|
تحقيق: عبير الضمراني |
 | | د. بهاء الدين |
تحولت مقاومة الدروس الخصوصية إلي معادلة معقدة, بعد سنوات طويلة من تراكم المشكلة وتفاقمها, الأمر الذي أدي إلي صعوبة القضاء علي هذه الظاهرة الخطيرة, بطريقة ترضي الأطراف الثلاثة للمشكلة: أهالي التلاميذ, ووزارة التربية والتعليم, ومافيا الدروس الخصوصية. وأخيرا لجأ وزير التربية والتعليم د. حسين كامل بهاء الدين إلي إجراء حاسم لمواجهة المدرسين والمسئولين بالمديريات التعليمية الذين يثبت تورطهم في ابتزاز أولياء الأمور وترويع أسر التلاميذ, ويقضي الإجراء بنقلهم إلي محافظات أخري غير المحافظات التي يعملون بها, وهو ما أدي إلي تصاعد شكاوي المدرسين والمديرين الذين تعرضوا للنقل, ودفع خبراء التعليم إلي طرح حلول أخري لمواجهة هذه الظاهرة.
في البداية يقول فاروق بدر, المدرس بإحدي مدارس مدينة طنطا: فوجئت بقرار نقلي إلي محافظة السويس ونقل زوجتي المدرسة أيضا إلي محافظة البحيرة, وبما أن هذا يعني تشتيت الأسرة, تقدمت بشكواي للسيد المحافظ فرفعها للوزير الذي وافق علي ضم نقلي إلي البحيرة مع زوجتي. ويضيف: لقد حصلت من قبل علي لقب المدرس المثالي علي مستوي إدارة شرق طنطا علي مستوي التعليم الثانوي كله, فكيف أحصل علي هذا اللقب وأنا أعطي دروسا خصوصية؟.. وكيف أبذل هذا الجهد وأنا مريض بدوالي المرئ وصحتي لا تسمح بإعطاء دروس خصوصية, المؤكد أن هناك خطأ في التحريات عني, وعن زوجتي التي لم تقم بإعطاء دروس خصوصية من قبل.. ونظرا لأن قرار الفصل معناه ترك أبنائي وبناتي بمفردهم, وهم في مراحل عمرية خطيرة, وقيامي بفتح بيت جديد في البحيرة, فقد تحولت حياتي إلي جحيم, مما دفعني لرفع دعوي قضائية ضد القرار, وقد كسبت الدعوي وعدت للعمل في طنطا.
ويتساءل فاروق بدر: لماذا لا يتم فرض غرامة مالية تصل إلي10 آلاف جنيه علي كل من تثبت إدانته برعطاء دروس خصوصية, وإذا عاود الأمر تضاعفت هذه الغرامة بدلا من تشتيت الأسرة, ولماذا لا يتم رفع أجر المدرس من مجموعات التقوية علي أن تكون تحت إشراف جاد وملزم, ويعمل بها مدرسون أكفاء تحت رقابة دقيقة؟. ويقول مصطفي الملا, مدرس كيمياء صدر قرار بنقله إلي بورسعيد: أنا في أجازة منذ ثماني سنوات لرعاية الأسرة, فقد توفي والدي وأقوم برعاية والدتي وأبنائي الثلاثة, وقرار نقلي يعني تشتيت أسرتين وليس أسرة واحدة, فضلا عن المصاريف والنفقات الباهظة التي اتكبدها وتفوق قدرتي وطاقتي, ويتساءل: لماذا لا يكون العلاج بطرق أخري في مقدمتها تحسين دخل المدرس حتي لا يبحث عن مصدر رزق آخر, خاصة وأنه يعتبر مربيا ويريد الحفاظ علي سمعته ولابد من تشجيعه علي ذلك بدلا من تشويه صورته أمام تلاميذه وطلبته.
ويتساءل: كيف يمكن للمدرس التعامل مع الطلبة وتوجيههم, وأن يكون قدوة لهم, ونحن نوقع عليه العقاب ونضعه في ضغوط اقتصادية قاسية تؤثر علي حالته المعيشية؟. هذا فضلا عن أن المدرس الذي يصر علي إعطاء الدروس الخصوصية لن يمنعه النقل من ذلك, فهو يمكن أن يقوم بهذا في أي مكان أو محافظة أخري. أما السيد كامل الشريف الذي صدر قرار بنقله لمحافظة الشرقية فيقول: كنت في أجازة لرعاية الأسرة وبرغم ذلك فوجئت بقرار نقلي بسبب إعطاء الدروس الخصوصية, وأود أن أوضح أن المدرس لا يرغم أولياء الأمور والطلبة علي ذلك, بل أولياء الأمور هم الذين يبحثون عن الدروس لأن الطالب قد يحصل علي مجموع فوق الـ90% ولا يلتحق بكليات القمة, وأولياء الأمور يريدون أن يحصل أولادهم علي100%, ليلتحقوا بهذه الكليات, وقد شجع اضطراب نظام الثانوية العامة وعدم استقراره علي تفشي ظاهرة الدروس, لأنها أصبحت مطلبا لا غني عنه, وخصوصا في ظل نظام السنتين, وفي ظل السماح للطالب بتغيير إتجاتهه من علمي إلي أدبي والعكس في نصف السنة الدراسية, وفي هذه الحالة يكون المدرس قد أنجز عدة أبواب من المنهج, فمن الذي سيقوم بشرح هذه الأجزاء للطلبة الذين غيروا إتجاههم, غير المدرس الخصوصي؟.
|
ويشير أحمد بدوي ــ مدرس فيزياء ــ إلي أنه فوجئ بقرار نقله إلي البحيرة.. ويقول: عمري الآن52 عاما, أرعي أولادي ووالدتي وأعمل بالتعليم منذ25 عاما ولم يوجه لي أي لوم أو لفت نظر أو جزاء طوال مدة عملي, وبرغم ذلك تم نقلي وهذا بلا شك يتسبب في تشتيت أسرتي التي أصبحت بدون عائل. وتدافع زينب قنديل المحامية عن بعض المدرسين الذين صدر ضدهم قرار النقل بقولها: إن الدروس الخصوصية ليست جريمة وان مثل هذا القرار الذي يصدر في منتصف العام الدراسي قد يؤدي الي اضطراب في العملية التعليمية لأن تغيير المدرسيين داخل الفصول يؤدي إلي توتر الطلبة, كما أن المدرسين المنقولين لايستطيعون تعليم التلاميذ بصدر رحب وبروح معنوية مرتفعة فضلا عن أن الكثيرين من المدرسين الذين تم نقلهم لم يقم أحد منهم بإعطاء دروس خصوصية نهائيا ورغم ذلك صدر ضدهم قرار بالنقل, كما أن قانون الادارة المحلية ينص علي أن شئون المدرسين في المحافظات من اختصاص المحافظ وليس من اختصاص الوزير الذي أصدر هذه القرارات بنقل ا لمدرسين, ورغم حصولهم علي أحكام لصالحهم فإن التنفيذ كان شديد الصعوبة. وتضيف تسمح وزارة التعليم للطلبة بمواصلة دراساتهم من المنازل, وعدم التقيد بالذهاب الي المدرسة فكيف يمكن لهؤلاء الطلبة أن يستذكروا دروسهم بدون دروس خصوصية؟ كما أن قرار نقل المدرسين لن يمنع المدرس الذي يريد أن يعطي درسا من ذلك, حيث يمكن أن يقوم بهذا في أي مكان آخر بل علي العكس سوف يلقي اقبالا في المحافظة التي تم نقله اليها لان أستاذا آخر قد ترك له مكانه شاغرا بعد أن تم نقله أيضا وفي هذه الحالة سيكون أولياء الأمور علي أكمل الاستعداد لدفع أجور عالية لانقاذ الموقف بعد أن ترك المدرس الخصوصي أبناءهم بسبب نقله إلي محافظة أخري.
رأي الخبراء الدكتور عبدالسلام عبدالغفار وزير التعليم السابق ومقرر المجلس القومي للتعليم يؤكد أن الدروس الخصوصية آفة أصابت النظام التعليمي, وانتقل عن طريقها التعليم من المدرسة إلي مراكز الدروس الخصوصية أو المنازل, لذا يجب علي الوزارة أن تستمر في جهودها لإعادة التعليم الي المدرسة, خاصة أن الدولة رصدت أموالا ضخمة لانشاء أكبر عدد ممكن من المدارس, ولكننا مازلنا في حاجة لتطوير التعليم أيضا بحيث تصبح المدرسة صالحة لتلقي العلم والتربية حتي يطمئن أولياء الأمور علي أبنائهم ويتكاتفوا مع الوزارة في مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة. تري الدكتوره مي شهاب أستاذة أصول التربية بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمويية وعضو لجنة التعليم بالمجلس القومي للمرأة, أن حل مشكلة الدروس الخصوصية يحتاج إلي جهد ووقت كبيرين, ويجب أن يبدأ الحل من تغيير أسلوب الامتحان بحيث لا يعتمد قياس المهارات علي الحفظ والتذكر بل علي أسلوب حل المشكلات والبحث والتفكير فعندما توضع أسئلة في الامتحانات تقيس هذه المهارات التي تختلف من شخص لآخر سيعرف الطالب انه لم يعد في حا جة إلي الدروس الخصوصية القائمة علي التلقين كما يجب ان يشمل الامتحان الاختبارات الشفوية والتجارب العلمية في المعمل والأبحاث والأنشطة بحيث لايكون الامتحان الاخير هو المقياس الوحيد للطالب. وتؤكد د. مي شهاب ضرورة الوصول لمرتبة المنافسة العالمية بأن تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع والجمعيات والمنظمات غير الحكومية لتحويل وتغيير المنظومة كلها حتي يخلص إلي طالب متفتح الذهن, سوف يعيش في زمن غير الذي نعيش فيه, وهو زمن في حاجة الي قدرات ومهارات نوعية, لن يوفرها مناخ الاعتماد شبه الكامل علي الدروس الخصوصية, التي تنتج لنا طالبا متواكلا غير قادر علي تحمل المسئولية أومواجهة تحديات العصر.
تطوير المناهج د. عايدة أبوغريب رئيس بعثة تطوير المناهج بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية سابقا تري أن علاج المشكلة يبدأ من تطوير الأسلوب الذي يدرس به المعلمون في المدرسة والمتبع الآن في مدارسنا, حيث يظل الطالب في موقف المتلقي السلبي من الاستاذ أو الكتاب المدرسي, ويحاول المعلم نقل ما في الكتاب للطالب, في الوقت الذي نجد فيه موقف الطالب في العالم كله إيجابيا ومشاركا في العملية التعليمية وتشر الي أن النظريات القديمة كانت تري أن المعلم هو محور العملية التعليمية ولكن النظريات الحديثة تري أن التلميذ هو المحور الأساسي فيها ويقوم بدوره في عملية التعليم والنشاط تحت اشراف وتوجيه المعلم, فالتلميذ يعلم نفسه بنفسه, علي أن يستمر ذلك طوال حياته داخل المدرسة أو خارجها. وتقول الدكتوره عايدة ان في الكتاب المدرسي لم يعد هو المادة الوحيدة التي يستقي منها التلميذ معارفه ولكن هناك مواد تعليمية عديدة أخري, والتعليم لم يعد معرفة فقط, بل مهارات وقيم واتجاهات واكتشاف وتنمية قدرات ومواهب والتركيز علي الكتاب المدرسي فقد لاينمي هذه القدرات, كما أن الامتحان يركز علي قياس المعلومات من داخل الكتاب ولأن الطالب يريد الحصول علي درجات مرتفعة فانه يلجأ الي الدروس الخصوصية لحفظ المادة التعليمية الموجودة داخل الكتاب, لذا يجب ألا يكون الامتحان في الثانوية العامة علي وجه الخصوص هو أساس لالتحاق بالجامعة, مع ضرورة عودة اختبارات القدرات بالكليات. كذلك علي المدرس أن يعيد تفكيره في مسألة الدروس الخصوصية فلا يحاول تحسين دخله علي حساب مسألة قومية, وعليه أن يطالب بحقوقه بالطرق الشرعية بدلا من هدم العملية التعليمية, أيضا علينا أن نطلع علي مناهج الدول المتقدمة وتحليلها وتطبيق التجارب الناجحة منها, حيث نجد عددا من الدول تكرر المنهج ذاته في السنوات الدراسية الأولي, لكنها تجعل العديد من دور النشر تقوم باعداد الكتب في المادة العلمية ذاتها بأسلوب مختلف حسب البيئة والمكان والمنطقة التعليمية التي سيتم فيها التدريس, فمثلا يتم شرح المادة في محافظة مثل أسوان باستخدام نماذج وأمثلة من المحافظة وكل هذا يعني أن أسلوب التدريس داخل الفصل يساعد بلا شك علي مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية وبما أن العلم هو أساس التقدم فعلينا أن نهتم بتدريب المعلم وتغيير أسلوب الامتحان وتأهيل الطالب بالفكر والمهارات بما يجعله مواطنا قادرا علي الحياة الفاعلة في القرن الحادي والعشرين. |
|
|
|
|