قضايا و اراء

42712‏السنة 127-العدد2003نوفمبر15‏21 من رمضان 1424 هـالسبت

العيب في الذات الصهيونية
بقلم: د‏.‏ جمال سلامة علي

تثير التداعيات وردود الأفعال التي نجمت عن استطلاع الرأي الذي أجرته المفوضية العليا للاتحاد الأوروبي من خلال مؤسسة يوروباروميتر العديد من النقاط التي تستدعي مزيد الدراسة والتأمل ـ فقد أظهرت نتائج هذا الاستطلاع أن قرابة‏60%‏ ممن استطلعت آراؤهم يرون أن الكيان الصهيوني هو علي رأس الدول التي تشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين يليه مباشرة الولايات المتحدة بما تنتهجه من سياسة فوضوية تحت زعم ما تسميه بالحملة علي الإرهاب‏...‏ ولعل أول ما يلفت الانتباه وتشير إليه نتائج هذا الاستفتاء أن هذا القطاع الكبير من المجتمع الأوروبي صاحب ذلك الاقتناع الذي عبر عنه خلال الاستفتاء لم يكن بمقدوره بالفعل ترجمة ذلك الاقتناع عن طريق وسائل التعبير العلنية مثل الجرائد والقنوات التليفزيونية‏,‏ وبالتالي وجد في الاستطلاع كوسيلة تضمن السرية فرصة للتعبير عن اقتناعه دون خوف من الضغوط وحملات التشهير والملاحقة من قبل اللوبي الصهيوني أو قوي اليمين المتصهين والتي قد تترتب في حالة الظهور في وسائل الإعلام بشكل مباشر بما يتضمنه من كشف عن أشخاص ومعرفة هوية أصحاب تلك الآراء‏,‏ يضاف إلي ذلك أن هذا الاستطلاع رأي في إسرائيل أنها لا تشكل تهديدا للأمن والسلم في الشرق الأوسط فقط بل تشكل تهديدا للأمن والسلم العالمي‏.‏

وإذا نحينا جانبا رد فعل الكيان الصهيوني الذي لا يحتاج إلي تعليق ـ فإننا لا نستطيع تجاهل رد فعل قوي التصهين التي تمثلها الإدارة الأمريكية وبعض القادة الأوروبيين ـ فلأول مرة تتم إدانة استطلاع للرأي وهو ما جاء علي لسان المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكملان‏,‏ أكثر من ذلك وفي سابقة هي الأولي من نوعها نجد أحد قادة دول الاتحاد الأوروبي وهو رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني يدين الاستطلاع نفسه وهو يعلم أنه بذلك يوجه الإدانة لمفوضية الاتحاد الأوروبي أكثر من إدانته للاستطلاع‏,‏ خاصة أن إيطاليا ترأس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي‏,‏ ويعكس أيضا أن ثوب الديمقراطية لدي البعض حتي في أوروبا قد يضيق حينما يتعلق الأمر بشئ يمس الكيان الصهيوني وهو ما دعا بيرلسكوني إلي المسارعة بالاتصال بمجرم السلم والحرب شارون ليعبر له عن استيائه من هذا الاستطلاع وتضامنه مع إسرائيل ضد ما سماه بالحملة المعادية للسامية ـ ويتماشي مع ذلك موقف رئيس البرلمان الإيطالي فيردناندو كازينو الذي وصف هذا الاستطلاع بأنه عمل أهوج يسئ إلي إسرائيل كدولة ديمقراطية‏!‏

ويبدو أن بيرلسكوني ومن علي شاكلته الذي نعت الكيان الصهيوني بالديمقراطية يجهل أو يتجاهل حقيقة أن الصهيونية هي حركة عنصرية طبقا لقرار الجمعية العامة رقم‏3379‏ الصادر في نوفمبر‏75‏ برغم أن الولايات المتحدة لم يرتح لها جنب حتي استصدرت قرارا من الجمعية العامة في‏16‏ ديسمبر‏91‏ تحت رقم‏86/46‏ يلغي قرارها رقم‏3379‏ وهي تعد سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ الأمم المتحدة أن تلغي قرارا أصدرته‏,‏ وقد أفقدت ما تبقي من مصداقية للمنظمة الدولية‏.‏ فما هو الجديد الذي استشفته المنظمة الدولية في ممارسات إسرائيل العنصرية الإجرامية حتي تلغي قرارا سبق أن أقرته؟ بل إن قرار الإلغاء نفسه لم يبن علي أي حيثيات أو مبررات فلم يرد فيه مثلا بأن إسرائيل قد برهنت علي أنها قد تخلت عن سياستها العنصرية‏,‏ وبالتالي تقرر الأمم المتحدة إلغاء مساواة الصهيونية بالعنصرية وإنما جاء نص القرار رقم‏86/46‏ مبتسرا في بضع كلمات إن الجمعية العامة تقرر إلغاء الحكم الوارد في قرارها‏3379‏ في‏10‏ نوفمبر‏1975‏ وكأن الجمعية العامة قد ارتكبت فعلا مشينا تريد التنصل منه أو كمن عملت عملة‏..‏ وإن كنا لا ندري هل هذا الفعل المشين من وجهة نظر الجمعية العامة هو قرارها رقم‏3379‏ باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية؟ أم هو قرارها رقم‏86/46‏ الذي يلغي قرارها السابق؟‏!‏

فقرار الجمعية العامة باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية لم يأت من فراغ بل جاء مبنيا علي سيل من القرارات الصادرة من الجمعية العامة نفسها والتي تدين ممارسات إسرائيل العنصرية ـ بدءا من قرارها رقم‏2546‏ لسنة‏69‏ والقرار‏2727‏ لسنة‏70‏ والقرار‏3005‏ لسنة‏72‏ والقرار‏3092‏ لسنة‏73‏ والقرار‏3246‏ لسنة‏74‏ وكلها تدين انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة‏,‏ ولم يتوقف عند ذلك بل تلاها سيل آخر من القرارات تدين عنصرية إسرائيل حتي يومنا هذا‏.‏

فإذا أردنا الوقوف علي حقيقة الصهيونية نجد أن الصهيونية هي أحط أشكال العنصرية بل تتفوق في بشاعتها عن مثيلاتها من الحركات العنصرية الأخري والتي كانت تكتفي بمعاملة الطوائف أو الاعراف الأخري معاملة تختلف عن معاملة المتسلطين علي أمور البلاد حتي ولو وصلت لحد فصلهم في نطاق جغرافي محدد كما كان الحال في النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا وهو ما عرف بسياسة البانتوستان ـ إلا أنها لم ترتكب تلك الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني في حق الانسانية‏,‏ ولم يشهد العالم ممارسات إجرامية كتلك التي يرتكبها الكيان الصهيوني العنصري‏...‏ ولو كان للعنصرية لسان لأعلنت تبرءها من الصهيونية من فرط بشاعتها ودمامتها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~