قضايا و اراء

42695‏السنة 127-العدد2003اكتوبر29‏4 من رمضان 1424 هـالأربعاء

نشـأة وتطـور الرأسـمالية
بقلم‏:‏ د‏.‏ إسماعيل صبري عبدالله

نقرأ هذه الأيام علي صفحات الأهرام نقاشا عالي الوتيرة وأحيانا النغمة بين عدد من الكتاب ذوي المكانة حول الرأسمالية ورأسمالية الدولة والدولة الرأسمالية‏...‏ الخ‏.‏ ولا أريد أن أكون طرفا في هذا النقاش‏.‏ ولكنني أكتب عن الخلفية التاريخية للرأسمالية الغربية‏.‏ لأن الشعب الذي يختار نمط إنتاج معين وتشكيلاته السياسية ليس في وضع الرجل المليء الذي يستعرض القمصان المعروضة في شباك متجر أنيق ليختار أحلاها في نظره‏.‏ ثم يعود لزوجته وصحبته في النادي ليقول أغلبهم أن ذلك القميص لا يليق عليه‏.‏ فيرميه جانبا ويشتري غيره‏.‏ وعلي عكس ذلك لا يحسم اختيار الشعب لنظام يرضي به أن تتوافر الإرادة السياسية ويصدر قرار الحكام فتتغير فورا أوضاع المجتمع كله‏.‏ ولا يحتاج المرء إلي قراءات في علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد ليدرك أن التغيير الأساسي في بنية المجتمع ليس قرارا أو اجراء واحدا يصدر في يوم مشهود‏,‏ وإنما هو عملية‏Process‏ تستغرق سنوات كثيرة يشهد فيها المجتمع تغييرات واسعة كما تعرف العملية المد والجزر‏,‏ التقدم والتراجع‏,‏ والأتساق والتناقض‏,‏ والسعادة والشقاء‏,‏ صدام المصالح وتوابعها‏.‏ كما تغطي عملية التغيير كل جوانب المجتمع وأساليب الحياة فيه وتعبيراته الجديدة في الأدب والفن‏...‏ الخ‏.‏ ولما كانت الرأسمالية الغربية الأنموذج‏(‏ بالمعني الفلسفي‏)‏ لنمط الإنتاج الرأسمالي فمن المفيد أن نلقي نظرة علي نشأتها وتطورها‏.‏

ظاهرة تاريخية
ومعني تاريخية هنا‏Historicity‏ الارتباط بالظروف التي أفرزتها وتلك التي مكنتها من التجدد عبر خمسة قرون‏.‏ وهي ظروف لن تتكرر لأن التاريخ لا يكرر نفسه‏.‏ ولذلك لا يجوز في عصر الكوكبة أن نفكر في محاكاة هذه الظاهرة التاريخية في أوضاعها الراهنة‏.‏ ومن المتفق عليه بين المؤرخين والاقتصاديين الجادين وعلماء الاجتماع أن الرأسمالية كنمط إنتاج ظهرت في القرن السادس عشر ثم نمت ببطء وبتحالفات سياسية متغيرة وأحداث عالمية مهمة حتي حققت الثورة الصناعية التي أحلت الآلة محل الجهد العضلي للإنسان‏,‏ فكشفت عن حقيقتها وسعت للاستيلاء علي الحكم وتغيير الأوضاع السياسية والقانونية والأخلاقية وليس أوضاع الاقتصاد وحدها وأنشأت الدولة القومية‏,‏ محل دول الملوك‏.‏ وجعلت الأمة مصدر السلطات محل الملك ذي الحق الالهي‏.‏ ويصبح السؤال الرئيسي لماذا وكيف كانت نشأة الرأسمالية في غربي أوروبا وليس في غيرها من الحضارات؟
والجواب المعروف عند أهل العلم هو تجمع ثلاثة أسباب جوهرية‏:‏ التراكم المالي‏,‏ والتراكم المعرفي‏,‏ والغزو الاستعماري‏.‏ ونعرض لكل منها بإيجاز‏.‏

التراكم المالي
الرأسمالية بالتعريف تعني توافر أموال للاستثمار في إنتاج السلع والخدمات‏.‏ فمن أي نشاط وبيد أي فئات توافرت رؤوس الأموال عند نشأة الرأسمالية؟‏.‏ لقد اشتهرت العصور الوسطي‏(‏ من سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي إلي عصر النهضة في القرن الخامس عشر‏)‏ بالجهل والفقر واختفاء كل سلطة مركزية فيما عدا بابوية الكاثوليك وتفتت السكان إلي جماعات محدودة العدد يحكمها واحد من سادة الإقطاع الكثيرين‏.‏ وقد ولد الجهل وطغيان الكنيسة الإيمان بأوهام كثيرة أهمها أن الفقراء أحباب الله لأن الأغنياء وحدهم يملكون ترف الفسق وأنهم ذاهبون الي الجنة في يوم القيامة المنتظر في أمد قريب حيث انتظر البعض أن يكون ذلك عند حلول الألف الثاني بعد ميلاد المسيح‏..‏ ومن ثم كان لابد من ظهور وسائل غير مألوفة لتحقيق الأرباح وادخار معظمها واستثماره‏.‏ وبالفعل ابتدأ تكوين رأس المال من التجارة البعيدة فلم تعرف أوروبا الغربية مكانا للتجارة الداخلية حيث كان الإنتاج بقصد الاستهلاك الذاتي المباشر في إطار كل إقطاعية‏.‏ وكان ما بقي من الحرف فيما بقي من المدن بعد اضمحلال الكثير منها التي نشأت تاريخيا بجوار مواقع الفرق العسكرية الرومانية‏,‏ واختفت أو تضاءل شأنها باختفاء تلك الفرق الذي أدي إلي أو ترتب علي انهيار الامبراطورية‏.‏ ولكن بعض الأفراد اشتغلوا في مجال جلب منتجات الترفيه من الصين والهند ودولة الخلافة الإسلامية وبيعها إلي سادة الإقطاع الذين أثروا علي حساب رقيق الأرض المجبرين علي البقاء عليها وزراعتها وتوريد كمية محددة منها للسيد الإقطاعي أيا كان حجم محصول الزراعة‏.‏ فقد كانت أوروبا آنذاك متخلفة وكانت دول الشرق متقدمة‏.‏ وحتي هذه اللحظة يوجد نوع من المنسوجات يسميه الأوروبيون موسلين لأنه في الأصل جاء من الموصل‏,‏ وآخر يسمي داماسيه وهو تحريف لكلمة دمشق‏.‏
أما المصدر الثاني لتراكم رأس المال فكانت العمليات المالية في شكلها الأبسط‏:‏ الإقراض بفائدة عالية‏,‏ وهو إقراض في العادة لسادة الإقطاع المبذرين الذين هاجمهم أدم سميث في كتابه الشهير‏(‏ بحث في أسباب ثروة الأمم‏)‏ الذي يعد نشره بداية علم الاقتصاد‏.‏ وكانت كنيسة روما تحرم الربا‏.‏ وعند اليهود المحظور هو أخذ فائدة من يهودي‏.‏ أما أخذها من بقية البشر فلا عقاب عليه‏.‏ ومن ثم كان الإقراض بيد اليهود‏.‏ ومن هناك جاء فكر معاداة السامية‏(‏ أنظر‏:‏ مسرحية شكسبير تاجر البندقية مثلا‏).‏ ولكن بعض المسيحيين أغرتهم الثروة وفتحوا البنوك‏.‏ وقد بدأت الحركة قريبا من روما في سهل لومبارديا في شمال إيطاليا‏.‏ وقد ظلت كلمة لومبارد تعني المصرفي حتي القرن التاسع عشر‏.‏ ومازال في كثير من المدن الأوروبية العريقة شارع يسمي لمبارد لأنه تاريخيا كان محل النشاط المصرفي‏.‏

التراكم المعرفي
وقد واكب نشأة الرأسمالية وتثبيت أقدامها ثورة معرفية شاملة لكل مناحي الفكر والعلم‏.‏ وقد شهدت الفترة ما بين القرن السادس عشر إلي أواخر القرن الثامن عشر فيضا متدفقا من العلماء والمفكرين الذين شكلوا الحضارة الغربية‏.‏ فمنذ عهد النهضة عرفت أوروبا التراث اليوناني‏(‏ ثم الروماني‏)‏ عن طريق المثقفين الذين فروا حاملين مكتباتهم من القسطنطينية عندما قضي الأتراك العثمانيون علي الإمبراطورية الرومانية الشرقية واحتلوا عاصمتها‏(‏ عام‏1453)‏ وقد سارع المثقفون إلي دراسة هذه الفترة المجيدة في تاريخ ما قبل العصور الوسطي وتخلفها‏.‏ وبدأ تدريس اللغة اليونانية جنبا إلي جنب مع اللاتينية التي كانت لغة الكتب والعلم والثقافة‏.‏ كما عرفوا المزيد من الموروث اليوناني والإبداع العربي بفضل المجتمع الإسلامي في الأندلس الذي تعددت فيه الاثنيات وتعايش اليهود والنصاري إلي جانب المسلمين‏.‏ ومن المسلم به أن مؤلفات ابن رشد هي التي أوضحت فلسفة أرسطو ومنهجه الفكري‏,‏ وأقر الأوروبيون بفضل ابن رشد وفخر أساتذة فلسفة بانتمائهم إلي فكره‏(‏ ومثال لذلك المدرسة الرشدية في جامعة باريس‏).‏
ولا يتسع المجال هنا لتفصيل التقدم والتجديد في الفلسفة والدين وعدد كبير من العلوم وأكتفي بسرد أسماء ترد علي ذاكرتي وأنا أكتب هذا الكلام‏:‏ كالفين ومارتين لوثر‏(‏ وظهور الكنائس البروتستانتية‏)‏ ديكارت‏,‏ بيكون‏,‏ هيجل‏(‏ الفلسفة‏)‏ نيوتون‏(‏ الفيزياء‏)‏ كوبرنيك وجاليليو‏(‏ الفلك‏)‏ ليبتتر وتبربيا‏(‏ الرياضيات‏)‏ فولتير وروسو‏(‏ السياسة‏)‏ آدم سميث‏(‏ الاقتصاد‏)‏ فيفالدي باخ‏.‏ موزار‏(‏ الموسيقي السيمفونية‏)‏ شكسبير وموليير‏(‏ المسرح‏)‏ ميكل أنجلو ودافنشي‏(‏ الفنون التشكيلية‏)..‏ الخ‏.‏ مع إشارة خاصة لأول موسوعة علمية في العالم أعدها فريق من أبرز العلماء والمفكرين بقيادة ديدرو ودالميير وظهرت عبر مصاعب جمة واعتقالات متكررة في ثمانية أجزاء في أواسط القرن الثامن عشر‏.‏
ولم تكن الطبقة الرأسمالية التجارية والمالية بعيدا عن تيارات المعرفة المتدفقة فكان منهم من يرعون الأدباء والفنانين‏.‏ ولما كانت الفئتان‏(‏ أهل المال وأهل الفكر‏)‏ مستبعدتين في صالونات الأرستقراطية‏,‏ أخذ أثرياء رجال المال يبنون لأنفسهم دورا تنافس قصور النبلاء تنظم فيها صالونات يتردد عليها زملاؤهم ويرحبون فيها بكبار المثقفين‏.‏ وهكذا اكتسب كبار التجار ورجال المال معارف علمية جديدة وأفكار أجتماعية تناقض الأوضاع السائدة‏.‏ وقد ساهموا في انتشار الأنموذج الفكري الغربي‏:‏ وصول الإنسان إلي إنشاء جنة أرضية عن طريق استخدام الطبيعة ومواردها التي ليس من وسيلة إلي التعرف عليها إلا بالعلم الذي يكشف ويحدد القوانين التي تحكم الطبيعة والإنسان‏.‏ وبهذا استقر مفهوم القانون العلمي الثابت بالتجربة والتحقيق مطلبا مجتمعيا‏.‏

غزو واستعمار القارات الأخري
تطلعت الرأسمالية الغربية منذ مرحلتها الأولي إلي نهب الشعوب الأخري‏.‏ ويمكن أن نقول إن أولي محاولاتها الكبري كانت غزوات الفرنجة للشام‏(‏ بالمعني الواسع‏)‏ وفلسطين ومصر‏,‏ والتي تتابعت عبر الفترة من‏1096‏ إلي‏1291.‏ وقد أطلق عليها بابا روما اسم الحروب الصليبية لتساعد الغزاة من النبلاء والأمراء في تجنيد الفقراء‏.‏ ولم يضلل هذا الاسم المؤرخين العرب المعاصرين للأحداث وحددوا الغزاة علي أنهم الفرنجة نسبة إلي القبائل البربرية‏(‏ في عرف الرومان‏)‏ التي استقرت في غربي أوروبا والتي بقي أثرها في اسم فرنسا‏.‏ ولكن أساتذة التاريخ عندنا الذين درسوه علي مراجع غربية تبنوا التسمية الخادعة وكتبوا عن الحروب الصليبية‏.‏
وما يعنينا في هذا المقام هو الجوانب التجارية والمالية التي دعت لهذه الغزوات وما تحقق خلالها من مكاسب‏.‏ وباديء ذي بدءلابد أن نذكر أن خلال تلك الأزمنة كان الثراء والتقدم في شرقي البحر المتوسط في حين كان غربيه فقيرا وجاهلا ومتخلفا‏(‏ العصور الوسطي‏)‏ ولذلك قدمت تلك الجيوش لنهب ثروات المنطقة وإقامة حكام منهم عليها ليبتزوا من سكانها الجزية والضرائب غير المباشرة وينعموا بأسلوب الفخامة الذي يخوض فيه سلاطين المشرق وأمراؤه وقادة جيوشه‏.‏ وقد استفادت الرأسمالية الناشئة من تلك الحروب بأساليب متعددة‏:‏ توريد ما يلزم للجيوش من غذاء وكساء وسلاح وخيول وسفن‏.‏ ثم شراء السلع الشرقية الترفية بثمن بخس أو حتي سرقتها لبيعها لأغنياء أوروبا بأعلي الأثمان‏.‏ ودون إطالة نذكر مثلا شهيرا وهو نظام رهبنة عسكري يسمي فرسان المعبد تأسس في جزيرة مالطا ثم انتشر وأصبح أهم مصرف في غرب أوروبا‏.‏ ثم أغرت ثروتهم بعض الملوك فحصلوا من البابا علي قرار باستبعاد هذه المؤسسة من الكنيسة‏.‏ وهكذا تمكن ملك فرنسا فيليب الوسيم من قتل قادتهم وإعمال السيف في أتباعهم ومصادرة أموالهم‏(1078).‏

والواقع بالمقابل أن هذه الغزوات أضعفت طبقة النبلاء التي لقي كثير من فرسانها مصرعهم في الحرب والذين أنفقوا الكثير لتوفير معدات القتال ولوازم الحرب لأبنائهم‏.‏ وقد ساعد هذا الضعف في دعم مجموعتين‏:‏ الأولي الملوك الذين كانوا يتحرقون لفرض سلطاتهم المطلقة‏(‏ الحق الإلهي‏)‏ علي الدولة بأسرها وإلغاء سلطات الإقطاعيين بل وتصفية أعداد منهم‏.‏ والثانية‏,‏ هي الرأسمالية التي وردت للسلطة الملكية ما يحتاجه جهاز الحكم من أفراد قادرين وعادة متعلمين‏(‏ مثل نظار زراعة كبار ملاك الأراضي في مصر قبل الثورة‏).‏
ولم يقعد طرد الفرنجة من الشرق الأوسط الرأسمالية الغنية عن استمرار العمل بكل الوسائل للاستيلاء علي ثروات بقية العالم‏.‏ وبفضل معارفهم عن كروية الأرض وحصولهم علي منتجات بديعة من الهند والصين‏,‏ أصبح أملهم الوصول إلي تلك المناطق والسيطرة علي ثرواتها‏.‏ ولما كانت الهند أقرب جغرافيا من أوروبا أصبحت القبلة التي يحلم بها الرأسماليون‏.‏ وبدأ السباق بين الملكيات المطلقة في غربي أوروبا‏(‏ إنجلترا‏,‏ فرنسا‏,‏ البرتغال‏,‏ أسبانيا‏,‏ وهولندا التي حكمها ملوك أسبانيا‏).‏ وهنا بدأ ما يسميه الأوروبيون عصر الكشوف الجغرافية‏.‏ وهذا اسم جميل لعمل رذيل‏:‏ الغزو والاستعمار‏.‏ وكان أمام الحكام وكبار الرأسماليين طريقان الأول الدوران حول أفريقيا ثم شرقا إلي الهند‏.‏ وقد بدأت رحلة اكتشاف هذا الطريق من البرتغال‏(1497)‏ بأسطول من أربع سفن يقوده فاسكو داجاما‏.‏ وقد نجح في الدوران حول طرف القارة الجنوبي‏(‏ رأس الرجاء الصالح‏)‏ واستعان بملاح من اليمن ليخوض بحر الهند‏.‏ ولكن واقع أن الأرض كروية يجعل من الممكن أن يبحر الأسطول غربا في بحر الظلمات كما كانت العرب تسمي المحيط الأطلسي‏.‏ وقد تصدت أسبانيا لهذا الامتحان العسير وسافر كولمبوس غربا‏(1492)‏ حتي وصل الي جزر البحر الكاريبي وظن الرجل أنها الجزر الهندية‏.‏ ومات وهو لا يعرف أنه اكتشف العالم الجديد‏.‏ وظلت أوروبا تطلق علي تلك الجزر اسم الهند الغربية‏..!‏ وبهذه المناسبة نذكر أن نفس السنة‏(1492)‏ شهدت سقوط غرناطة آخر موقع للمسلمين في أسبانيا‏.‏ وأضيف أن البرتغاليين في‏1504‏ دمروا أسطول المماليك عند باب المندب ودخلوا أطراف الجزيرة العربية‏.‏ وبعدها بقليل اجتاح الترك العثمانيون‏(1517)‏ مصر بعد فتحهم الشام وفلسطين‏.‏ وهكذا بدأ العرب التقهقر وخاض الأوروبيون بحار التقدم‏.‏ وعلي أية حال كانت مغامرات كولمبوس وداجاما بداية لسيل من الاكتشافات في أفريقيا وآسيا وتسابقت دول غربي أوروبا لأن من يصل إلي أرض قبل غيره يرفع عليها علم دولته‏.‏ أما سكان تلك البلاد الأصليون فكانوا دون البشر ووصول الأوروبيين يحمل لهم من المدنية ما يخرجهم من الوحشية‏,‏ فالغزاة ينشرون المدنية في كل موقع ورغم أنوف السكان الأصليين‏.‏ بل لقد لعبت الكنيسة الكاثوليكية دورا مهما‏.‏ فقد صاحب الغزاة أساقفة من الأسبان والبرتغاليين مباركين النهب والذبح واغتصاب النساء وقتل الأطفال بدعوي أنهم ينشرون المسيحية ولو بالقوة علي المتوحشين الذين مازالوا يعبدون طيورا أو حجارة‏.‏ أما الأرض التي لم يرفع عليها علم أوروبي فتسمي أرضا بلا مالك‏noman,sland.‏ ونتذكر نحن المصريين أن رسم الحدود الغربية للسودان مع تشاد تولاها ضابطان‏,‏ أحدهما فرنسي جاء من الغرب في أرض بلا صاحب والثاني بريطاني ادعي أنه ممثل خديوي مصر التي لها السيادة علي تلك الأراضي‏!‏

وليس ثم ما يدعو الي الاسترسال في تاريخ الاستعمار الاوروبي‏.‏ والذي يعنينا هنا هو دور الرأسماليةالرأسمالة في مغامرات الاكتشافات الجغرافية الذي تهمله كتب التاريخ بالكامل وهو دور فعال ومتعدد الصور‏.‏ لقد وفرت الرأسمالية للرحلات الشهيرة التمويل الذي بدونه كانت تحيات الملوك وبركات الكنيسة لا تجدي نفعا‏.‏ وأذكر في هذا الصدد أن تمويل رحلة كولومبوس تحملها بيت تجاري من جنوا‏(‏ إيطاليا‏)‏ اسمه‏centerione,‏ كذلك مولت بيوت تجارية برتغالية رحلة جاما‏.‏ فلم يكن ثمة دول عظمي تغطي مثل تلك المغامرات وتسترد ما دفعت من خلال ما تفرضه من ضرائب وأتاوات‏.‏ والأمر الثاني هو استقرار المهاجرين في الأراضي المكتشفة الذي أوجب أسواقا جديدة للتجارة البعيدة‏.‏ فقد اتجهت غربا نحو العالم الجديد لتصدر بعد أن كانت تستورد فحسب‏,‏ وتصدر مصنوعات تباع بسعر في متناول مجموعات المهاجرين وأصبح مصدر ربحهم الأساسي زيادة المبيعات بعكس واردات الشرق عالية الثمن‏.‏ وكان هذا ما دفع كبار التجار إلي الإنتاج الصناعي‏.‏ وانتشرت لفترة المصانع اليدوية‏.‏ فتكوين وتقاليد الطوائف الحرفية كانت مبنية علي الإنتاج لزبون معروف مقدما‏,‏ في حين أن ما يصدر إلي العالم الجديد تحول إلي الإنتاج للبيع في السوق‏.‏ وذلك هو الأصل التاريخي لما يسمي اقتصاد السوق وكانت المصانع اليدوية الجديدة يدوية بالفعل‏.‏ وتغلب أصحابها علي استحالة استخدام الحرفيين المنظمين‏.‏ وهكذا اكتشف الرأسماليون فكرة التقسيم الفني للعمل الذي يفكك عملية الإنتاج إلي عدد غير قليل من العمليات المتتابعة والمتكاملة بحيث أصبح من السهل تدريب الإنسان الأمي الذي لا مهنة له علي عملية بسيطة واحدة ومتكررة‏.‏ وجاءت العمالة من الفارين من الإقطاعيات الذين لم يتعلموا شيئا إلا القليل مع العمل الزراعي أو من خدمة السيد وحشمه وخدمه‏.‏ وفي مثل هذه الظروف كان أجر العامل في المصنع اليدوي يكفي بالكاد لتوفير غذائه متدني القيمة والجودة‏,‏ ومن هنا كان اسم المصانع اليدوية‏manufacture‏ وقد ساندها الملوك وكانت تتحول إلي شركات تنشأ قانونا بمرسوم ملكي ومن هنا كانت توصف في فرنسا المصانع الملكية‏Royal‏ وفي إنجلترا‏chartered.‏ وكل هذا معروف‏.‏ أما المسكوت عنه فهو دور الاستيطان في كل أكبر مشكلة كانت تهدد بقاء نمط الإنتاج كله ألا وهي عملية استقطاب المجتمع بين أقلية ثرية تزداد ثروتها بانتظام وإفقار الأغلبية العظمي من السكان وفي مقدمتهم الصناع الحرفيون إذ كانت منتجات المصانع اليدوية أقل كلفة وبالتالي أرخص ثمنا‏.‏ وقد تنبه إلي هذا الخطر منذ البداية اقتصاديون من أقطاب الجيل المؤسس لعلم الأقتصاد‏,‏ وفي مقدمتهم ريكاردو ومالتس‏.‏

وقد غاب عنهما أن الرأسمالية الوليدة يمكن أن تتخلص جزئيا علي الأقل من المشكلة بتصدير أعداد كبيرة من الفقراء الي العالم الجديد الذي يشمل قارتين غنيتين في الموارد الطبيعية‏.‏ ومن الأمور التي تدعو إلي السخرية أن حكومة لندن حين واجهها إعراض المواطنين البريطانيين عن الهجرة إلي استراليا قررت إرسال أعداد لا يستهان بها من المسجونين لمدد طويلة إلي القارة المكتشفة حديثا ومنحتهم الحرية
ويقتضي الانصاف أن نبرز ما تميزت به هذه الرأسمالية منذ نشأتها بالأقدام علي المخاطر حيث تتكافأ فرص الثراء الهائل واحتمالات الخراب الكامل‏.‏ فمن كان يضمن نجاح رحلة كولومبوس أوداجاما؟ بل كيف يتأكد مرسل بضاعته علي سفينة شراعية ألا تضيع بفعل الرياح والأنواء؟ ومن ثم ميز الاقتصاديون الأكاديميون منذ القرن التاسع عشر داخل الطبقة الثرية بين المربعين‏(rentier)‏ الذين يعيشون علي عائد ثروة دون أي مخاطرة وبلا أي جهد إلا في الحرص علي تدفق الزيادة والنماء علي نحو منتظم من ناحية ومن سموهم‏entrepreneur‏ ومعناها اللغوي الذي يقدم علي عمل جريء وشاق وسموا نشاطه‏enterpride.‏ وقد حرنا ــ نحن الاقتصاديين العرب ــ في الاتفاق علي لفظ يؤدي هذا المعني‏.‏ قال البعض المنظم‏,‏ وقال آخرون المقاول‏..‏ الخ دون أن نجد التعبير الدقيق‏,‏ وذلك بالرغم من الضرورة القصوي لفهم هذه الوظيفة‏,‏ فليس كل من أطلق علي نفسه اسم رجل أعمال تتوافر فيه صفات الإقدام والمخاطرة وتحمل المشاق‏.‏ كذلك ليس كل واسع ثراء رأسماليا بالمعني المحدد أعلاه‏.‏ وثمة من يجمعون المال من أعمال يؤثمها القانون‏.‏
ونستكمل الجزء الثاني من مقالنا يوم الجمعة القادم‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية