 |
أول فتاة تجلس في مدرج كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول.. أول أمرأة ترتدي ثوب المحاماة في العالم العربي.. أول وجه نسائي يظهر في المحاكم العسكرية.. أول سيدة تنضم إلي لجان تعديل القوانين.. أنها الأستاذة المحامية مفيدة عبدالرحمن التي رحلت عن عالمنا منذ أيام عن عمر يناهز88 عاما.. بعد أن قدمت لنا نموذجا راقيا ومدهشا لحياة انسانية تحققت فيها معادلة صعبة هي النجاح في العمل والزواج. فلم تجد وهي في قمة مجدها وتألقها ما يمس كرامتها أو ينقص من مكانتها أن تنظف حذاء زوجها.. في المقابل.. لم يشعر زوجها أن صورته كرجل قد تهتز لو قام برعاية أطفالهما التسعة.. في الصباح وقبل أن يفترقا ليتجه كل منهما إلي عمله كان يقبل يدها.. وتقبل يده.. فقد كان شعارها.. أنا مع تحرير المرأة وضد تحررها.
ما شاهدته في ساحات المحاكم وطرقاتها.. جعلها تكره بشدة كلمة الطلاق.. فلا شيء يستحق انهيار البيوت وتشرد الأبناء ومعاناه الأمهات..آمنت بأن العلم والتكنولوجيا يساويان صفرا دون الحب والحنان والرحمة.. فلو عرفت الرحمة طريقها إلي القلوب ما أريقت الدماء ولا تسيدت الشراسة.. كانت ترفض الدفاع عن القتلة.. وتعقد جلسات صلح بين المتنازعين.. وتري أن التسامح من شيمة الأقوياء.. أما الكراهية فهي واحدة من أسوأ طباع البشر.. وأن الرضي بالواقع هو أول خطوة في طريق السعادة.. أجمل أيام حياتها تلك التي استطاعت فيها أن تنقذ بريئا من حبل المشنقة.. أو ترد حقا لمسلوب أو تنصر مظلوما علي ظالم.. تمنت اختفاء بيت الطاعة من قانون الأحوال الشخصية.. فهو مهانة للرجل قبل أن يكون مهانة للمرأة.. كما وتمنت أيضا رفع سن الحضانة بالنسبة للأبناء.. وأن بقاءهم يكون مع الأصلح من الوالدين.
ترفض منطق هؤلاء الذين يردن أن المرأة لا تصلح لوظيفة قاض.. فما أحوج هذه الوظيفة لإنسانية المرأة.. ولا توافق علي الاعتقاد الذي يسيطر علي بعض الأذهان بأن عمل المرأة يأتي علي حساب بيتها وزوجها وأولادها.. قالت: هذا ما لم أعرفه في حياتي.. فقد تزوجت بعد انتهاء دراستي الثانوية.. وأنجبت وأنا طالبة في الجامعة.. وعملت وأنا أم لتسعة أبناء.. ولم يحدث يوما أن قصرت في حقهم. لم يكن مشوار حياتها سهلا.. ولا كان طريقها مفروشا بالورود.. ولكنها كانت محظوظة مرتين..
المرة الأولي.. لكونها ابنة لأب مستنير آمن في بدايات القرن العشرين بضرورة تعليم البنات.. فأرسل شقيقتها إلي لندن لدراسة الطب.. وأرسلها هي عام1935 إلي كلية الحقوق.. جملة واحدة قالها لها: لا تتكلمي مع أحد من زملائك الطلبة.. وفعلا.. كانت تجلس وحيدة في الصف الأول منذ الصباح وحتي انتهاء اليوم الدراسي دون أن تنطق بكلمة واحدة.. المرة الثانية.. حين تزوجت من الكاتب المفكر محمد عبداللطيف وكان مثل والدها رجلا مستنيرا.. يؤمن بحق المرأة في التعليم والعمل.. فحين فشلت بعد تخرجها في الحصول علي وظيفة.. وافق علي استقطاع غرفة من منزل الزوجية لتكون بمثابة مكتب محاماة لها.. وفي أول قضية تترافع فيها منحت اتعابا لا تتجاوز عشرين قرشا.. بعدها منحها أبناء دائرتها ثقة لاتقدر بثمن.. ثقة أجلستها في مجلس الأمة ستة عشر عاما.. وأجلستها علي كرسي الرئاسة في الاتحاد الدولي للمحاميات وداعا أيتها السيدة الرائعة.. دفء شخصيتك.. وصفاء نفسك.. وجمال كلماتك.. وعمق تجربتك.. ستظل حية في وجدان معارفك وتلاميذك وجيرانك وموكليك.. صعب أن ينساك من عرفك! |