كثير هو الحديث عن دور المال في الانتخابات البرلمانية في كل بلدان العالم, سواء المتقدم منها أو النامي حيث تزداد الفوارق الاجتماعية إذ يقل عدد الحائزين علي غالبية الدخول, وتزداد نسبة الفقر والأمية. في هذا الاطار تقوم فئة محددة من أبناء المجتمع معظمها من القادرين بالترشح لعضوية البرلمان. أما الفقراء, وهم الذين يعزفون عادة عن المشاركة في الاقتراع فإنهم قلما يشاركون في الترشح لعضوية المجلس النيابي. علي هذا الأساس, يلعب المال دورا جوهريا في الانتخابات.
ولايقف هذا المال عند تناول السبل الكفيلة بمواجهة ظاهرة سطوة المال في الانتخابات, بل يتطرق إلي تناول ابعاد تلك الظاهرة بمختلف جوانبها. ويقصد بالمال الانتخابي في هذا السياق, المفهوم الواسع أو المرن للمال بمعني أنه لايقتصر علي المال بمعني السيولة النقدية أو الشيكات أو الارصدة المالية, بل اضافة إلي كل ذلك يقصد بمفهوم المال الانتخابي كل الأمور التي تحقق مزايا مادية أو عينية, كان لايمكن لأصحابها ألا يحققوها لولا الانتخابات. وفي هذا الصدد تدخل زيادة المرتبات والوعود بتشغيل العاطلين عن العمل, والترقيات والتهديد بإلغاء الحوافز أو المكافآت وغيرها من المميزات.. الخ, ضمن الأمور التي تدخل في اطار الادوار التي يلعبها المال في الانتخابات. ووفقا لهذا المفهوم للمال الانتخابي, يمكن ان يتطرق أي حديث حول هذا الموضوع إلي خمسة أمور اساسية هي: الطرف الذي يوجه إليه المال في العملية الانتخابية, وشكل المال المقدم في الانتخابات, والعلاقة بين المال المقدم وطبيعة المنطقة أو الدائرة الانتخابية, والغرض من المال المقدم في الانتخابات, من حيث كونه مالا مدفوعا بشكل عاجل أم مؤجل في صورة وعود.
توجيه المال الانتخابي يوجه المال الانتخابي عادة إلي ثلاثة مصادر: المرشحين بكسر الشين أي القائمين علي ترشيح اعضاء البرلمان والناخبين والمرحشين بفتح الشين أي الأشخاص المرشحون للانتخاب لعضوية البرلمان. ويتجه المال الموجه إلي المصدر الأول, أي المرشحين بكسر الشين, إلي جهتين: الجهة الأولي الأفراد القائمين علي اعداد القوائم الحزبية ويرتبط هذا الأمر بعملية الفساد الهيكلي داخل العديد من البلدان النامية, حيث يأمل المواطنون أن تقوم الاحزاب خاصة الحاكمة بترشيحهم علي قوائمهم ويقوم هؤلاء مقابل ذلك بدفع مبالغ مالية للقائمين علي ترشيحهم. ومما لاشك فيه, أن تلك المبالغ الكبيرة التي تدفع لهذا الغرض, برغم الاحساس بضخامتها لدي المواطن العادي انها تعد ضئيلة أو محدودة, قياسا إلي الشخص الساعي للحصول علي عضوية البرلمان عبر الدعم الحزبي, في مقابل ماسيعود عليه من نفع من خلال عضوية للبرلمان, وذلك من جراء اكتساب الوجاهة الاجتماعية أو استغلال العضوية في أعمال غير مشروعة تغدق عليه الأموال المستنزفة من أقوات المواطنين, وذلك كله نتيجة استغلال الحصانة البرلمانية, التي توفرها البرلمانات لأعضائها, التي تتيح لذوي الضمائر الضعيفة, حرية ممارسة أنشطتهم غير المشروعة.
أما الجهة الثانية, فهي توجيه المال إلي الحزب القائم بالترشيح, وفي هذا الاطار يدعم الأفراد والمنظمات, الأحزاب السياسية وغيرها من القوي القائمة علي الترشيح في البرلمان, التي يري أنها يمكن ان تعبر عن توجهاتها هؤلاء في المجتمع, وذلك كله بغرض دفع هذه الاحزاب والقوي السياسية الي تقديم مرشحيها في الانتخابات, والانفاق علي الدعاية الانتخابية بما يضمن فوز بعض هؤلاء المرشحين بعضوية البرلمان, وهذا النوع من الدعم هو دعم مشروع لأنه لايوجه لاشخاص, وان كان يرتبط بدعم حزب أو جماعة مصلحة أو خلافه. أما المصدر الثاني, فهو توجيه المال إلي الناخبين أنفسهم, وذلك كنوع من الرشوة المباشرة بشراء اصواتهم, وذلك بشكل فردي أو جماعي كاستغلال المصاعب الاقتصادية التي يعيشونها, مستغلين في ذلك مناخ الأمية الذي يرزح تحته هؤلاء وبطبيعة الحال, فإن هذا النوع من المال الانتخابي, يتسم بالانتهازية والفساد, وهو أسلوب عادة مايستخدم في بلدان العالم الثالث, خاصة في البلدان التي تتم فيها الانتخابات بالنظام الفردي, حيث تكون العلاقة مباشرة بين المرشح والناخب, الأمر الذي يتيح حرية أكبر للطرفين للانفاق وتتسم صور المال المقدم في هذا الاطار بالتعدد, علي أن أكثرها شيوعا يتمثل في فئة المرشحين أؤ كلاهم بدفع مبالغ نقدية للناخبين أمام لجان الاقتراع بعد الادلاء بالصوت مباشرة. وبالنسبة إلي المصدر الثالث, فهو توجيه المال إلي المرشحين بفتح الشين, أي الاشخاص المرشحين لعضوية البرلمان. ويتسم هذا النوع من التوجيه, بدعم حزب سياسي أو قوي سياسية أو جماعية منظمة أو غير منظمة, مرشحا أو مجموعة من المرشحين, بغية مساعدتهم في العملية الانتخابية عامة والدعاية الانتخابية خاصة, بما يضمن تمثيلهم في البرلمان, أو علي الأقل الحد من فرص فوز خصمهم, وقد يتسم هذا النوع من الدعم باغداق الخصم نفسه بالمال, بغرض تنازله عن الترشيح لصالح المرشح الموالي للطرف القائم بالدعم المالي.
شكل المال المقدم وتختلف صور المال المقدم في الانتخابات, كما سبق ذكره. إذ قد يأخذ هذا المال صورة سيولة مادية, أو خدمات. ففيما يتعلق بالسيولة المادية, يتم ذلك من خلال أمرين: الأول, مقدم لشخص يقوم بدعم ترشيح شخص ما علي قائمة قوي سياسية أو مقدم لأحد المرشحين لتنازله عن الترشيح, أو مقدم للناخبين, ويكون ذلك عادة في شكل نقدي, وليس شيكات, لأن المال المقدم يتم بشكل غير مشروع, ومن ثم يخشي من تداول الشيكات في هذا الصدد, حتي لايكتشف الأمر في يوم من الايام, وتصير فضيحة كبري لهذا المسئول أو القيادي أو المرشح أو الناخب.
أما الأمر الثاني, فيتم من خلاله تقديم المال في شكل شيكات لدعم حزب أو قوي سياسية في العملية الانتخابية عامة, أو مرشح محدد في معركته الانتخابية في احدي الدوائر التي تهم الطرف المانح. كما قد يقدم المال في صورة خدمات, وفي هذا الصدد تنقسم الخدمات المقدمة إلي نوعين, خدمات شخصية يقدمها المرشح أو تقدم للمرشح, وخدمات عامة لابناء الدائرة.
ففيما يتعلق بالخدمات الشخصية, يقدم المال الانتخابي في صورة خدمات للناخب, خاصة الناخب الذي لديه القدرة علي قيادة مجموعة لا بأس بها من الناخبين. كما قد تقدم الخدمة للمرشح المنافس, مقابل تنازله عن الترشيح, كأن يعين في وظيفة ما, أو يرقي لدرجة أكبر.. الخ. ولعل أبرز صور الخدمات الشخصية في الانتخابات, تلك التي تقدم للمرشح من قبل جمهوره, ويأخذ هذا العمل في الاغلب الأعم صورة عمل من أعمال الدعاية الانتخابية, وذلك في صورة تجهيز أماكن لعقد مؤتمرات انتخابية, أو لافتات أو اعلانات عبر وسائل الإعلام المختلفة, وقد حدث كثيرا في مصر أن تجاوزت نسبة الدعاية الانتخابية للمرشح المبلغ المقرر, فكانت حجة المرشح أن الناخبين أنفسهم قاموا بدفع تلك المبالغ, ومن ثم فإنه لم يخرق القانون. أما فيما يتعلق بالخدمات العامة, فيقدم المال علي شكل خدمة ما لأبناء الدائرة عموما كبناء مدرسة أو مستشفي أو رصف طريق أو شق ترعة أو بناء دور عبادة.. الخ, ويتسم هذا النوع من المال بالعمومية, بمعني أنه عمل يستفيد منه معظم الناخبين من أبناء الدائرة.
العلاقة بين المال والدائرة ويتوقف حجم المال الانتخابي المباشر أي المدفوع في صورة أموال سائلة نقدا أو شيكات, علي المنطقة التي تجري فيها الانتخابات, من حيث كون تلك المناطق حضرية أو ريفية أو بدوية. ففي المناطق الحضرية, تزداد درجة اللجوء إلي المال, خاصة بين المرشح والناخب, وذلك نتيجة عدم المعرفة المسبقة بين المرشح وغالبية الناخبين, واستغلالا من المرشحين لضعف القدرات الاقتصادية للناخبين, وسعيا لكسب الكثير من المرشحين لأكبر عدد من الاصوات في مواجهة الخصوم, الذين يتسمون بالكثرة داخل الدائرة الانتخابية الواحدة. وعلي العكس من ذلك, فإن العلاقة بين الناخب والمرشح في المناطق الريفية والبدوية, تحكمها العصبيات, ويصبح المال المباشر فيها وسيلة غير متواترة الاستخدام في العملية الانتخابية, ناهيك بالطبع عن أن قلة عدد المرشحين النابع من اتفاق الدائرة علي وجود عدد محدد من ابناء الدائرة سوف يجري السباق الانتخابي بينهما, ويحجم إلي حد كبير من دور المال الانتخابي.
غرض المال وآجله ويتوقف المال الانتخابي علي الغرض منه, فقد يكون الغرض هو جلب التأييد لمرشح, أو منع التأييد عن مرشح, وقد يكون غرضه تحييد المرشحين أو الناخبين. ويتم أكثر صور تحييد المرشحين, بتنازلهم عن الترشيح. أما تحييد الناخبين, فتتم بدفع المال لضمان عدم تصويتهم للمرشح الموالي أو الخصم في ذات الوقت. ويقدم المال الانتخابي في شكلين مختلفين, أولهما مال مدفوع, والثاني مال مؤجل الدفع.
ففيما يتعلق بالمال المدفوع, يتم استخدام هذا الأسلوب عادة قبل الانتخابات, حيث يلجأ إلي هذه الوسيلة لضمان سرعة استجابة الاطرف الذي يقوم بدفع المال لرغبات الطرف المتلقي للمال, وذلك كي يستخدم المال الذي يتم ضخه, لدعم الدعاية الانتخابية, أو لتنازل مرشح, أو لتضمين قائمة الحزب لمرشح ما. أما المال المؤجل, فهو المال المقدم في شكل وعود انتخابية, وعادة ما تقدم تلك الوعود بحق الناخبين من أبناء الدائرة أو جماعة من الاشخاص من قادة الرأي الذين يملكون كتل تصويتية كبيرة داخل الدائرة. وفي هذا الصدد يوعد المرشح علي سبيل المثال بعض الناخبين بالعمل في وظائف محددة, إذا ما انتخب, كما يوعد المرشحين أو الاحزاب المرشحة في الانتخابات, بدعم البنية الاساسية للدائرة في مجالات الصحة أو التعليم أو المواصلات..الخ, إذا ما فازوا في الانتخابات.
علي هذا الأساس, تعدد أشكال استخدامات المال في الانتخابات البرلمانية. وبطبيعة الحال, فإنه كلما كان الاعتماد علي المال في الانتخابات متزايدا, كانت المعركة الانتخابية, تتم بشكل منحاز لصالح القوي التي تملك القدرة المالية الضخمة, وهي ليست بالضرورة القوي صاحبة الحق الشرعي في التمثيل في عضوية المجالس النيابية. ولذلك, فإن أي معالجة لاصلاح أي نظام انتخابي يجب ان تتطرق حتما تنـظيم استخدام المال في الانتخابات عامة, وذلك عوضا عن الاكتفاء ببحث أسلوب الانتخاب من حيث كونه فرديا أم قائمة نسبية أو خلافة. ومما لاشك فيه, أن مثل هذا الاصلح يجب أن يسد جميع أو معظم الثغرات سابق الاشارة إليها, للقضاء علي سطوة المال, وسد منابع الفساد الانتخابي, ووصول ممثلي الناخبين الحقيقيين لمقاعد البرلمان.
مقدمة تتطرق صفحة قضايا استراتيجية اليوم إلي أحد أهم قضايا الانتخابات البرلمانية, وهي قضية تدخل المال في الانتخابات البرلمانية, وفي هذا الصدد, يتناول المقال الأول دور المال عامة في الانتخابات, حيث يتطرق إلي المقصود بالمال الانتخابي, والطرف الذي يوجه إليه المال, وشكل المال المقدم, والعلاقة بين المال وطبيعة المنطقة أو الدائرة الانتخابية, والغرض من المال المقدم, وأجله. أما المقال الثاني, فيدرس أثر المال علي انتخابات مجلس الشعب في الانتخابات البرلمانية السابقة, ويتطرق تحديدا للدعاية الانتخابية, وكيف ان المال يمكن ان يسهم في وصول غير الممثلين الحقيقيين لمجلس الشعب, ومن ثم التأثير السلبي علي دور المجلس التشريعي والرقابي.
موضوعات أخرى |