏ والهدف منه سبر معاني فكرة معينة أو عدة افكار نستخلص مفاهيم اشمل تمثل اجابات لأسئلة أو حلولا لمشاكل‏..‏
وعلي مستوي اعمق تمثل إبداعا إما ادبيا أو فنيا او علميا حسب اللغة المستخدمة وحسب المنهج المتبع‏..‏ ولذا فالجهل هنا له عدة مستويات تتتابع‏,‏ أي يقود احدها الي الآخر بدءا من الجهل بالقراءة والكتابة وانتهاء بالعجز عن الابداع‏.‏

‏**‏ وحقيقة أنه لا يمكن تجاهل أو التقليل من اهمية القراءة والكتابة فهي تقود حتما الي باقي صنوف الجهالة إلا ان المطب الخطير الذي يمكن ان نقع فيه هو ان نقنع بمحو أمية الشعب واعتبار ذلك غاية المراد‏,‏ وتصور ان الطريق الي التقدم يصبح مفتوحا‏..‏ وتلك هي الخطيئة الكبري او الجهالة الكبري وهي الجهل بأنك تجهل‏.‏
‏**‏ عبرت هذه المعاني بخاطري وانا اقارن بين موقف امريكا من العراق وموقفها من كوريا الشمالية فالتهمة واحدة وهي حيازة اسلحة دمار شامل‏..‏ والخطر الذي يتهدد امريكا‏.‏ واحد‏..‏ إذن لماذا هذه العنترية التي حادت عن كل منطق في مواجهة الخطر العراقي‏,‏ وتلك الرقة والعذوبة‏,‏ وادب الحوار والمنطق في مواجهة الخطر الكوري‏.‏؟

‏**‏ وقبل الاجابة عن هذا السؤال فإننا يجب ان نضع العراق في سلة الدول العربية اوالدول الاسلامية‏,‏ فالعالم المعادي لا ينظر الي الدول العربية فرادي وإنما كوحدة واحدة فيطلقون علينا العرب او المسلمين‏.‏
‏**‏ ازدواجية المعايير بشكل عام لدي امريكا واختلاف موقفها بشكل خاص من المشكلة العراقية عن المشكلة الكورية‏,‏ يرجع الي ان بعض دول العالم تنظر الي الامة العربية علي انها أمة جاهلة مغرقة في جهلها الي حد الجهالة‏,‏ حيث لا تدرك جهلها او الاصح انها لا تعرف طريقها لمحو جهلها وبذلك فهي متخلفة عن ركب حضارة العالم الحديث‏,‏ وهذا يعني انها تفتقر للقوة التي تدافع بها عن نفسها او الاصح انها في غاية الضعف مما يغري باهدار دمها وإهدار كرامتها‏..‏

‏**‏ أما كوريا الشمالية فهي فرضت علي امريكا ان تحترمها‏..‏ والاحترام هنا علي مستوي العلاقات الدولية معناه استخدام المنطق في حل اي مشكلة ثنائية وانعدام الأغراء بالبغي والطغيان اي كبح جماح القوة إذا صح التعبير‏.‏
‏**‏ كوريا الشمالية انتقلت من أمية القراءة والكتابة حيث كانت مثلنا في بداية الستينيات الي القدرة علي الابداع مرورا بالتفوق العلمي والاقتدار المعرفي‏.‏

‏**‏ فأنت في البداية تتعلم القراءة والكتابة اي تلم بمعاني الكلمات والجمل‏..‏ ثم تنتقل الي مقدرة قراءة نص متكامل لاستخلاص معني كلي‏..‏ وبذلك تصبح قادرا علي التواصل بلغة العلم مع من يعلمون فتعلم‏..‏ وحين تعلم اي تعرف وذلك سهل الآن عن طريق شبكة المعلومات فإنك تتعلم شيئا آخر او تصل الي مستوي اعمق وهو ان تدمج ما عرفت وما تعلمت في جهازك المعرفي اي تصبح قادرا علي استخدامه في حياتك العملية وتلك تسمي بالمعرفة‏...‏
‏**‏ والمعرفة هي الربط بين العلوم لكي يكون هناك في حياتنا معان كلية شاملة قابلة لتطوير حياتنا والرقي بها ويتجسد ذلك فيما يسمي بالتكنولوجيا وهي التطبيق المعرفي لما تعلمناه وادمجناه‏.‏
‏**‏ وهذا شئ متاح لكل إنسان في العالم يملك ذكاء فوق المتوسط‏..‏ وهو بذلك يقف عند حد التقليد والمحاكاة ويكون عارفا بابجديات المعرفة وتطبيقاتها‏..‏ ولكنه لا يضيف‏,‏ اي لا يبدع‏.‏

‏*,‏ ولذا فإن هناك مستوي اعلي وارفع وهو الابداع‏..‏ وهذا يتطلب امرين‏:‏
‏1‏ ـ طليعة ذكية قائدة من ابناء المجتمع‏.‏
‏2‏ ـ ان يكون هناك هدف قومي تلتف حوله الامة‏(‏ اقتصاد غاية في القوة مثلا او تصنيع وامتلاك القنبلة النووية‏).‏

‏*,‏ وحين تصبح امة او دولة او عشيرة عضوا في نادي المبدعين فإنه يحسب حسابها كقوة لا تنهزم بسهولة‏..‏ ولذا فإن كوريا الشمالية قادرة اليوم علي تهديد الولايات المتحدة الامريكية‏,‏ وبذلك تكون قد فرضت كل الاحترام لها من امريكا ومن العالم كله‏..‏ وهذا ما لا نحظي به نحن العرب اليوم ولا نملك غير الاستجداء والتوسل بهدف استثارة الشفقة وهي لغة لا يعرفها العالم المتحضر اليوم ولذا فهي لا تفيد‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية