الكتاب

42718‏السنة 127-العدد2003نوفمبر21‏27 من رمضان 1424 هـالجمعة

بهـــــــدوء
معــاداة الســـامية في وسائل الإعلام الإسرائيلية
بقلم ‏:‏ إبراهيم نافع

تزايد الحديث في الفترة الأخيرة عن معاداة السامية‏,‏ وأكثرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية من استخدام هذا المصطلح‏,‏ وأشهرته كسلاح في وجه أفراد وهيئات عديدة وصل في بعض الأحيان إلي رفع دعاوي قضائية‏.‏ ولقد لفت نظري أخيرا توجه وسائل الإعلام الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية إلي إشهار هذا السلاح في وجه مجتمعات ودول بأكملها‏.‏ ومع أن مفهوم معاداة السامية له معان محددة‏,‏ ويعني بالأساس الفعل أو القول العنصري ضد مجموعة من البشر تنتمي إلي العرق السامي‏,‏ وهو العرق الذي يضم اليهود والعرب معا‏,‏ فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية والقوي السياسية الإسرائيلية قد حرفت هذا المفهوم وشوهته من أكثر من زاوية‏.‏
فلقد تم أولا استبعاد العرب عنوة من مفهوم السامية‏,‏ ومع أن العرب يمثلون قلب العنصر السامي‏,‏ فإن المنظمات الصهيونية والقوي السياسية الإسرائيلية عملت بشكل منظم علي الاستئثار بالانتماء إلي العرق السامي‏,‏ وتم استبعاد كل ما هو غير يهودي من إطار مكونات العرق السامي‏,‏ وبات مفهوم‏'‏ السامي‏'‏ مقصورا علي اليهود فقط‏,‏ وهو أمر مقصود تمهيدا لإشهار السلاح في وجه أبرز مكونات العرق السامي‏,‏ أي العرب‏.‏

ومن ناحية ثانية فقد تم توسيع مفهوم معاداة السامية لينتقل من كل الأقوال والأفعال التي تتهم أبناء العرق السامي‏,‏ ليشمل كل نقد سياسي يوجه لسياسة إسرائيل‏,‏ بل تم استغلال المفهوم تماما بحيث يوظف لإرهاب كل من يتصدي بالنقد للسياسات العدوانية الإسرائيلية والممارسات اللاإنسانية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني‏.‏ ومن ثم فقد بات أي نقد سياسي لإسرائيل كدولة أو لأي من أعضاء الحكومة الإسرائيلية نوعا من‏'‏ معاداة السامية‏'.‏
ومن ناحية ثالثة أصبح مصطلح معاداة السامية يستخدم كنوع من‏'‏ الردع الاستباقي‏'‏ الذي يوجه لكل مصادر النقد المحتملة لسياسة إسرائيل أو ممارسات قوات الاحتلال‏,‏ ومن خلال توظيف شبكة ضخمة من المصالح والعلاقات والمنظمات تم نشر حالة من الرعب في مواجهة قوي سياسية ومنظمات مدنية دولية لمنعها من مجرد مناقشة السياسة الإسرائيلية أو الممارسات اللاإنسانية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي‏.‏ وفي مرحلة تالية تم فرض حظر علي مناقشة قضايا تاريخية وسياسية معينة‏,‏ حتي من جانب الأكاديميين والباحثين‏,‏ واعتبر مجرد الاقتراب بالدراسة من قضايا معينة كافيا لإشهار سلاح معادة السامية في وجه الباحث‏,‏ الأمر الذي جعل مجالات معينة من البحث في نطاق المحظور علميا وأكاديميا في الجامعات الدولية‏.‏
وقد وصل توظيف سلاح‏'‏ معاداة السامية‏'‏ إلي مداه الأقصي في الأسابيع الماضية‏,‏ عندما تم ترديد هذا الاتهام تعقيبا علي نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجرته اللجنة الأوروبية في بلدان الاتحاد الأوروبي حول رؤية المواطنين الأوروبيين لمصادر الخطر علي السلام العالمي‏.‏ فما أن تم إعلان النتائج وحصول إسرائيل علي المرتبة الأولي فيه حتي ثارت ثائرة المنظمات الصهيونية والقوي السياسية الإسرائيلية‏,‏ واتهمت المجتمعات الأوروبية بأنها معادية للسامية‏,‏ وبدأت موجة هجوم عاتية علي أوروبا‏,‏ بشرا وثقافة وحضارة ودينا‏,‏ علي النحو الذي أوضحته في مقال الاثنين الماضي‏.‏
وما ينبغي تأكيده هنا هو أن المفهوم الحقيقي للسامية‏,‏ يشمل كل أبناء العنصر السامي‏,‏ ومن ثم فانه يجمع اليهود والعرب معا‏,‏ وهو أمر معروف من الناحية التاريخية‏,‏ فالعرب ساميون مثلهم مثل اليهود‏,‏ وهو ما تقره دائرة المعارف العبرية علي النحو الذي أشار إليه شموئيل جوردون في مقال له بعنوان‏'‏ معاداة إسرائيلية للسامية‏'‏ منشور علي الموقع الإلكتروني لصحيفة معاريف بتاريخ التاسع من نوفمبر الجاري حيث كتب يقول‏'‏ وصفت دائرة المعارف العبرية معاداة السامية بأنها كل مظاهر الكراهية والعنصرية الموجهة ضد الساميين‏',‏ وأضاف‏'‏ ومن هنا فإن معاداة السامية تشمل أيضا كل مظاهر الكراهية والعنصرية الموجهة ضد العرب‏',‏ وأضاف بعد ذلك‏:'‏ لقد تطورت معاداة العرب في إسرائيل‏,‏ وتكونت من الاحتقار لمظاهر التخلف والاستهانة بالطبيعة البشرية‏....‏ وبرزت شحنات عميقة من العنصرية في صالونات مساء السبت‏,‏ وفي ملاعب كرة القدم‏,‏ وفي الأسواق‏,‏ حيث تسمع أقوالا عنصرية من قبيل‏:‏ قتلة‏..‏ عديمو الأخلاق‏..‏ الإرهاب سياستهم‏,‏ حذار من الثقة فيهم‏..‏ الورقة التي يوقعون عليها لا تساوي ثمنها‏..‏الموت للعرب‏..‏ العربي الجيد هو العربي الميت‏...'‏

وما قاله جوردون كثيرا ماقلناه في العالم العربي لكل الذين أشهروا سلاح معاداة السامية في وجه العرب‏,‏ وهو أن العرب لا يمكن أن يكونوا معادين للسامية لأنهم ساميون‏,‏ ومن ثم لا يمكن للإنسان أن يكون معاديا لنفسه وعرقه‏,‏ وأنه إذا كانت هناك تجاوزات من جانب أفراد أو هيئات عربية‏,‏ وهي موجودة بالفعل‏,‏ فإنها تدخل في باب آخر غير معاداة السامية‏.‏ ويظل موقفنا بعد ذلك هو عدم الموافقة علي استخدام معاداة السامية كسلاح لإرهاب كل من يسعي إلي مناقشة قضية تدخل ضمن ما وضعته المنظمات الصهيونية في إطار‏'‏ قائمة المحرمات‏',‏ فهذه القائمة تضخمت بشدة وباتت تنطبق علي كل كلمة نقد سياسي لإسرائيل أو اختلاف مع سياسة دولة اسرائيل‏,‏ بينما حرص قادة المنظمات الصهيونية علي أن يكونوا جميعا فوق مستوي النقد‏,‏ فكل نقد يوجه لهم يقابل بإشهار سلاح معاداة السامية‏.‏ وتدريجيا أعطي قادة المنظمات الصهيونية القوي السياسية الإسرائيلية لأنفسهم الحق في احتكار دور الخصم والحكم في كل الوقائع التي يرون أنها تتضمن‏'‏ معاداة للسامية‏',‏ وباتوا يوجهون التهمة إلي كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية‏.‏

في الوقت نفسه وبعد أن اطمأن قادة المنظمات الصهيونية إلي نجاحهم في احتكار تمثيل‏'‏ العنصر السامي‏',‏ والتعامل مع أي كلمة نقد توجه لإسرائيل كدولة أو لقادتها علي أنها‏'‏ معاداة للسامية‏',‏ تركوا وسائل إعلامهم تكيل السباب العنصري للعرب‏,‏ ومن يتابع وسائل الإعلام الإسرائيلية‏,‏ فسوف يجد كما هائلا من المواد العنصرية التي تهاجم الجميع‏,‏ وتصف الآخرين بأبشع الأوصاف‏.‏ وهنا أقول بوضوح شديد إن هذه الأوصاف والسباب تندرج ضمن‏'‏ جرائم العنصرية‏',‏ وإن الموجه منها ضد العرب يعد معاداة للسامية‏,‏ كما ذهب السيد جوردون في مقاله السابق الإشارة إليه‏,‏ فالعرب ساميون‏,‏ ومن ثم فإن أي قول أو فعل عنصري ضدهم يعد معاداة للسامية‏.‏ ووفقا لهذا المعني فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية متخمة بالمواد التي ينطبق عليها مفهوم معاداة السامية‏,‏ أو العنوان الذي وضعه السيد جوردون لمقاله وهو‏'‏ معاداة إسرائيلية للسامية‏'.‏ وهنا أشير فقط إلي عينة مما تحفل به وسائل الإعلام الإسرائيلية من أقوال عنصرية ضد العرب أو معاداة للسامية‏.‏ ومن قبيل ذلك ما جاء في الموقع العبري علي الشبكة الدولية للمعلومات
http://news.walla.co.il
تعقيبا علي نشر تقرير التنمية الإنسانية عن‏'‏ مجتمع المعرفة‏'‏ في العالم العربي‏,‏ فقد جاء في أحد التعليقات ردا علي التوصيات‏'..‏ كل هذا لن يجدي‏,‏ فالعرب بسبب تعليمهم ودينهم ونظم حكمهم‏,‏ سيظلون متخلفين لأجيال وأجيال‏'.‏ وجاء في تعليق ثان‏'‏ إنه موضوع آخر يخص الزبالة الجينية‏'.‏ وفي تعليق ثالث‏'‏ قنبلة نووية ستحل المشكلة نهائيا‏',‏ وكتب آخر‏'‏ العرب زبالة‏...‏هذا يدل علي نوعية الأشخاص الذين نتعامل معهم‏..‏حثالة بشرية‏'.‏ وفي الموقع نفسه توجد تعليقات عديدة حول اتفاق جنيف الذي تم التوصل إليه بين فلسطينيين وإسرائيليين بشأن التسوية النهائية‏,‏ ومن بين هذه التعليقات جاء القول بأن الاتفاق‏'‏ صفقة مع حيوانات‏'.‏

وهناك عشرات التعليقات علي قرار حكومة شارون بعدم وقف الهجمات الجوية التي تشنها الطائرات العسكرية الإسرائيلية علي مواقع سكنية في الضفة الغربية وغزة علي الرغم من سقوط مدنيين‏,‏ ورفض عدد من الطيارين الإسرائيليين المشاركة في تنفيذ الغارات علي أساس أنها توقع ضحايا من المدنيين الأبرياء‏.‏ ولعل أبرز هذه التعليقات تلك التي وردت علي الموقع الإلكتروني لصحيفة معاريف‏,‏ فقد جاء في أحد التعليقات‏'‏ كل الاحترام لأرييل شارون العائد لأيام مجده‏,‏ كما كان في الوحدة المجيدة‏101,‏ هذا هو الطريق‏,‏ هذا ما ينتظره الشعب‏'.‏ والمعروف أن الوحدة المشار إليها نفذت العديد من المذابح البشعة ضد أبرياء عرب‏.‏ وجاء في تعليق ثان‏:'‏ حقا لقد آن الأوان لأن نرد بعض الشيء لنوقظ أعداءنا الكارهين‏..‏ فلتواصلوا عملية النظافة ولتكن منظمة‏'.‏ وجاء في تعليق ثالث‏'‏ ليس هناك شئ اسمه أبرياء عند العرب‏'.‏ وفي تعليق رابع‏'‏ متي يفهمون أنه لن يكون هناك سلام مادام قد وجد عرب‏'.‏
وإذا انتقلنا إلي مواقع إسرائيلية أخري علي الشبكة الدولية للمعلومات‏,‏ فسوف نكتشف كم السباب والشتائم العنصرية التي تكال ضد العرب‏,‏ وسوف أكتفي هنا بالإشارة إلي أحد التعليقات الواردة علي الموقع الإلكتروني‏
http://www.walla.co.il
تعليقا علي خبر قيام الجيش الإسرائيلي بقتل ثلاثة فلسطينيين في الصباح الباكر‏,‏ فقد جاء في التعليق‏:'‏ شكرا لجيش الدفاع‏,‏ فقد أسعدت صباحي‏..‏استمروا هكذا‏'.‏

وتعليقا علي دعوة طبيب يهودي من الخضيرة بإبادة الفلسطينيين بقنابل غبية ردا علي تفجير فلسطينية نفسها في مطعم مكسيم‏,‏ جاء في أحد التعليقات علي موقع‏
http://www.maariv.co.il
إن الموضوع بسيط للغاية إما نحن أو هم‏,‏ فهم الذين اختاروا هذا الطريق ومنذ زمن بعيد‏,‏ والدليل علي ذلك يكمن في التعليم الذي لقنوه لأبنائهم منذ سنوات طويلة‏'.‏
وكل هذه السخائم العنصرية ليست سوي عينة بسيطة لعشرات بل مئات المقالات والتعليقات التي تصف العرب بأوصاف عنصرية‏,‏ وتدعو إلي ضربهم بالقنابل الغبية‏,‏ لأنهم من وجهة النظر الصهيونية لا يستحقون الضرب بالقنابل الذكية‏,‏ وما هذه المواد العنصرية إلا صدي لما أطلقه القادة السياسيون والدينيون هناك من دعوات لإبادة العرب‏,‏ وضربهم بالقنابل النووية‏.‏

وهنا فإن السؤال هو‏:‏ ألا تدخل هذه الأقوال‏,‏ إضافة إلي جرائم الحرب التي ترتكبها القوات الإسرائيلية يوميا بأوامر مباشرة من القادة السياسيين هناك‏,‏ ضمن الأقوال والأفعال العنصرية‏,‏ التي تعد معاداة إسرائيلية للسامية ؟
في تقديري أن هذه الأقوال والأفعال تمثل قمة العنصرية‏,‏ ولاسامية حقيقية‏,‏ ويبقي بعد ذلك التفكير في كيفية التعامل مع هذه الظاهرة بالطرق المناسبة‏,‏ علي النحو الذي يحفظ للعرب حقوقهم‏,‏ ويمكنهم من مواجهة ادعاءات وأكاذيب المنظمات الصهيونية وقوي اليمين الصهيوني‏,‏ فقد تحركت المجتمعات الأوروبية‏,‏ وقال الرأي العام الأوروبي كلمته بأن إسرائيل تمثل الخطر الأول علي السلام العالمي‏,‏ وعلينا أن نتحرك لنثبت للعالم أن إسرائيل دولة احتلال تقليدي‏,‏ ودولة عنصرية‏,‏ تمارس أكثر أساليب القتل والإرهاب بشاعة‏,‏ وتعد المصدر الأول لمعاداة السامية في العالم‏,‏ بما ترتكبه من جرائم ضد العرب‏'‏ الساميين‏',‏ وما توجهه من أقوال عنصرية ضدهم‏.‏

فهل نتحرك بجدية وقوة وتنسيق كامل مع جميع القوي المحبة للسلام والمؤمنة بالمساواة بين الشعوب‏..‏ لإثبات ذلك وتأكيده؟
‏inafie@ahram.org.eg‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~