المرأة و الطفل

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

بين الأستاذة مفيدة عبدالرحمن وزوجها علي مدي‏40‏ عاما
قبلة علي اليد كل صباح

كتبت ـ ميرفت عثمان‏:‏
أول فتاة تجلس في مدرج كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول‏..‏ أول أمرأة ترتدي ثوب المحاماة في العالم العربي‏..‏ أول وجه نسائي يظهر في المحاكم العسكرية‏..‏ أول سيدة تنضم إلي لجان تعديل القوانين‏..‏ أنها الأستاذة المحامية مفيدة عبدالرحمن التي رحلت عن عالمنا منذ أيام عن عمر يناهز‏88‏ عاما‏..‏ بعد أن قدمت لنا نموذجا راقيا ومدهشا لحياة انسانية تحققت فيها معادلة صعبة هي النجاح في العمل والزواج‏.‏
فلم تجد وهي في قمة مجدها وتألقها ما يمس كرامتها أو ينقص من مكانتها أن تنظف حذاء زوجها‏..‏ في المقابل‏..‏ لم يشعر زوجها أن صورته كرجل قد تهتز لو قام برعاية أطفالهما التسعة‏..‏ في الصباح وقبل أن يفترقا ليتجه كل منهما إلي عمله كان يقبل يدها‏..‏ وتقبل يده‏..‏ فقد كان شعارها‏..‏ أنا مع تحرير المرأة وضد تحررها‏.‏

ما شاهدته في ساحات المحاكم وطرقاتها‏..‏ جعلها تكره بشدة كلمة الطلاق‏..‏ فلا شيء يستحق انهيار البيوت وتشرد الأبناء ومعاناه الأمهات‏..‏آمنت بأن العلم والتكنولوجيا يساويان صفرا دون الحب والحنان والرحمة‏..‏ فلو عرفت الرحمة طريقها إلي القلوب ما أريقت الدماء ولا تسيدت الشراسة‏..‏ كانت ترفض الدفاع عن القتلة‏..‏ وتعقد جلسات صلح بين المتنازعين‏..‏ وتري أن التسامح من شيمة الأقوياء‏..‏ أما الكراهية فهي واحدة من أسوأ طباع البشر‏..‏ وأن الرضي بالواقع هو أول خطوة في طريق السعادة‏..‏ أجمل أيام حياتها تلك التي استطاعت فيها أن تنقذ بريئا من حبل المشنقة‏..‏ أو ترد حقا لمسلوب أو تنصر مظلوما علي ظالم‏..‏
تمنت اختفاء بيت الطاعة من قانون الأحوال الشخصية‏..‏ فهو مهانة للرجل قبل أن يكون مهانة للمرأة‏..‏ كما وتمنت أيضا رفع سن الحضانة بالنسبة للأبناء‏..‏ وأن بقاءهم يكون مع الأصلح من الوالدين‏.‏

ترفض منطق هؤلاء الذين يردن أن المرأة لا تصلح لوظيفة قاض‏..‏ فما أحوج هذه الوظيفة لإنسانية المرأة‏..‏ ولا توافق علي الاعتقاد الذي يسيطر علي بعض الأذهان بأن عمل المرأة يأتي علي حساب بيتها وزوجها وأولادها‏..‏ قالت‏:‏ هذا ما لم أعرفه في حياتي‏..‏ فقد تزوجت بعد انتهاء دراستي الثانوية‏..‏ وأنجبت وأنا طالبة في الجامعة‏..‏ وعملت وأنا أم لتسعة أبناء‏..‏ ولم يحدث يوما أن قصرت في حقهم‏.‏
لم يكن مشوار حياتها سهلا‏..‏ ولا كان طريقها مفروشا بالورود‏..‏ ولكنها كانت محظوظة مرتين‏..‏

المرة الأولي‏..‏ لكونها ابنة لأب مستنير آمن في بدايات القرن العشرين بضرورة تعليم البنات‏..‏ فأرسل شقيقتها إلي لندن لدراسة الطب‏..‏ وأرسلها هي عام‏1935‏ إلي كلية الحقوق‏..‏ جملة واحدة قالها لها‏:‏ لا تتكلمي مع أحد من زملائك الطلبة‏..‏ وفعلا‏..‏ كانت تجلس وحيدة في الصف الأول منذ الصباح وحتي انتهاء اليوم الدراسي دون أن تنطق بكلمة واحدة‏..‏
المرة الثانية‏..‏ حين تزوجت من الكاتب المفكر محمد عبداللطيف وكان مثل والدها رجلا مستنيرا‏..‏ يؤمن بحق المرأة في التعليم والعمل‏..‏ فحين فشلت بعد تخرجها في الحصول علي وظيفة‏..‏ وافق علي استقطاع غرفة من منزل الزوجية لتكون بمثابة مكتب محاماة لها‏..‏ وفي أول قضية تترافع فيها منحت اتعابا لا تتجاوز عشرين قرشا‏..‏ بعدها منحها أبناء دائرتها ثقة لاتقدر بثمن‏..‏ ثقة أجلستها في مجلس الأمة ستة عشر عاما‏..‏ وأجلستها علي كرسي الرئاسة في الاتحاد الدولي للمحاميات وداعا أيتها السيدة الرائعة‏..‏ دفء شخصيتك‏..‏ وصفاء نفسك‏..‏ وجمال كلماتك‏..‏ وعمق تجربتك‏..‏ ستظل حية في وجدان معارفك وتلاميذك وجيرانك وموكليك‏..‏ صعب أن ينساك من عرفك‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية