ملفات الأهرام

42441‏السنة 126-العدد2003فبراير17‏16 من ذى الحجة 1423 هـالأثنين

المال والانتخابات
بقلم : عمرو هاشم ربيع

كثير هو الحديث عن دور المال في الانتخابات البرلمانية في كل بلدان العالم‏,‏ سواء المتقدم منها أو النامي حيث تزداد الفوارق الاجتماعية إذ يقل عدد الحائزين علي غالبية الدخول‏,‏ وتزداد نسبة الفقر والأمية‏.‏ في هذا الاطار تقوم فئة محددة من أبناء المجتمع معظمها من القادرين بالترشح لعضوية البرلمان‏.‏ أما الفقراء‏,‏ وهم الذين يعزفون عادة عن المشاركة في الاقتراع فإنهم قلما يشاركون في الترشح لعضوية المجلس النيابي‏.‏
علي هذا الأساس‏,‏ يلعب المال دورا جوهريا في الانتخابات‏.‏

ولايقف هذا المال عند تناول السبل الكفيلة بمواجهة ظاهرة سطوة المال في الانتخابات‏,‏ بل يتطرق إلي تناول ابعاد تلك الظاهرة بمختلف جوانبها‏.‏
ويقصد بالمال الانتخابي في هذا السياق‏,‏ المفهوم الواسع أو المرن للمال بمعني أنه لايقتصر علي المال بمعني السيولة النقدية أو الشيكات أو الارصدة المالية‏,‏ بل اضافة إلي كل ذلك يقصد بمفهوم المال الانتخابي كل الأمور التي تحقق مزايا مادية أو عينية‏,‏ كان لايمكن لأصحابها ألا يحققوها لولا الانتخابات‏.‏ وفي هذا الصدد تدخل زيادة المرتبات والوعود بتشغيل العاطلين عن العمل‏,‏ والترقيات والتهديد بإلغاء الحوافز أو المكافآت وغيرها من المميزات‏..‏ الخ‏,‏ ضمن الأمور التي تدخل في اطار الادوار التي يلعبها المال في الانتخابات‏.‏
ووفقا لهذا المفهوم للمال الانتخابي‏,‏ يمكن ان يتطرق أي حديث حول هذا الموضوع إلي خمسة أمور اساسية هي‏:‏ الطرف الذي يوجه إليه المال في العملية الانتخابية‏,‏ وشكل المال المقدم في الانتخابات‏,‏ والعلاقة بين المال المقدم وطبيعة المنطقة أو الدائرة الانتخابية‏,‏ والغرض من المال المقدم في الانتخابات‏,‏ من حيث كونه مالا مدفوعا بشكل عاجل أم مؤجل في صورة وعود‏.‏

توجيه المال الانتخابي
يوجه المال الانتخابي عادة إلي ثلاثة مصادر‏:‏ المرشحين بكسر الشين أي القائمين علي ترشيح اعضاء البرلمان والناخبين والمرحشين بفتح الشين أي الأشخاص المرشحون للانتخاب لعضوية البرلمان‏.‏
ويتجه المال الموجه إلي المصدر الأول‏,‏ أي المرشحين بكسر الشين‏,‏ إلي جهتين‏:‏ الجهة الأولي الأفراد القائمين علي اعداد القوائم الحزبية ويرتبط هذا الأمر بعملية الفساد الهيكلي داخل العديد من البلدان النامية‏,‏ حيث يأمل المواطنون أن تقوم الاحزاب خاصة الحاكمة بترشيحهم علي قوائمهم ويقوم هؤلاء مقابل ذلك بدفع مبالغ مالية للقائمين علي ترشيحهم‏.‏ ومما لاشك فيه‏,‏ أن تلك المبالغ الكبيرة التي تدفع لهذا الغرض‏,‏ برغم الاحساس بضخامتها لدي المواطن العادي انها تعد ضئيلة أو محدودة‏,‏ قياسا إلي الشخص الساعي للحصول علي عضوية البرلمان عبر الدعم الحزبي‏,‏ في مقابل ماسيعود عليه من نفع من خلال عضوية للبرلمان‏,‏ وذلك من جراء اكتساب الوجاهة الاجتماعية أو استغلال العضوية في أعمال غير مشروعة تغدق عليه الأموال المستنزفة من أقوات المواطنين‏,‏ وذلك كله نتيجة استغلال الحصانة البرلمانية‏,‏ التي توفرها البرلمانات لأعضائها‏,‏ التي تتيح لذوي الضمائر الضعيفة‏,‏ حرية ممارسة أنشطتهم غير المشروعة‏.‏

أما الجهة الثانية‏,‏ فهي توجيه المال إلي الحزب القائم بالترشيح‏,‏ وفي هذا الاطار يدعم الأفراد والمنظمات‏,‏ الأحزاب السياسية وغيرها من القوي القائمة علي الترشيح في البرلمان‏,‏ التي يري أنها يمكن ان تعبر عن توجهاتها هؤلاء في المجتمع‏,‏ وذلك كله بغرض دفع هذه الاحزاب والقوي السياسية الي تقديم مرشحيها في الانتخابات‏,‏ والانفاق علي الدعاية الانتخابية بما يضمن فوز بعض هؤلاء المرشحين بعضوية البرلمان‏,‏ وهذا النوع من الدعم هو دعم مشروع لأنه لايوجه لاشخاص‏,‏ وان كان يرتبط بدعم حزب أو جماعة مصلحة أو خلافه‏.‏
أما المصدر الثاني‏,‏ فهو توجيه المال إلي الناخبين أنفسهم‏,‏ وذلك كنوع من الرشوة المباشرة بشراء اصواتهم‏,‏ وذلك بشكل فردي أو جماعي كاستغلال المصاعب الاقتصادية التي يعيشونها‏,‏ مستغلين في ذلك مناخ الأمية الذي يرزح تحته هؤلاء وبطبيعة الحال‏,‏ فإن هذا النوع من المال الانتخابي‏,‏ يتسم بالانتهازية والفساد‏,‏ وهو أسلوب عادة مايستخدم في بلدان العالم الثالث‏,‏ خاصة في البلدان التي تتم فيها الانتخابات بالنظام الفردي‏,‏ حيث تكون العلاقة مباشرة بين المرشح والناخب‏,‏ الأمر الذي يتيح حرية أكبر للطرفين للانفاق وتتسم صور المال المقدم في هذا الاطار بالتعدد‏,‏ علي أن أكثرها شيوعا يتمثل في فئة المرشحين أؤ كلاهم بدفع مبالغ نقدية للناخبين أمام لجان الاقتراع بعد الادلاء بالصوت مباشرة‏.‏
وبالنسبة إلي المصدر الثالث‏,‏ فهو توجيه المال إلي المرشحين بفتح الشين‏,‏ أي الاشخاص المرشحين لعضوية البرلمان‏.‏ ويتسم هذا النوع من التوجيه‏,‏ بدعم حزب سياسي أو قوي سياسية أو جماعية منظمة أو غير منظمة‏,‏ مرشحا أو مجموعة من المرشحين‏,‏ بغية مساعدتهم في العملية الانتخابية عامة والدعاية الانتخابية خاصة‏,‏ بما يضمن تمثيلهم في البرلمان‏,‏ أو علي الأقل الحد من فرص فوز خصمهم‏,‏ وقد يتسم هذا النوع من الدعم باغداق الخصم نفسه بالمال‏,‏ بغرض تنازله عن الترشيح لصالح المرشح الموالي للطرف القائم بالدعم المالي‏.‏

شكل المال المقدم
وتختلف صور المال المقدم في الانتخابات‏,‏ كما سبق ذكره‏.‏ إذ قد يأخذ هذا المال صورة سيولة مادية‏,‏ أو خدمات‏.‏
ففيما يتعلق بالسيولة المادية‏,‏ يتم ذلك من خلال أمرين‏:‏ الأول‏,‏ مقدم لشخص يقوم بدعم ترشيح شخص ما علي قائمة قوي سياسية أو مقدم لأحد المرشحين لتنازله عن الترشيح‏,‏ أو مقدم للناخبين‏,‏ ويكون ذلك عادة في شكل نقدي‏,‏ وليس شيكات‏,‏ لأن المال المقدم يتم بشكل غير مشروع‏,‏ ومن ثم يخشي من تداول الشيكات في هذا الصدد‏,‏ حتي لايكتشف الأمر في يوم من الايام‏,‏ وتصير فضيحة كبري لهذا المسئول أو القيادي أو المرشح أو الناخب‏.‏

أما الأمر الثاني‏,‏ فيتم من خلاله تقديم المال في شكل شيكات لدعم حزب أو قوي سياسية في العملية الانتخابية عامة‏,‏ أو مرشح محدد في معركته الانتخابية في احدي الدوائر التي تهم الطرف المانح‏.‏
كما قد يقدم المال في صورة خدمات‏,‏ وفي هذا الصدد تنقسم الخدمات المقدمة إلي نوعين‏,‏ خدمات شخصية يقدمها المرشح أو تقدم للمرشح‏,‏ وخدمات عامة لابناء الدائرة‏.‏

ففيما يتعلق بالخدمات الشخصية‏,‏ يقدم المال الانتخابي في صورة خدمات للناخب‏,‏ خاصة الناخب الذي لديه القدرة علي قيادة مجموعة لا بأس بها من الناخبين‏.‏ كما قد تقدم الخدمة للمرشح المنافس‏,‏ مقابل تنازله عن الترشيح‏,‏ كأن يعين في وظيفة ما‏,‏ أو يرقي لدرجة أكبر‏..‏ الخ‏.‏ ولعل أبرز صور الخدمات الشخصية في الانتخابات‏,‏ تلك التي تقدم للمرشح من قبل جمهوره‏,‏ ويأخذ هذا العمل في الاغلب الأعم صورة عمل من أعمال الدعاية الانتخابية‏,‏ وذلك في صورة تجهيز أماكن لعقد مؤتمرات انتخابية‏,‏ أو لافتات أو اعلانات عبر وسائل الإعلام المختلفة‏,‏ وقد حدث كثيرا في مصر أن تجاوزت نسبة الدعاية الانتخابية للمرشح المبلغ المقرر‏,‏ فكانت حجة المرشح أن الناخبين أنفسهم قاموا بدفع تلك المبالغ‏,‏ ومن ثم فإنه لم يخرق القانون‏.‏
أما فيما يتعلق بالخدمات العامة‏,‏ فيقدم المال علي شكل خدمة ما لأبناء الدائرة عموما كبناء مدرسة أو مستشفي أو رصف طريق أو شق ترعة أو بناء دور عبادة‏..‏ الخ‏,‏ ويتسم هذا النوع من المال بالعمومية‏,‏ بمعني أنه عمل يستفيد منه معظم الناخبين من أبناء الدائرة‏.‏

العلاقة بين المال والدائرة
ويتوقف حجم المال الانتخابي المباشر أي المدفوع في صورة أموال سائلة نقدا أو شيكات‏,‏ علي المنطقة التي تجري فيها الانتخابات‏,‏ من حيث كون تلك المناطق حضرية أو ريفية أو بدوية‏.‏
ففي المناطق الحضرية‏,‏ تزداد درجة اللجوء إلي المال‏,‏ خاصة بين المرشح والناخب‏,‏ وذلك نتيجة عدم المعرفة المسبقة بين المرشح وغالبية الناخبين‏,‏ واستغلالا من المرشحين لضعف القدرات الاقتصادية للناخبين‏,‏ وسعيا لكسب الكثير من المرشحين لأكبر عدد من الاصوات في مواجهة الخصوم‏,‏ الذين يتسمون بالكثرة داخل الدائرة الانتخابية الواحدة‏.‏
وعلي العكس من ذلك‏,‏ فإن العلاقة بين الناخب والمرشح في المناطق الريفية والبدوية‏,‏ تحكمها العصبيات‏,‏ ويصبح المال المباشر فيها وسيلة غير متواترة الاستخدام في العملية الانتخابية‏,‏ ناهيك بالطبع عن أن قلة عدد المرشحين النابع من اتفاق الدائرة علي وجود عدد محدد من ابناء الدائرة سوف يجري السباق الانتخابي بينهما‏,‏ ويحجم إلي حد كبير من دور المال الانتخابي‏.‏

غرض المال وآجله
ويتوقف المال الانتخابي علي الغرض منه‏,‏ فقد يكون الغرض هو جلب التأييد لمرشح‏,‏ أو منع التأييد عن مرشح‏,‏ وقد يكون غرضه تحييد المرشحين أو الناخبين‏.‏ ويتم أكثر صور تحييد المرشحين‏,‏ بتنازلهم عن الترشيح‏.‏ أما تحييد الناخبين‏,‏ فتتم بدفع المال لضمان عدم تصويتهم للمرشح الموالي أو الخصم في ذات الوقت‏.‏
ويقدم المال الانتخابي في شكلين مختلفين‏,‏ أولهما مال مدفوع‏,‏ والثاني مال مؤجل الدفع‏.‏

ففيما يتعلق بالمال المدفوع‏,‏ يتم استخدام هذا الأسلوب عادة قبل الانتخابات‏,‏ حيث يلجأ إلي هذه الوسيلة لضمان سرعة استجابة الاطرف الذي يقوم بدفع المال لرغبات الطرف المتلقي للمال‏,‏ وذلك كي يستخدم المال الذي يتم ضخه‏,‏ لدعم الدعاية الانتخابية‏,‏ أو لتنازل مرشح‏,‏ أو لتضمين قائمة الحزب لمرشح ما‏.‏
أما المال المؤجل‏,‏ فهو المال المقدم في شكل وعود انتخابية‏,‏ وعادة ما تقدم تلك الوعود بحق الناخبين من أبناء الدائرة أو جماعة من الاشخاص من قادة الرأي الذين يملكون كتل تصويتية كبيرة داخل الدائرة‏.‏ وفي هذا الصدد يوعد المرشح علي سبيل المثال بعض الناخبين بالعمل في وظائف محددة‏,‏ إذا ما انتخب‏,‏ كما يوعد المرشحين أو الاحزاب المرشحة في الانتخابات‏,‏ بدعم البنية الاساسية للدائرة في مجالات الصحة أو التعليم أو المواصلات‏..‏الخ‏,‏ إذا ما فازوا في الانتخابات‏.‏

علي هذا الأساس‏,‏ تعدد أشكال استخدامات المال في الانتخابات البرلمانية‏.‏ وبطبيعة الحال‏,‏ فإنه كلما كان الاعتماد علي المال في الانتخابات متزايدا‏,‏ كانت المعركة الانتخابية‏,‏ تتم بشكل منحاز لصالح القوي التي تملك القدرة المالية الضخمة‏,‏ وهي ليست بالضرورة القوي صاحبة الحق الشرعي في التمثيل في عضوية المجالس النيابية‏.‏
ولذلك‏,‏ فإن أي معالجة لاصلاح أي نظام انتخابي يجب ان تتطرق حتما تنـظيم استخدام المال في الانتخابات عامة‏,‏ وذلك عوضا عن الاكتفاء ببحث أسلوب الانتخاب من حيث كونه فرديا أم قائمة نسبية أو خلافة‏.‏ ومما لاشك فيه‏,‏ أن مثل هذا الاصلح يجب أن يسد جميع أو معظم الثغرات سابق الاشارة إليها‏,‏ للقضاء علي سطوة المال‏,‏ وسد منابع الفساد الانتخابي‏,‏ ووصول ممثلي الناخبين الحقيقيين لمقاعد البرلمان‏.‏

مقدمة
تتطرق صفحة قضايا استراتيجية اليوم إلي أحد أهم قضايا الانتخابات البرلمانية‏,‏ وهي قضية تدخل المال في الانتخابات البرلمانية‏,‏ وفي هذا الصدد‏,‏ يتناول المقال الأول دور المال عامة في الانتخابات‏,‏ حيث يتطرق إلي المقصود بالمال الانتخابي‏,‏ والطرف الذي يوجه إليه المال‏,‏ وشكل المال المقدم‏,‏ والعلاقة بين المال وطبيعة المنطقة أو الدائرة الانتخابية‏,‏ والغرض من المال المقدم‏,‏ وأجله‏.‏
أما المقال الثاني‏,‏ فيدرس أثر المال علي انتخابات مجلس الشعب في الانتخابات البرلمانية السابقة‏,‏ ويتطرق تحديدا للدعاية الانتخابية‏,‏ وكيف ان المال يمكن ان يسهم في وصول غير الممثلين الحقيقيين لمجلس الشعب‏,‏ ومن ثم التأثير السلبي علي دور المجلس التشريعي والرقابي‏.‏

موضوعات أخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية