|
|
 |
خلال الفترة من27 يناير الماضي وحتي التاسع من فبراير الحالي قمت بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية ضمن وفد مصري ضم الدكتور يوسف بطرس غالي, والدكتور أسامة الباز, والسيد جمال مبارك, ومسئولين رسميين وحزبيين وممثلين للقطاع الخاص والمجتمع المدني. وكانت هذه هي المرة الأولي التي أزور فيها أمريكا ضمن وفد رسمي بعد أن زرتها عشرات المرات كطالب وأكاديمي وصحفي وكانت التجربة مختلفة بكل التأكيد عن كل المرات السابقة بسبب الظروف وبسبب المهمة. أما الظروف فقد كانت صعبة بحكم تتالي الأحداث التي تمثل العد التنازلي لحرب الخليج الثالثة منذ أعلن هانز بليكس ومحمد البرادعي تقريرهما, وألقي الرئيس جورج بوش بخطاب الاتحاد, ووقف كولين باول وزير الخارجية يعرض الصور ويسمع مجلس الأمن تسجيلات إدانة النظام العراقي بتضليل فرق التفتيش الدولية, وكأن كل ذلك ليس كافيا فقد احتدمت الأمور في الشرق الأوسط أكثر مما كانت محتدمة مع الفوز غير التقليدي لحزب الليكود ورئيسه أرييل شارون, كما أن مكوك الفضاء كولومبيا انفجر في طريق عودته إلي مدينة هيوستون بينما كان الوفد المصري معلقا بين السماء والأرض في الطريق إليها. أما المهمة فقد كانت لا تقل صعوبة وسط كل هذه الظروف وهي ليست فقط تبادل الرأي والاستماع إلي وجهات النظر المختلفة علي الجانبين المصري والأمريكي, وإنما أيضا تحقيق تقدم في العلاقات المصرية ـ الأمريكية علي الأصعدة المختلفة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية خلال فترة عصيبة ومنذرة بتطورات كبري, وقد حدث ذلك من خلال سلسلة من المقابلات مع مؤسسات رسمية وصحفية وبحثية ومالية واقتصادية في ثلاث مدن أمريكية, بالإضافة إلي ثلاثة لقاءات عامة حول العلاقات المصرية ـ الأمريكية كان أولها بالاشتراك مع مجلس الشئون الخارجية في نيويورك, وثانيها مع معهد جيمس بيكر للدراسات الدولية بجامعة رايس في هيوستون, وثالثها مع مجلس السياسة الخارجية التابعة لمؤسسة كارنيجي في واشنطن.
والحقيقة الأولي التي يمكن استخلاصها من كل هذه اللقاءات هي أن الحرب في العراق واقعة لا محالة مالم تحدث معجزة, وعلي أية حال ـ كما قال مسئول أمريكي ـ فإن المعجزات ليست من صفات هذا الزمان, أو ينتحر الرئيس العراقي أو يذهب الي المنفي, وعلي أية حال ـ كم قال مسئول أمريكي آخخر فإنه لم يحدث في التاريخ أن قام شخص بالانتحار ولديه كل هذه التماثيل التي اقامها لتخليد ذاته! وربما كان الأهم من اليقين بحدوث الحرب هو عدم اليقين الكامل في كل شيء سوف يأتي بعدها, فليس معلوما علي وجه اليقين كيف سيتصرف الشعب العراقي مع القوات الأمريكية وإن كان الاتجاه الغالب لدي الرسميين الأمريكيين هو أنه سوف يكون مرحبا. وبشكل عام سلم من قابلناهم من الأمريكيين في السلطة وخارجها أن حرب الخليج الثالثة مثلها مثل كل الحروب تؤدي إلي تغيرات عميقة في البيئة الدولية والإقليمية, ومع ذلك فقد استبعدوا أو قللوا من إمكانيات حدوث سيناريو الجحيم الذي أشرنا له في مقالات سابقة, وبصفة عامة, فقد كان الاتجاه نحو التفاؤل سائدا في أن تمضي الأمور كما رسمتها الإدارة الأمريكية بحيث يتم تطبيق الدستور الديمقراطي الفيدرالي الذي جري وضعه, وتجري بسهولة عملية الإحلال والتبديل من حكم حزب البعث إلي إدارة مدنية جديدة كما تم الترتيب لها, وكانت لدي الأمريكيين آمال عريضة في معاونة الدول الأوروبية والعربية في عملية إعادة البناء وإدارة العراق بعد الحرب حتي تقف علي أرجلها من جديد.
الحقيقة الثانية هي أنه حتي تتم تسوية مسألة العراق فإن موضوع فلسطين مؤجل كما كان مؤجلا من قبل بسبب العمليات الانتحارية, وربما عكس خطاب الرئيس الأمريكي عن حالة الاتحاد هذا المزاج عندما لم يقترب ـ فيما عدا جملة واحدة ـ من موضوع الصراع العربي ـ الإسرائيلي في جانبه الفلسطيني, ومن المرجح أن استبعاد الموضوع ليس راجعا فقط إلي الأزمة العراقية بل لأن هناك حالة من الإرهاق الدبلوماسي والسياسي الأمريكي العام عقب الجهود الفائقة التي بذلها الرئيس بيل كلينتون وانتهت إلي الفشل. وفي ظل هذه الحالة فإن الاقتراب الأمريكي من إسرائيل وقائدها شارون بات يتعدي كل المراحل والحالات الأمريكية المعروفة خاصة بعد النجاح الإسرائيلي في اقناع واشنطن أنه وسط نوبات الرفض والتردد الأوروبية والعربية فإن إسرائيل وحدها هي النصير للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب والحرب ضد العراق. والحقيقة الثالثة أن العلاقات المصرية ـ الأمريكية قوية ذات خصوصية, ولا يظهر ذلك من خلال الترحيب الشعبي والرسمي بالوفد المصري فقط, بل أيضا من خلال التطلع لعلاقات أوثق وأعمق علي أساس إن مصر ـ كما قال أكثر من مسئول أمريكي ـ ليست مثل دول الشرق الأوسط بل أن لها مكانتها الخاصة التاريخية والاستراتيجية. وبقدر ما يفسر ذلك استمرار العلاقات الأمنية والاقتصادية الوثيقة, وأن مصر لاتزال رغم وجود خلافات كثيرة في الرأي من الدول التي يضعها الأمريكين في قائمة الدول المفضلة حسب استطلاعات مؤسسة جالوب, إلا أنه لا يمكن إغفال أن العلاقات تقوم علي ركائز أساسية كلها تعود إلي الماضي بأكثر مما تعد الحال للحاضر والمستقبل.
فمنذ اللقاء الذي جري بين الرئيس أنور السادات وهنري كيسنجر وزير الخارجي الأمريكية يوم السادس من نوفمبر1973 قامت العلاقات المصرية ـ الأمريكية علي أربع ركائز هي عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية, وتحقيق أمن الخليج, والعمل من أجل الاستقرار في الشرق الأوسط, ومساعدة مصر اقتصاديا لكي تكون ركيزة انجاز هذه الأهداف, وبدون الدخول في كثير من التفاصيل فقد استفادت مصر وأمريكا من علاقاتهما المشتركة بأكثر مما استفادت أي منهما من علاقاتها مع دول أخري, وكان كلاهما في الجانب المنتصر في الحرب الباردة, وحرب الخليج الأولي والثانية, كما كان كلاهما حاضرا في التقدم الذي حدث في عملية السلام والتي أدت إلي استعادة مصر والأردن لأراضيهما المحتلة وايجاد حالة من استحالة الحرب الإقليمية. وتمكن الطرفان من وقف نوبات من الراديكالية القومية والإسلامية هبت من إيران والعراق ومن تقلصات التغير الاقتصادي والاجتماعي والنفسي داخل جماعات العرب والمسلمين. ومن الناحية الاقتصادية البحتة استفادت مصر من العلاقة عندما أدت المعونات الأمريكية لها إلي جلب معونات أخري من أوروبا واليابان وأدت كلها ـ بالإضافة للاصلاحات المصرية الخاصة ـ إلي تخفيض الفقر في مصر, وعيش المصريين فوق ضعف المساحة التي كانوا يعيشون عليها قبل عقدين. أما أمريكا فقد استفادت أيضا حينما نجحت استثماراتها في مصري, وعندما حققت فائضا تجاريا كان تراكمه يساوي ثلاث مرات إجمالي المعونة الاقتصادية الأمريكية لمصر.
وبرغم هذا السجل الحافل للعلاقات بين القاهرة وواشنطن إلا أن الظروف المتغيرة تقتضي مراجعة لأسسها مرة أخري ومراعاة الشكوك المتبادلة التي تراكمت خلال العامين الماضيين. فمن المؤكد أن عملية السلام قد تعرضت لضربات بالغة الشدة, وأحرز الرافضون لها نجاحات غير مسبوقة عندما تم تقليص نفوذ المعتدلين وهيمنة تأثير المتطرفين علي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وبرغم التقدير الأمريكي للدور المصري الحالي للتوفيق بين التيارات الفلسطينية المختلفة من أجل توفير الشروط الموضوعية لتطبيق خريطة الطريق, إلا أن قليلا من الأمريكيين يظنون أن الأمور مبشرة في هذا الاتجاه, ولأول مرة بعد عقدين من المواقف المشتركة الخاصة بأمن الخليج يبدو أن الحرب الأمريكية القادمة ضد العراق طريق أمريكي خالص, وبدلا من أن تكون أمريكا أحد مصادر الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط, فإن سياستها المتولدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تقود بأشكال مختلفة إلي عدم الاستقرار في المنطقة. الخلاصة الواضحة لكل ذلك هي أنه رغم استمرار العلاقات الوثيقة بين أمريكا ومصر والتي تتمثل في استمرار المعونات الأمريكية لمصر مع استعداد أمريكي واضح لمعاونة مصر في التغلب علي الصعوبات الاقتصادية المقبلة والناتجة عن حرب الخليج الثالثة, فإن الظروف المتغيرة تقطع بأن هناك حالة ملحة ليس فقط لمراجعة العلاقة وإنما أيضا إجراء حوارات استراتيجية عميقة لدعم الركائز السابقة ووضع ركائز جديدة. ورغم أن التعاون الأمني والسياسي بين البلدين لا يزال عميقا إلا أنه لا يمكن تجاهل مستجدات جديدة وتحركات إقليمية ودولية باتت تلقي بظلها علي العلاقة, ولاشك أن المستجدات والتحركات سوف تزيد عقب الحرب المقبلة في العراق, وكلها تحتاج الي المراقبة والفهم والتعامل بالطريقة التي تعزز العلاقات بين الطرفين. ولكن وبصراحة كاملة فربما نحتاج قبل بناء تفاهم استراتيجي مع واشنطن أن نصل نحن في مصر إلي تصور حول المنطقة ومستقبلها بعد الحرب وموضعنا ودورنا فيها. |
|
|
|
|
|