|
رسالة مونتريال : جمال زايدة |
 |
** أكثر من11 شهرا مرت علي أحداث11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن تركت بصمات واضحة علي كندا.. الجار الأقرب للولايات المتحدة.. علي النظام التشريعي.. علي الحقوق والحريات المدنية التي افتخرت بها كندا سنوات طويلة.. علي سياسة الهجرة.. علي إجراءات الأمن في المطارات.. علي السلطات الواسعة التي حصلت عليها اجهزة الأمن والبوليس والمخابرات تحت مظلة مواجهة الإرهاب بصمات واضحة كان لواشنطن دور كبير في ترسيخها في المجتمع الكندي.. بدأت باتهامه بالتراخي في إجراءات الأمن.. وفي استرخاء سياسة الهجرة بحيث سمحت بتسرب بعض العناصر الإرهابية التي لها علاقة بتنظيم القاعدة المتهم الرئيسي في أحداث11 سبتمبر حتي إن كثيرا من المسئولين الأمريكيين لا يتردد عن الإشارة بأصبع الاتهام الي كندا بإيواء خلايا ارهابية في مونتريال.. إلا أن كندا مازالت تقاوم ذلك التيار الكاسح.. تحاول الموازنة ما بين اعتبارات الأمن.. واعتبارات حماية الحريات المدنية للمواطنين بحيث لا تطغي سلطة الدولة علي حريات الأفراد.. هنا جردة حساب ما يقرب من عام. يبدو أن الحقوق الأساسية التي نص عليها القانون والدستور في كندا سوف يمكن المساس بها بسبب ما يسمي بالحرب ضد الإرهاب.. كان هذا هو نص التحذير الذي وجهه المفتش العام. وقد تفجرت قضية الحقوق المدنية بعد انتقادات وجهتها لجنة مراجعة جهاز المخابرات أو ما يسمي بـ خدمات المخابرات الأمنية الكندية.
ولجنة مراجعة أداء جهاز المخابرات هي لجنة تابعة للبرلمان وهدفها ضمان عدم حدوث انتهاكات من جانب هذا الجهاز للحريات المدنية وقد قامت الأسبوع الماضي بتقديم تقريرها للبرلمان أفادت فيه بأن التشريع الخاص بمكافحة الإرهاب والذي يهدف إلي سحق الأفراد والجماعات المرتبطة بالتطرف السياسي سوف يؤدي إلي إثارة الكثير من الشكاوي فيما يتعلق بالخدمة السرية وتأثيرها علي الحريات المدنية. وتقوم لجنة مراجعة أداء جهاز المخابرات بفحص الشكاوي المقدمة ضد جهاز المخابرات والخاصة بقضايا الفحص الأمني والهجرة والجنسية وغيرها. ويبدو أن تصاعد منحني الشكاوي يعود الي ما قبل11 سبتمبر العام الماضي حيث تم تقديم حوالي52 شكوي جديدة. وقد ذكر التقرير أن سجل الشكاوي لم يزد فحسب ولكنه أصبح أكثر تعقيدا وقد رفضت المتحدثة باسم لجنة المراجعة التعليق علي هذا التقرير وبموجب مواد مكافحة الارهاب يمكن تحديد جماعات وأفراد معينين باعتبارهم ارهابيين بما يفتح الباب لاتخاذ اجراءات قانونية ضدهم والتي قد تنتهي بعقوبات جنائية أو تجميد للأصول والأموال, كما يتضمن القانون مواد تسمح بمتابعة الجمعيات الأهلية التي تسعي لاستقطاب أموال خوفا من أن ترتبط بنشاط إرهابي. وأكدت لجنة المراجعة أن كل من يشعر بالتجاوز ضده يوضع اسمه علي هذه القوائم سوف يتم الأخذ بشكواه بعين الاعتبار وذكرت شانتال لابالم المتحدثة باسم جهاز المخابرات أن كل شخص من حقه أن يتقدم بشكواه لكن مع ملاحظة ان التشريع يحتوي علي مواد تسمح للمحكمة الفيدرالية بوضع أي شخص أو جماعة علي لائحة الإرهاب أو تحرم الجماعات الأهلية غير الحكومية من صفتها بما يجردها من ميزة جمع معونات أو تبرعات.
فحص مسافري الطائرات إن منح جميع السلطات للبوليس لفحص جميع المسافرين علي متن الطائرات القادمة والمغادرة لكندا للبحث عن الارهابيين المحتملين, وغض الطرف في نفس الوقت عن المجرمين الآخرين المتورطين في عمليات خطف الأطفال وتسفيرهم من كندا علي سبيل المثال غير مبرر علي الاطلاق, هذا ما أعلنه المحامي العام لورانس ماكولي في كندا خلال مناقشة مشروع قانون مكافحة الارهاب. وقال ماكولي: لو حدث وقامت أجهزة المخابرات في كندا بتحليل القوائم التي تضم أسماء المسافرين بحثا عن إرهابيين محتملين, وتم تجاهل المجرمين الآخرين المتورطين في قضايا اعتداء جنسي, أو خطف أطفال أو جرائم جنائية هل سيكون الرأي العام الكندي راضيا عما يحدث؟. ولم يتفق مع هذا الرأي جورج رادونسكي المفوض الفيدرالي للشئون الخاصة الذي هاجم السلطات غير المحدودة الممنوحة للبوليس بموجب هذا القانون والتي أكد أنها تمثل اعتداء صارخا ومدمرا علي الحقوق الخاصة للمواطنين. وقال رادونسكي ان هذا من الممكن ان يقود الي تطبيق تلك المعايير علي ركاب الاتوبيسات, والقطارات, والسيارات المستأجرة وهي المعايير التي تطبقها الأنظمة الشمولية وفقا لتعبيره. وقد طالب بضرورة إزالة هذا البند من القانون الجديد وأكد انه يمكن تبرير تقديم قوائم أسماء المسافرين الي البوليس بشكل استثنائي لمكافحة ارهاب محتمل لكن ليس بشكل دائم وكتب خطابا بهذا المعني الي ديفيد كولينت وزير المواصلات المعني بتطبيق هذا القانون. وأضاف أن تطبيق هذا المشروع قد يؤدي الي ظلم بعض المسافرين الذين قد تتشابه أسماؤهم مع الإرهابيين المحتملين. وبموجب القانون فإن علي الشرطة أن تتخلص من المعلومات التي حصلت عليها عن المسافرين خلال مدة أسبوع واحد اللهم إلا إذا شكلت هذه المعلومات خطورة علي أمن المواصلات.
التمييز العرقي اللجنة العامة للشكاوي ضد جهاز الأمن حذرت من استهداف المواطنين الكنديين وحرياتهم المبدئية بدعوي ضمان الأمن اذ اعلنت شيرلي هيفي رئيسة اللجنة ان هناك خطرا حقيقيا بسبب السلطات الجديدة التي حصلت عليها أجهزة الشرطة بسبب قوانين مكافحة الارهاب وعبرت عن مخاوفها من أن يتم استهداف المواطنين بسبب خلفياتهم الثقافية أو العرقية. ويعطي قانون مكافحة الارهاب البوليس سلطة القيام بعمليات قبض وقائية علي بعض المواطنين حيث يتم احتجازهم بدعوي التخطيط لعمليات ارهابية. وأكدت رئيسة اللجنة أن هناك عدة تقارير تفيد بأن البوليس استهدف بعض المواطنين بناء علي خلفياتهم العرقية وهؤلاء خشوا أن يتقدموا بشكاوي. طبعا لم تقف منظمات حقوق الإنسان, أو المعارضة للحكومة, أو ذو الاتجاهات الليبرالية مكتوفة الأيدي, وإنما قدموا انتقادات عديدة للقانون الجديد لتأثيره علي الحريات المدنية. لقد تزامن اصدار هذا التشريع مع مجموعة من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة مثل اضافة بعض المؤسسات الي القائمة الخاصة بالارهاب مثل مؤسسة اوليما التي يوجد مقرها الأساسي في باكستان والتي ذكرت واشنطن ان تلك المؤسسة قامت بتمويل جماعة طالبان في أفغانستان, وتجميد أموال أحمد إدريس نصر الدين, وهو أثيوبي تقول السلطات الأمريكية أنه وفر دعما مباشرا لشخص اسمه يوسف ندا, وبنك التقوي المتهم بتقديم المساعدات المالية إلي أسامة بن لادن وشبكة تنظيم القاعدة. بالإضافة الي وضع اسم عبد القادر محمود السيد وهو مصري متهم في قضية الأقصر وتتهمه الولايات المتحدة بأنه المنظم لخلية تنظيم القاعدة في ميلانو بإيطاليا.
أين الإحساس بالأمن؟ لقد بلغت الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات الكندية أقصاها في المطارات وهو ما حظي بتقريظ اتحاد المحامين. لكن هل أدي التشريع الذي صدر ضد الإرهاب الي بث الاحساس بالراحة والطمأنينة لدي المواطنين؟ يقول داريل بريكر وهو رئيس شركة لاستطلاعات الرأي: في الأغلب الأعم الإجابة: لا. في حين قال آخر من جامعة تورنتو: تظل كندا أرضا خصبة للإرهاب رغم أن أهمية الحريات المدنية تتضاءل باسم الأمن. وتركزت انتقادات أخري علي أن كندا فشلت في أن تجمع أجهزتها الأمنية من الشرطة الي المخابرات في مركز قيادة واحد يلبي الأغراض الاستراتيجية وهو نفس الانتقاد الذي يتم توجيهه في الولايات المتحدة أيضا حيث تظل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سي. إي. إيه في جزيرة منعزلة عن مكتب التحقيقات الفيدرالية. وتظل كندا في وضع فريد عن بقية دول العالم فهي الجار الشمالي للولايات المتحدة وهي الحليف الذي يرتبط باتفاقية دفاع عن أمريكا الشمالية, وهي البلد الذي يشارك الولايات المتحدة في حدود طويلة تتجاوز آلاف الكيلومترات, ولذا يعتبرها البعض أرضا خصبة ونقطة تنظيم للانطلاق لشن هجمات ارهابية. الا ان اروين كوتلر النائب البرلماني دافع عن حكومته, وهو عضو في الحزب الليبرالي الحاكم فيما يتعلق بالاجراءات التي اتخذتها في مواجهة الارهاب الا انه اعترف بأن التشريع الذي صدر ذهب بعيدا في بعض النقاط وحذر من أن ينخدع البعض بأن فترة السنوات الخمس التي نص عليها التشريع لمواجهة الارهاب سوف تؤدي الي وفاة هذا التشريع. وهنا يسوق النائب البرلماني أروين كوتلر مثالا حول مدي تغير المزاج العام تجاه اجراءات مكافحة الارهاب بالخطابات التي يوجهها اليه المواطنون إذ يرصد تغيرا دراميا من الرأي العام في الأشهر الأخيرة, حيث كان الرأي العام متحمسا تجاه اتخاذ أية اجراءات لمكافحة الارهاب وذلك في الفترة التي سبقت صدور التشريع رقم36 إلا أن هذا الحماس فتر بعض الشئ اذ زادت اعداد من يدعون الي حماية الحقوق المدنية. الا ان الرد جاء من بيل جراهام وزير خارجية كندا الذي قال ان بلاده تحاول ان توازن ما بين متطلبات الأمن وحماية الحريات المدنية. وقال وزير خارجية كندا ان الانتقادات التي توجه الي الحكومة فيما يتعلق بكيفية مواجهة الارهاب ينبغي أن تؤخذ بحذر حيث دعا البعض الي عزل ميثاق حقوق الانسان عن القانون رقم ـ36 بحيث يمكن للسلطات أن تنفذ هذا القانون بعيدا عن المحاكم, الا ان الحكومة قاومت هذا الإغراء.
اتهامات أمريكية وفي قضايا الارهاب غالبا ما تأتي الاتهامات من داخل الولايات المتحدة بأن كندا تمثل تهديدا لأمريكا الشمالية في هذا المجال وانها تفتح الباب لهجرة الكثيرين الذين قد يندس بينهم العديد من الارهابيين وهو ما ترد عليه جنيفر وولش وهي استادة كندية للعلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد بقولها: ان البعض ينسي أو يتناسي الدور الإنساني الذي تقوم به كندا علي الصعيد الدولي وسمعتها باعتبارها مجتمعا منفتحا كما أن بعض اللاجئين يأتون من دول تصفها الولايات المتحدة بالارهاب لكن هناك شكا محدودا في' أن بعض اللاجئين الذين ينطبق عليهم التعريف الدولي للاجئين قد يكونون ارهابيين لأن معظمهم يثبت ان هناك مخاوف حقيقية مبنية علي تمييز بسبب الجنس او الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي وعبرت جنيفر وولش عن مخاوفها من الاستجابة لواشنطن في هذا المجال لأن معني هذا تجاهل التزامات كندا تجاه العالم. وتشير الي انه لا ينبغي إلقاء اللوم كله علي كندا بسبب احداث11 سبتمبر فكندا هي التي شرعت منذ البداية في وضع نظام منذ6 سنوات يكفل وجود ضباط هجرة في المطارات الدولية بحيث تمنع من يحملون وثائق مزورة من الصعود الي الطائرات وهو النظام الذي اتبعته فيما بعد كثير من الدول ومن بينها الولايات المتحدة. ومنذ احداث11 سبتمبر وكندا تبذل اقصي ما في وسعها بالتعاون مع الولايات المتحدة للتقليل من امكانية اختراق مواطنيهم من قبل الارهاب من خلال تبادل المعلومات بخصوص المسافرين علي متن الطائرات والذين يشكلون مخاطر, وتستطيع كندا أن تفعل المزيد لكن بدون المقايضة علي درجة سيادتها واستقلالها. |
|
|
|
|
|