الكتاب

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

ميرال الطحاوي في نقرات الظباء
بقلم : دكتور صلاح فضل

ميرال الطحاوي مبدعة مصرية شابة ومثقفة‏,‏ استطاعت بثلاث روايات ومجموعة قصصية فحسب أن تقفز برشاقة فوق لغتها العربية‏,‏ لتترجم إلي عدة لغات حية‏.‏ وتمثل حضورا ابداعيا متألقا‏,‏ عبر اكتشاف عالم البدو المصري‏,‏ المتمازج بقوة مع عالم الحضارة‏,‏ وأن تجسده من خلال منظور أنثوي حميم‏,‏ يلقي ضوءه الغامر علي مناطق ظلت مغلفة بالضباب‏.‏ في ثنايا الوجود الفردي والجماعي‏,‏ للرجال والنساء‏,‏ في قلب الحياة المفعمة بعطر التاريخ ونكهة الوجود‏,‏ وطزاجة الخلق الجميل‏.‏
وفي روايتها الأخيرة نقرات الظباء نري الراوية منذ المشهد الأول تتقمص منظور طفلة صغيرة‏,‏ هي بنت شيخ العرب‏,‏ لتحكي عن عالمها ومايغمره من صور‏.‏ تركز حدقتها في هند التي تقفز بتاريخها ابتداء من صورة قديمة معلقة‏,‏ يقفون امامها في غرفة الصالون وقد امتلأت حوائطها باللوحات الباهتة وتبدو فيها صغيرة بجدائل طويلة‏,‏ حتي رأتها آخر مرة وكان شعرها كثيف البياض‏,‏ وجسدها شديد النحول‏.‏ رأتهم يسكبون الماء عليها قبل ان يلفوها بالكفن‏,‏ بعدها ينثرون العطور وينصرفون دون ان يصرخوا او حتي يلبسوا ثياب الحداد‏.‏

ثم تسترجع الرواية ـ التي لاتبارح منظورها الطفولي المصغر ـ بالرغم من الاماد الزمنية التي تطارحها‏,‏ مما يستوعب حيوات بأكملها‏,‏ تسترجع اول مرة شاهدوا فيها هند وهي تركض في الفناء كانت مهرة ناعسة علي حجر النجدية ـ لاحظ تلقائية الأسماء‏,‏ وارتباطها بعالم الحيوان والمكان البدوي ـ وهي تحكي لها حكاية السهي ـ النجم المضيء ـ تلك الظبية التي ركضت في السماء‏.‏ ولأنها تركت وليدا صغيرا علي الرمال‏,‏ لايعرف كيف يهرب من صياده‏,‏ تركت له نقراتها المضيئة نجوما تتنبأ بمواضع الخطر‏.‏ تفرد النجدية اصابعها محددة ساعات النحس‏,‏ حين يهل الهلال والسهي عن يساره‏,‏ وايام الزعابيب حين يصير القمر بدرا‏.‏ والشعري اليمانية جنوبا والسهي في القلب‏.‏ هكذا تؤرخ النجدية لايام الضيق وايام الفرج‏.‏
وهكذا تدخلنا ميرال الطحاوي في قلب علاقة احداث الارض بنجوم السماء وطوالعها في النحس والسعود من ناحية‏,‏ وعلاقة عين الراوية الصغيرة‏,‏ التي تلتقط مشاهد الشخوص‏,‏ وحديث نجواهم وسمرهم‏,‏ المرتبط بمصائرهم وأقدارهم من ناحية ثانية مما يخلق لونا من التوحد والتماهي بين الظباء والنساء ونجوم السماء وتصبح نقرات الظباء عنوانا رامزا للرواية‏,‏ وكاشفا عن كيفية تشكيل عالمها السردي‏,‏ لان حركة الذاكرة خلال الكتابة لاتمضي في نسق زمني متصل‏,‏ ولادورات مكتملة‏,‏ بل هي نقرات مبعثرة علي أديم الأرض تعكس ومضات السماء وهي تبرق بمعني الوجود‏.‏
الامر الذي يفرض علي القاريء موقفا ابداعيا يختلف عما تعود عليه من قبل‏,‏ اذ يواجه فجوة كبيرة في سياق السرد‏,‏ لاتمتليء في حينها بالاحداث‏,‏ بل تتري المشاهد بسرعة ايقاع لاهث‏,‏ وتتداخل المصائر خلال القص‏,‏ فإذا بالفجوات التي قفز فوقها تمتليء بالماء رويدا رويدا‏,‏ وإذا بالحكاية تكتمل في نهاية المطاف‏.‏ هذا النوع المحدث من الكتابة السردية يتطلب منا قدرا من اليقظة والمشاركة في تعشيق المسافات الزمنية‏,‏ لأن المعني المجدول يتم إنتاجه عن طريق الانتقاء والتركيب والتقديم والتأخير‏,‏ وهو يختلف بشكل حاسم عن القصة التقليدية التي توازي الحياة وتحاكيها‏,‏ مما كانت ترتاح له ذائقة الأجيال الماضية‏.‏ القراءة في أدب اليوم تتطلب جهدا خلاقا مثل الكتابة‏,‏ لأنها تقوم بدور فعال في صنع الدلالة‏.‏

عالم البداوة‏:‏
تتميز ميرال الطحاوي‏,‏ بين بنات جيلها من المبدعات‏,‏ بذكاء نفاذ‏.‏ تجلي في اختيارها لعالم بكر‏,‏ لم يسبق تقديمه في الرواية العربية في مصر‏,‏ وهو عالم العرب البدو الذين عاشوا علي هامش تخوم الوادي مع الصحراء‏,‏ وترفعوا نسبيا عن الاختلاط بأهل مصر من الفلاحين وعدم التزاوج معهم‏,‏ حتي صار شعارهم نرميها للتمساح ولا يأخذها الفلاح ونعموا حينا ببعض الإقطاعيات التي أعطاها لهم الولاة جذبا لولائهم وخوفا من ثوراتهم وتمييزا لسلالات الفاتحين العرب علي أهل البلاد الأصليين‏.‏
لكن تطورات الحياة الاقتصادية‏,‏ وغروب نمط الإنتاج البدوي في المراعي حينا‏,‏ وانتهاء عصر سلالات الجياد العربية الأصلية‏,‏ طويلة العنق‏,‏ الي درجة انها تشرب الماء من النهر وهي واقفة‏,‏ كل ذلك ادي الي تدهور قيم هذا العالم وغروب أفقه‏.‏ وابداع ميرال الطحاوي يقف شاهدا علي لحظة الشفق الشجي في هذا الغروب‏.‏ خاصة لأنه مكتوب من منظور انثوي‏,‏ ينتمي في الظاهر اليه‏,‏ لكنه لايلبث ان يعاني في صميم روحه تجربة الاندماج العميق بالعالم المدني المتحضر‏,‏ وهو يفرغ ذاكرته من تجارب البداوة الاولي بسرد مدهش‏,‏ يقبض علي جمرة العالم المنطفي‏,‏ وهو يحاول بيأس ان يتوهج مرة اخيرة تحت شعار البداوة اصل الحضارة‏.‏

اكن المشكلة التي تواجه قاريء الرواية هي تدفق المعلومات وغزارتها الشديدة‏,‏ فقد قرأت الكاتبة كثيرا من المراجع واختزنت اقوالا وامثالا ورؤي كثيرة ثم وظفتها بكثافة في المادة الروائية‏,‏ فساقت بيانات مطولة عن هجرة القبائل بين الوادي والصحراء ورحلات الصيد وانواع الحيوان وعادات الصقور وطرائق التعامل معها‏,‏ مما يكفي لملء عشرات الروايات التي تحرص علي التمثيل البطيء والتقديم المتريث للنماذج والمواقف‏.‏ غير انها عندما تتوقف حيال نموذج نسوي خصب تعرف كيف تجسده بضربات تشكيلية بارعة‏,‏ فجدتها النجدية مثلا كان زوجها لملوم باشا فخورا بها فرغم انها مهرة اصيلة ـ أي عربية خالصة ـ لم تكن ترتدي البراقع السود‏,‏ وتخرج من غطاء رأسها خصلة الشعر الناعمة‏,‏ وتعلق علي مفرق جبهتها التعاليق الذهبية كأميرة تركية‏.‏ كانت تعرف كيف تصنع ابرمة الحمام‏,‏ والترلي‏,‏ وتحشو الضأن بالزعتر والفستق‏,‏ وفي صينية القلل الفخارية تضع اوراق الكافور‏,‏ وتذيب في الماء رائحة الورد المقطرة‏,‏ وتدس بين الملابس اوراق الحناء‏.‏
هذه الجدة كانت تسمي النجدية في إشارة واضحة لحركة القبائل بين سيناء التي كانت كلها إقطاعا لعائلة لملوم باشا الباسل وبين ارض الحجاز ونجد‏,‏ في الفترة التي كانت مصر فيها اغني ولايات الامبراطورية العثمانية‏,‏ وعندما اكتشفت العبيد قبيل منتصف القرن العشرين ان هناك اسيادا اكثر ثراء اخذ يشحنهم مبارك العبد ليعملوا في تلك الأرض البعيدة التي بدأ يخرج منها النفط حيث يجيدون ـ كما هو شأنهم دائما ـ سلخ الضأن وغلي القهوة بالحبهان والهيل‏,‏ وتدليك السيقان بالماء الدافيء والريحان الأخضر‏.‏ هم بارعون في وقد النيران‏,‏ ويعرفون كثيرا عن الصقور والشواهين‏,‏ كتنظيف ساق الطيرة حتي لاتصاب بالبثور‏,‏ ومكافأة المهرات بقطع السكر‏,‏ وترويض الكلاب السلوقي‏,‏ كانوا بارعين تماما في تلك الاعمال‏,‏ طالما ان الاسياد بارعون ايضا في ان يظلوا علي سيادتهم‏.‏
وعلي الرغم من تدفق المعلومات وتسجيل المشاهد والحركات والأسماء والنوادر المحكية في سياق السرد‏,‏ غير ان الرواية تبذر في ثنايا هذا الوصف المترف إشارات متواترة لتموجات الزيارات ولهجرات وتحولات الثروات في هذه المناطق‏.‏
فالحد اخذ يبيع ارضه قيراطا قيراطا‏,‏ ينفق ثمنها علي تتبع السلالات الصافية من الجياد العربية‏,‏ وينتقم من مدرس غرباوي محدث‏,‏ نهر ابنته وهي تغني في الفصل الدراسي أنشودة دالة‏:‏ـ عايش في عزه ودلاله‏/‏ من كتر نياقه وجماله‏/‏ وعنده عزوه من رجاله‏/‏ مافيهم واحد دلال فجذبها من ذراعها قائلا فاكره نفسك في عزبة ابوك‏,‏ وعندما نصحه رفاقه بالاعتذار لأهلها لانهم عرب وطباعهم صعبة‏,‏ وقد يفعلون اي شيء إذا جرح احد كرامتهم لم يقتنع بما قيل ولم يكفر عن ذنبه فاحترقت ذات مساء المدرسة الابتدائية التي كانت تحمل اسم آل منازع‏,‏ وعندما اعيد بناؤها جعلوا اسمها الجديده مدرسة رفعت عبد الحي‏,‏ ولم تفلح محاولات الجد لمنع الاستهانة بتراث الآباء والاجداد‏.‏ وعندما قالوا له ان عبد الحي قائد الحرس الخامس ورجل من رجالات الثورة عاد الي البيت وترس ظهره إلي حائط المضيفة دون ان يتكلم‏,‏ بل ظل يخط بعود جاف في الرمال بيد مرتعشة‏.‏ هكذا ترسم الراوية بمهارة فائقة خطوطا عريضة لمشاهد كبري عامرة بتحولات الزمان والمكان‏,‏ منذرة باندثار عالم قديم للبروز الموجع لعالم جديد مكانه

اكتمال الدائرة‏:‏
لان رواية نقرات الظباء تتميز بتعدد الشخوص وتوزع عمليات التركيز بينها بحيث لاتقتصر علي بؤرة واحدة‏,‏ فان المعني الروائي يتنقل فيها من جيل الي جيل من الجدة الي الابنة والحفيدة الراوية‏,‏ لكن تظل هند واختها سهيلة المحور الاساسي للسرد‏,‏ وهما من الجيل الاوسط وتكتمل دائرة المعني نسبيا عندما تمتليء الفجوة التي أشرنا إليها في مأساة هند‏,‏ ومن الملاحظ أن الراوية تستخدم في سردها دائما صيغة المستقبل‏,‏ كانها ترصد الاحداث وهي تتشكل وتتراءي امامنا علي الصفحات حيث نعرف ان هند عشقت شابا اوروبيا رساما حل بمضيفة ابيها وعرفت كيف تتسلل الي غرفته‏,‏ وتتمدد امامه وهو يرسم جسدها‏:‏ لن تقول خادمتها ان الحسنة التي بين تدييها كانت لهند فعلا‏,‏ وعندما زفوها رغما عنها لابن عمها اجتهدت في ليلة عرسها ان ترفع شعرها الطويل بوكليت فوق الطرحة الثل‏,‏ وهن يضعن تحت قدميها اوراق الكافور والريحان حتي تصبح حياتها الجديدة خضراء معطرة‏,‏ لكن حياتها معها كانت مستحيلة ـ كما ستصبح كذلك حياة اختها معه ايضا ـ اصيبت بالذهول‏,‏ واصبحت تخرج عارية بالليل دون شعور‏,‏ وعندما وقفت ذات ليلة امام ابيها كما ولدتها امها امر الخادمات ان يلقين عليها ملاءة بيضاء‏,‏ ويقيدنها ويسقنها الي حجرة في قبو مظلم تقضي فيه بقية عمرها وهي تنظر من كوة في السقف تتدلي منها سلال الطعام الي ظبية هاربة‏,‏ تركت مثلها وليدا صغيرا لم يتعلم الركض في سماء سوداء قاحلة‏.‏
ولان الذاكرة التي توظفها الراوية في سردها ذات طبيعة بصرية‏,‏ فإنها تتوقف امام الصور وتلاحظ تفاصيلها حضورا وغيابا‏,‏ وترقب مافعله الزمن بألوانها وأوضاعها‏.‏ وكأن الصياغة اللغوية التي تسخدم افعال الاستقبال توظف لملء الفراغات بين لحظة التصوير والرسم القديمة من ناحية‏,‏ ولحظة التجسيد الفني المبدع في الكتابة الروائية من ناحية اخري‏,‏ بما يعطي للماضي طابعه التشكيلي البارز‏,‏ ويمنح الذاكرة بعدها الزمني الرائق‏,‏ ويضفي علي الرواية توهجها الابداعي المكثف النضير‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية