قضايا و اراء

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

العراق‏..‏ هل يفلت من طريق الحرب إلي طريق السلام‏..‏؟
بقلم : مـحـمـد بـاشـا

لقد انعكست حدة الأزمة العراقية علي الساحة العالمية‏,‏ حول مدي تنفيذ القرار‏1441,‏ ما بين مؤيد للإصرار الأمريكي علي الحل العسكري وخوض الحرب‏,‏ وما بين رافض لهذا‏,‏ والدعوة إلي منح الحل السلمي فرصته‏,‏ وضرورة أن يكون اللجوء إلي الحرب بغطاء دولي جديد‏,‏ كما لم يحدث أي تغيير في مواقف المعسكرين‏,‏ بعد أن استمع مجلس الأمن إلي تقريري بليكس والبرادعي‏,‏ حيث لم تخرج كلمات مندوبي الدول عن مواقفها السابقة‏,‏ بل ازداد الرافضين إصرارا علي الحل السلمي‏,‏ وانضمت إليهم الصين‏.‏
‏..‏ ثم يأتي الموقف العربي الرافض للحرب‏,‏ بدعوة زعيم مصر مبارك إلي عقد قمة عربية استثنائية تعقد يوم‏27‏ الحالي في شرم الشيخ‏,‏ لبحث تطورات الأزمة‏,‏ وتكوين رأي عربي موحد يساعد علي حلها سلميا‏,‏ لتجنيب المنطقة أي عمل عسكري بما يحمله من أضرار بالغة‏,‏ حيث يشير الرئيس إلي ضرورة الاتفاق علي رأي للتأثير علي صانعي القرار سواء في العراق أو الولايات المتحدة أو أوروبا‏.‏

‏..‏ والمؤكد أن هذا الانقسام في الساحة العالمية‏,‏ يؤدي إلي صعوبة التنبؤ بما تحمله الأيام المقبلة‏,‏ إجابة علي سؤال الساعة وهو‏:‏ هل العراق علي طريق الحرب‏,‏ أو أنه سوف يفلت منها إلي طريق السلام‏..‏؟
‏..‏ والمؤكد أيضا أن ما خرج من عواصم العالم في الأيام القليلة الماضية من مواقف بين مؤيد ومعارض للحرب‏,‏ يلقي بظلاله الثقيلة التي تضاعف من حدة الأزمة‏,‏ وتداعياتها علي المجتمع الدولي‏,‏ ما لم يتم تدارك تلك السلبيات التي ظهرت علي الوحدة الدولية علي حد وصف واشنطن للموقف الدولي في مواجهتها‏,‏ وفي مقدمتها الانشقاق الذي حدث في حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي‏,‏ ومن قبل هذا الغضب العارم الرافض للحرب الذي احتشد له الملايين من شعوب العالم في مظاهرات شملت‏600‏ مدينة في‏15‏ بلدا‏,‏ بما فيها مدن أمريكية وبريطانية‏..!‏ وذلك في إطار اليوم العالمي لمعارضة الحرب ضد العراق‏..!!‏
‏..‏ وحتي نستطيع التوصل إلي مؤشرات واضحة تقودنا إلي الإجابة عن سؤالنا‏,‏ نرصد هنا الملامح الرئيسية التي رسمت مواقف وتوجهات الدول بحثا عن مخرج من هذه الأزمة‏..‏

‏*‏ أولا‏:‏ الولايات المتحدة الأمريكية‏:‏ مازالت علي موقفها الصلب بتأكيدها أن العراق وضع نفسه علي طريق الحرب‏,‏ ولم يعد أمامه خيار سوي الابتعاد عن الخداع‏,‏ والاعتراف بكل برامج أسلحته التدميرية‏.‏
ودون الدخول في تفاصيل دوافع ومبررات واشنطن التي أصبحت معروفة تماما للرأي العام العالمي‏,‏ نجد أن تصريحات الرئيس بوش ووزيري دفاعه وخارجيته رامسفيلد وباول‏,‏ وجميع معاونيه تسير في ذات الاتجاه‏.‏

‏*‏ ثانيا‏:‏ بريطانيا‏:‏ وموقفها المؤيد لواشنطن علي طول الخط أصبح في غير حاجة إلي تأكيد‏,‏ إلي حد وصف الزعيم مانديلا رئيس جنوب إفريقيا السابق لرئيس الوزراء بلير بأنه يتصرف وكأنه وزير خارجية أمريكا‏,‏ وإلي درجة وصف الناس له في بلاده بأنه كلب أمريكا المدلل وأنه النائب المحترم عن شمال تكساس ولاية الرئيس بوش وغيرها من الأوصاف التي تعكس رفض جانب كبير من الرأي العام البريطاني والعالمي لموقفه‏,‏ بعد حشده لنحو‏30%‏ من القوات البريطانية في الخليج‏..!!‏

‏*‏ ثالثا‏:‏ الدول الأوروبية الثماني‏:‏ في الثلاثين من يناير الماضي‏,‏ أصدر ثمانية من قادة أوروبا بيانا يؤيد الموقف الأمريكي وهذه الدول هي بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا والبرتغال والمجر وبولندا والتشكيك والدانمارك‏.‏

‏***‏
‏..‏ نرصد الآن الجانب الآخر من الصورة‏,‏ الذي يتمثل في معسكر الرفض للحل العسكري وظهر في هذا الانقسام الذي وقع في الاتحاد الأوروبي والانشقاق الذي جري في حلف شمال الأطلنطي‏,‏ وتبدو ملامحهما كالتالي‏:‏
‏*‏ رابعا‏:‏ انقسام الاتحاد الأوروبي‏:‏ وظهر ذلك في عقب مباحثات الرئيس الروسي بوتين مع الرئيس الفرنسي شيراك‏,‏ وأشار المراقبون إلي أن هناك محورا فرنسيا روسيا ألمانيا يناهض الموقف الأمريكي‏,‏ واستشهدوا بالبيان المشترك الصادر عنهم وأكدوا فيه أن هناك بديلا عن الحرب‏,‏ وأن استخدام القوة لا يمكن أن يكون الخيار الأخير‏,‏ وأنهم عازمون علي توفير كل الفرص من أجل نزع أسلحة العراق سلميا‏,‏ ودعم استمرار عمليات التفتيش وتعزيزها بشريا وفنيا بكل الوسائل‏,‏ كما وجهوا تحذيرا قويا إلي العراق بأن يتحمل كل مسئولياته في التعاطي مع القرار‏,‏ وتوفير التعاون النشيط مع المفتشين‏.‏

‏{‏ وفي هذا الإطار أعلن شيراك أنه لا شيء في الوقت الحاضر يبرر الحرب ضد العراق‏,‏ وأنه لا يمكن اللجوء إلي الحرب دون مداولات في مجلس الأمن‏.‏
‏{‏ كما يأتي تحذير بوتين بأن استخدام القوة يمكن أن يؤدي إلي نتائج خطيرة‏,‏ وأن بلاده مستعدة لإرسال طائراتها للمشاركة في الرقابة الجوية والتفتيش‏,‏ كما هدد باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن إذا لزم الأمر ضد أي مشروع بضرب العراق‏,‏ كما حذر واشنطن من القيام بأي عمل منفرد بدون تأييد كامل من الأمم المتحدة‏.‏

‏{‏ وفي هذا الاتجاه أكد المستشار الألماني شرودر أمام مجلس النواب البوندستاج أن بلاده ستبذل بجانب فرنسا وروسيا وشركاء آخرين الجهد للتوصل إلي حل سلمي ومنع وقوع الحرب‏,‏ واستبعد تأييد قرار بشن الحرب‏.‏
‏{‏ وأمام هذا الموقف الخلافي بين أوروبا وأمريكا نجد اليونان بوصفها رئيس الاتحاد الأوروبي تعلن علي لسان رئيس وزرائها‏,‏ توجيه الدعوة لعقد قمة طارئة لقادة الدول الخمسة عشر الأعضاء في الاتحاد‏,‏ اليوم الاثنين لبحث سبل تجاوز هذه الأزمة‏.‏

‏***‏
‏*‏ خامسا‏:‏ شرخ في حلف شمال الأطلنطي‏:‏ وانعكست حدة الأزمة العراقية علي الحلف برفض كل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا مطالب واشنطن من الحلف بدعم تركيا في حال شن حرب ضد العراق‏,‏ واستخدمت الدول الثلاث الفيتو‏,‏ كما أصدروا بيانا عقب اجتماعهم التشاوري بطلب من أنقرة أكدوا فيه التزامهم بحماية تركيا لكن دون تغير في موقفهم برفضهم مطالب واشنطن‏,‏ وقد وصف المراقبون هذا الشرخ بأنه يعد أكبر أزمة تواجه الحلف منذ انشائه عام‏1949,‏ وقد أعرب الرئيس الأمريكي عن خيبة أمله في فرنسا ووصف موقفها بأنه قصير النظر‏,‏ وشدد علي أنه سوف يؤثر سلبيا علي الحلف‏,‏ كما أعلن وزير دفاعه رامسفيلد أن رفض الدول الثلاث منح تركيا وسائل دعم إضافية سيكون عارا تنجم عنه مضاعفات‏,‏ وأن خلافات الحلف لن تغير من موقف أمريكا من العراق‏,‏ كما جدد انذاره للرئيس العراقي صدام حسين‏,‏ مؤكدا اقتراب موعد العمل العسكري لنزع أسلحته المحظورة‏,‏ واسقاط نظامه‏,‏ وأن الحرب إذا اندلعت ستدوم ستة أيام أو ستة أسابيع فقط‏,‏ ولن تستمر أبدا إلي ستة أشهر وهو ما يعني أنها ستكون حربا خاطفة سريعة‏!!.‏

‏***‏
‏..‏ ننتقل‏,‏ الآن إلي الطرف الرئيسي في الأزمة وهو العراق‏,‏ ونرصد هنا موقفه من ناحية‏,‏ وملامح مما أسفر عنه تقريرا بليكس والبرادعي أمام مجلس الأمن من ناحية أخري‏.‏
‏*‏ سادسا‏:‏ موقف النظام العراقي‏:‏ لقد قدم العراق مزيدا من التعاون مع المفتشين‏,‏ كما وافق رسميا علي السماح لطائرات الاستطلاع يو‏2‏ بالتحليق في أجوائه لخدمة أغراض التفتيش دون شروط‏,‏ كما أصدر مرسوما يحظر إنتاج واستيراد أسلحة الدمار الشامل‏,‏ ومنع الأفراد والشركات في القطاعين الخاص والمشترك استيراد أي بضاعة تدخل في صناعة الأسلحة البيولوجية والكيميائية‏.‏
‏{‏ وفي جلسة مجلس الأمن الجمعة الماضية‏,‏ جاء جانب كبير من تقرير هانز بليكس كبير المفتشين الدوليين في صالح العراق بمستوي تعاونه مع المفتشين‏,‏ كما شكك في صحة التفسير الأمريكي لصور الأقمار الصناعية التي عرضها باول‏,‏ كما أشار الدكتور البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية في تقريره إلي أن المفتشين لم يجدوا أي دليل علي وجود أنشطة نووية محظورة‏,‏ لكنه حث العراق علي التعاون بصورة تامة وفعالة للتعجيل باستكمال عملية التفتيش‏.‏

‏***‏
‏..‏ ولا يبقي أمامنا إلا محاولة الإجابة عن سؤالنا هل العراق علي طريق الحرب أم أنه سوف يفلت منها إلي طريق السلام؟‏.‏
وباختصار نقول إن الإصرار الأمريكي علي خوض الحرب‏,‏ ومعها أكبر تحالف دولي في تاريخ البشرية يضم‏90‏ دولة‏,‏ يفسر بوضوح معني المقولة الأمريكية الشهيرة أن من يحمل المسدس يصنع القانون‏!!..‏ وهي للأسف الشديد شريعة القوة التي تسود عالم اليوم‏.‏

كما أن موقف الدول الأوروبية الرافضة يمثل موقفا شجاعا وانسانيا لكن ماذا تفعل هذه الدول إذا لجأت واشنطن إلي الحرب‏..‏؟
أغلب الظن أنها سوف تسعي إلي طلب وقفها‏,‏ وقد تكون واشنطن حققت أهدافها‏,‏ ووفقا لمبدأ المصالح المشتركة سوف تذوب هذه الخلافات بين أمريكا وهذه الدول‏,‏ وسوف يكون الخاسر الأول هو الشعب العراقي‏!!.‏

‏..‏ ومن هنا وبكل الموضوعية نقول إن الرئيس العراقي صدام حسين عليه مسئولية وطنية تجاه شعبه وأمته العربية‏,‏ بأن يستجيب لصوت العقل والحكمة الذي نادي به الرئيس مبارك بالتجاوب بنسبة‏100%,‏ في ظل وجود دول تعارض العملية العسكرية‏,‏ ويجب أن يستفيد من هذا التأثير علي الولايات المتحدة‏..‏
وبذلك وحده تفلت العراق من طريق الحرب‏,‏ إلي طريق السلام‏,‏ فهل يفعلها الرئيس العراقي؟‏.‏
الأيام القادمة سوف تضع مشهد الختام الذي نتمني أن يكون طريق السلام‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية