|
|
 |
ميرال الطحاوي مبدعة مصرية شابة ومثقفة, استطاعت بثلاث روايات ومجموعة قصصية فحسب أن تقفز برشاقة فوق لغتها العربية, لتترجم إلي عدة لغات حية. وتمثل حضورا ابداعيا متألقا, عبر اكتشاف عالم البدو المصري, المتمازج بقوة مع عالم الحضارة, وأن تجسده من خلال منظور أنثوي حميم, يلقي ضوءه الغامر علي مناطق ظلت مغلفة بالضباب. في ثنايا الوجود الفردي والجماعي, للرجال والنساء, في قلب الحياة المفعمة بعطر التاريخ ونكهة الوجود, وطزاجة الخلق الجميل. وفي روايتها الأخيرة نقرات الظباء نري الراوية منذ المشهد الأول تتقمص منظور طفلة صغيرة, هي بنت شيخ العرب, لتحكي عن عالمها ومايغمره من صور. تركز حدقتها في هند التي تقفز بتاريخها ابتداء من صورة قديمة معلقة, يقفون امامها في غرفة الصالون وقد امتلأت حوائطها باللوحات الباهتة وتبدو فيها صغيرة بجدائل طويلة, حتي رأتها آخر مرة وكان شعرها كثيف البياض, وجسدها شديد النحول. رأتهم يسكبون الماء عليها قبل ان يلفوها بالكفن, بعدها ينثرون العطور وينصرفون دون ان يصرخوا او حتي يلبسوا ثياب الحداد.
ثم تسترجع الرواية ـ التي لاتبارح منظورها الطفولي المصغر ـ بالرغم من الاماد الزمنية التي تطارحها, مما يستوعب حيوات بأكملها, تسترجع اول مرة شاهدوا فيها هند وهي تركض في الفناء كانت مهرة ناعسة علي حجر النجدية ـ لاحظ تلقائية الأسماء, وارتباطها بعالم الحيوان والمكان البدوي ـ وهي تحكي لها حكاية السهي ـ النجم المضيء ـ تلك الظبية التي ركضت في السماء. ولأنها تركت وليدا صغيرا علي الرمال, لايعرف كيف يهرب من صياده, تركت له نقراتها المضيئة نجوما تتنبأ بمواضع الخطر. تفرد النجدية اصابعها محددة ساعات النحس, حين يهل الهلال والسهي عن يساره, وايام الزعابيب حين يصير القمر بدرا. والشعري اليمانية جنوبا والسهي في القلب. هكذا تؤرخ النجدية لايام الضيق وايام الفرج. وهكذا تدخلنا ميرال الطحاوي في قلب علاقة احداث الارض بنجوم السماء وطوالعها في النحس والسعود من ناحية, وعلاقة عين الراوية الصغيرة, التي تلتقط مشاهد الشخوص, وحديث نجواهم وسمرهم, المرتبط بمصائرهم وأقدارهم من ناحية ثانية مما يخلق لونا من التوحد والتماهي بين الظباء والنساء ونجوم السماء وتصبح نقرات الظباء عنوانا رامزا للرواية, وكاشفا عن كيفية تشكيل عالمها السردي, لان حركة الذاكرة خلال الكتابة لاتمضي في نسق زمني متصل, ولادورات مكتملة, بل هي نقرات مبعثرة علي أديم الأرض تعكس ومضات السماء وهي تبرق بمعني الوجود. الامر الذي يفرض علي القاريء موقفا ابداعيا يختلف عما تعود عليه من قبل, اذ يواجه فجوة كبيرة في سياق السرد, لاتمتليء في حينها بالاحداث, بل تتري المشاهد بسرعة ايقاع لاهث, وتتداخل المصائر خلال القص, فإذا بالفجوات التي قفز فوقها تمتليء بالماء رويدا رويدا, وإذا بالحكاية تكتمل في نهاية المطاف. هذا النوع المحدث من الكتابة السردية يتطلب منا قدرا من اليقظة والمشاركة في تعشيق المسافات الزمنية, لأن المعني المجدول يتم إنتاجه عن طريق الانتقاء والتركيب والتقديم والتأخير, وهو يختلف بشكل حاسم عن القصة التقليدية التي توازي الحياة وتحاكيها, مما كانت ترتاح له ذائقة الأجيال الماضية. القراءة في أدب اليوم تتطلب جهدا خلاقا مثل الكتابة, لأنها تقوم بدور فعال في صنع الدلالة.
عالم البداوة: تتميز ميرال الطحاوي, بين بنات جيلها من المبدعات, بذكاء نفاذ. تجلي في اختيارها لعالم بكر, لم يسبق تقديمه في الرواية العربية في مصر, وهو عالم العرب البدو الذين عاشوا علي هامش تخوم الوادي مع الصحراء, وترفعوا نسبيا عن الاختلاط بأهل مصر من الفلاحين وعدم التزاوج معهم, حتي صار شعارهم نرميها للتمساح ولا يأخذها الفلاح ونعموا حينا ببعض الإقطاعيات التي أعطاها لهم الولاة جذبا لولائهم وخوفا من ثوراتهم وتمييزا لسلالات الفاتحين العرب علي أهل البلاد الأصليين. لكن تطورات الحياة الاقتصادية, وغروب نمط الإنتاج البدوي في المراعي حينا, وانتهاء عصر سلالات الجياد العربية الأصلية, طويلة العنق, الي درجة انها تشرب الماء من النهر وهي واقفة, كل ذلك ادي الي تدهور قيم هذا العالم وغروب أفقه. وابداع ميرال الطحاوي يقف شاهدا علي لحظة الشفق الشجي في هذا الغروب. خاصة لأنه مكتوب من منظور انثوي, ينتمي في الظاهر اليه, لكنه لايلبث ان يعاني في صميم روحه تجربة الاندماج العميق بالعالم المدني المتحضر, وهو يفرغ ذاكرته من تجارب البداوة الاولي بسرد مدهش, يقبض علي جمرة العالم المنطفي, وهو يحاول بيأس ان يتوهج مرة اخيرة تحت شعار البداوة اصل الحضارة.
اكن المشكلة التي تواجه قاريء الرواية هي تدفق المعلومات وغزارتها الشديدة, فقد قرأت الكاتبة كثيرا من المراجع واختزنت اقوالا وامثالا ورؤي كثيرة ثم وظفتها بكثافة في المادة الروائية, فساقت بيانات مطولة عن هجرة القبائل بين الوادي والصحراء ورحلات الصيد وانواع الحيوان وعادات الصقور وطرائق التعامل معها, مما يكفي لملء عشرات الروايات التي تحرص علي التمثيل البطيء والتقديم المتريث للنماذج والمواقف. غير انها عندما تتوقف حيال نموذج نسوي خصب تعرف كيف تجسده بضربات تشكيلية بارعة, فجدتها النجدية مثلا كان زوجها لملوم باشا فخورا بها فرغم انها مهرة اصيلة ـ أي عربية خالصة ـ لم تكن ترتدي البراقع السود, وتخرج من غطاء رأسها خصلة الشعر الناعمة, وتعلق علي مفرق جبهتها التعاليق الذهبية كأميرة تركية. كانت تعرف كيف تصنع ابرمة الحمام, والترلي, وتحشو الضأن بالزعتر والفستق, وفي صينية القلل الفخارية تضع اوراق الكافور, وتذيب في الماء رائحة الورد المقطرة, وتدس بين الملابس اوراق الحناء. هذه الجدة كانت تسمي النجدية في إشارة واضحة لحركة القبائل بين سيناء التي كانت كلها إقطاعا لعائلة لملوم باشا الباسل وبين ارض الحجاز ونجد, في الفترة التي كانت مصر فيها اغني ولايات الامبراطورية العثمانية, وعندما اكتشفت العبيد قبيل منتصف القرن العشرين ان هناك اسيادا اكثر ثراء اخذ يشحنهم مبارك العبد ليعملوا في تلك الأرض البعيدة التي بدأ يخرج منها النفط حيث يجيدون ـ كما هو شأنهم دائما ـ سلخ الضأن وغلي القهوة بالحبهان والهيل, وتدليك السيقان بالماء الدافيء والريحان الأخضر. هم بارعون في وقد النيران, ويعرفون كثيرا عن الصقور والشواهين, كتنظيف ساق الطيرة حتي لاتصاب بالبثور, ومكافأة المهرات بقطع السكر, وترويض الكلاب السلوقي, كانوا بارعين تماما في تلك الاعمال, طالما ان الاسياد بارعون ايضا في ان يظلوا علي سيادتهم. وعلي الرغم من تدفق المعلومات وتسجيل المشاهد والحركات والأسماء والنوادر المحكية في سياق السرد, غير ان الرواية تبذر في ثنايا هذا الوصف المترف إشارات متواترة لتموجات الزيارات ولهجرات وتحولات الثروات في هذه المناطق. فالحد اخذ يبيع ارضه قيراطا قيراطا, ينفق ثمنها علي تتبع السلالات الصافية من الجياد العربية, وينتقم من مدرس غرباوي محدث, نهر ابنته وهي تغني في الفصل الدراسي أنشودة دالة:ـ عايش في عزه ودلاله/ من كتر نياقه وجماله/ وعنده عزوه من رجاله/ مافيهم واحد دلال فجذبها من ذراعها قائلا فاكره نفسك في عزبة ابوك, وعندما نصحه رفاقه بالاعتذار لأهلها لانهم عرب وطباعهم صعبة, وقد يفعلون اي شيء إذا جرح احد كرامتهم لم يقتنع بما قيل ولم يكفر عن ذنبه فاحترقت ذات مساء المدرسة الابتدائية التي كانت تحمل اسم آل منازع, وعندما اعيد بناؤها جعلوا اسمها الجديده مدرسة رفعت عبد الحي, ولم تفلح محاولات الجد لمنع الاستهانة بتراث الآباء والاجداد. وعندما قالوا له ان عبد الحي قائد الحرس الخامس ورجل من رجالات الثورة عاد الي البيت وترس ظهره إلي حائط المضيفة دون ان يتكلم, بل ظل يخط بعود جاف في الرمال بيد مرتعشة. هكذا ترسم الراوية بمهارة فائقة خطوطا عريضة لمشاهد كبري عامرة بتحولات الزمان والمكان, منذرة باندثار عالم قديم للبروز الموجع لعالم جديد مكانه
اكتمال الدائرة: لان رواية نقرات الظباء تتميز بتعدد الشخوص وتوزع عمليات التركيز بينها بحيث لاتقتصر علي بؤرة واحدة, فان المعني الروائي يتنقل فيها من جيل الي جيل من الجدة الي الابنة والحفيدة الراوية, لكن تظل هند واختها سهيلة المحور الاساسي للسرد, وهما من الجيل الاوسط وتكتمل دائرة المعني نسبيا عندما تمتليء الفجوة التي أشرنا إليها في مأساة هند, ومن الملاحظ أن الراوية تستخدم في سردها دائما صيغة المستقبل, كانها ترصد الاحداث وهي تتشكل وتتراءي امامنا علي الصفحات حيث نعرف ان هند عشقت شابا اوروبيا رساما حل بمضيفة ابيها وعرفت كيف تتسلل الي غرفته, وتتمدد امامه وهو يرسم جسدها: لن تقول خادمتها ان الحسنة التي بين تدييها كانت لهند فعلا, وعندما زفوها رغما عنها لابن عمها اجتهدت في ليلة عرسها ان ترفع شعرها الطويل بوكليت فوق الطرحة الثل, وهن يضعن تحت قدميها اوراق الكافور والريحان حتي تصبح حياتها الجديدة خضراء معطرة, لكن حياتها معها كانت مستحيلة ـ كما ستصبح كذلك حياة اختها معه ايضا ـ اصيبت بالذهول, واصبحت تخرج عارية بالليل دون شعور, وعندما وقفت ذات ليلة امام ابيها كما ولدتها امها امر الخادمات ان يلقين عليها ملاءة بيضاء, ويقيدنها ويسقنها الي حجرة في قبو مظلم تقضي فيه بقية عمرها وهي تنظر من كوة في السقف تتدلي منها سلال الطعام الي ظبية هاربة, تركت مثلها وليدا صغيرا لم يتعلم الركض في سماء سوداء قاحلة. ولان الذاكرة التي توظفها الراوية في سردها ذات طبيعة بصرية, فإنها تتوقف امام الصور وتلاحظ تفاصيلها حضورا وغيابا, وترقب مافعله الزمن بألوانها وأوضاعها. وكأن الصياغة اللغوية التي تسخدم افعال الاستقبال توظف لملء الفراغات بين لحظة التصوير والرسم القديمة من ناحية, ولحظة التجسيد الفني المبدع في الكتابة الروائية من ناحية اخري, بما يعطي للماضي طابعه التشكيلي البارز, ويمنح الذاكرة بعدها الزمني الرائق, ويضفي علي الرواية توهجها الابداعي المكثف النضير. |
|
|
|
|
|