تقارير المراسلين

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

الإرهاب‏..‏ ومآرب أخري

كتب: عاصم عبد الخالق
بوش يتابع بعينيه غير مصدق التقارير التى يتلقاها حول الهجمات
هل تحارب الولايات المتحدة الإرهاب بالفعل المؤكد أنها تفعل ولكن المؤكد أيضا أن معركتها هذه هي جزء من حرب اكبر لا تخوضها من اجل هذا الهدف وحده بل تتجاوزه بكثير‏.‏
حسنا إذا كان ذلك الافتراض بشقيه صحيحا فكيف تحركت الولايات المتحدة منذ البداية لتسويق فكرة حربها الطويلة غير المقيدة بحدود جغرافية أو برامج زمنية إلي الرأي العام الأمريكي أولا والعالمي بعد ذلك

منذ أحداث سبتمبر كان هذا التحدي واضحا تماما لدي المسئولين في واشنطن‏.‏ والقراءة
المتأنية في الخطاب السياسي الأمريكي تؤكد ذلك وتكشف عن التعامل بمهارة مع الأعلام ومن ثم الرأي العام لاقناعة بان الحرب قد فرضت علي الولايات المتحدة فرضا ولم تسع هي اليها‏.‏

وكان طبيعيا في البداية أن تفسر الإدارة الأمريكية لشعبها لماذا استهدف الإرهابيون بلدهم دون غيره وهي المهمة التي بادر الرئيس جورج بوش بالتصدي لها في أول خطاب له إلي الأمة بعد الأحداث‏.‏ فقد حاول بوش أن يشرح لشعبه أن هجمات سبتمبر لم تكن بسبب سياسات الحكومات الأمريكية المتعاقبة التي جرت عليها الكراهية ولكن‏'‏ لأن أمريكا هي منارة الحرية الأكثر إشراقا في العالم‏'.‏ وعلي ذلك فقد تعهد بوش بشن حرب لحماية الحرية من أعدائها المتربصين بها‏.‏
ولكن ماذا يريد الإرهابيون من أمريكا يجيب بوش أيضا وفي مناسبة أخري هي خطابة الشهير في الأسبوع الأول من أغسطس الماضي والذي أعلن فيه الاستراتيجية الجديدة لحماية الأمن الداخلي من خلال إنشاء وزارة خاصة لهذا الغرض‏.‏ وفي هذا الخطاب حدد بوش صفات العدو وهي الذكاء والإصرار ثم انتقل للحديث عن هدف العدو وهو كما حدده بالنص‏'‏ تدمير أمريكا‏'‏ أما كيف فعن طريق أسلحة كيماوية وبيولوجية واشعاعية ونووية يسعي للحصول عليها‏.‏

وعندما اصبح الرأي العام اكثر قبولا لفكرة الحرب بل مطالبا بها انتقاما للكرامة الوطنية الجريحة كان الدور قد جاء علي وزير الدفاع دونالد رامسفيلد اشهر الصقور المتحمسين للحرب لكي يخاطب الرأي العام بلهجة اكثر واقعية‏.‏ ومن هنا جاء اعترافه المبدئي بان التحدي هذه المرة صعب بل في غاية الصعوبة‏.‏
إذن كيف ستخوض أمريكا حربها يجيب رامسفيلد بان إحداث سبتمبر أثبتت أهمية التحرك لمنع الخطر من المنبع‏.‏ أي الانتقال إلي معاقل الإرهاب وبؤر التهديدات المحتملة والقضاء عليها قبل أن تتحرك هي لتشكل خطرا علي الولايات المتحدة‏.‏

وهذا التصور هو ما اصبح يعرف بعد ذلك باستراتيجية‏'‏ الهجوم الوقائي‏'‏ لضمان وتحقيق الأمن القومي الأمريكي والتي قامت علي أنقاض استراتيجية الردع والاحتواء‏.‏
غير انه لا يمكن الاستسلام ببساطة لمقولة إن أحداث سبتمبر كانت هي السبب الأساسي والمباشر وراء التحول إلي الاستراتيجية الأمنية الجديدة‏.‏ غاية ما هناك أنها لعبت دورا مهما وكبيرا في ذلك التحول وساهمت في الإسراع به وقفزت بالإرهاب إلي صدارة‏'‏ جدول الأعمال الأمريكي‏'‏ دون إهمال أو تناسي بقية بنود هذا الجدول‏.‏

لا يعني ذلك محاولة التهوين من حجم الجرح الذي أصاب الولايات المتحدة جراء أحداث سبتمبر أو التقليل من عمق التداعيات والتأثيرات الداخلية التي أحدثتها تلك الصدمة علي المستويين الشعبي والرسميولكن من الثابت والمعروف أن التفكير في إجراء تطوير استراتيجي في العقيدة العسكرية الأمريكية كان مطروحا للنقاش العلني منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي زوال خطر عدو قوي معروف وبانتفاء هذا السبب تكون الحاجة إلي الاستعدادات الخاصة بمواجهته قد انتفت بدورها‏.‏ وبالفعل فان فكرة الهجمات الوقائية كانت قد نضجت بصورتها النهائية عام‏1994‏ ابان عهد الرئيس السابق بل كلينتون غير انه لم يتم تبنيها رسميا إلا بعد أحداث سبتمبر‏.‏
علي أن اخطر ما في استراتيجية الهجوم الوقائي أنها تعني أن الولايات المتحدة ستعطي أو هي أعطت لنفسها بالفعل الحق في توجيه ضرباتها العسكرية إلي أي دولة في العالم تري انها تمثل خطرا علي أمنها حتي دون وجود تفويض دولي أو غطاء شرعي من مجلس الأمن‏.‏ هذا التوجه الأخير بدأ يكسب أرضية متزايدة داخل الإدارة الأمريكية بل إن رامسفيلد ووفقا لما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي طالب بتوسيع نطاق عمل قواته للقيام بعمليات اغتيال أو اعتقال لعناصر إرهابية في أي دولة بالعالم دون أخطار حكومتها‏.‏

ولا يعني ذلك التطور أن العالم برمته اصبح ساحة حرب مفتوحة أمام الجيوش الأمريكية فحسب بل يعني أيضا أننا بصدد نظام عالمي جديد يتم خلاله تجاوز الإطار العام الذي قام واستقر عليه المجتمع الدولي والذي يضمن للدولة سيادتها واستقلالها ويحظر الاعتداء عليها حماية للمجتمع الدولي نفسه باعتبار الدولة هي وحدته الأساسية‏.‏
وفي ضوء النوايا الأمريكية المعلنة بتوسيع الحرب التي بدأتها بأفغانستان يمكن فهم مغزي الشعارات البراقة التي ترددت بإسهاب في الخطاب الإعلامي الأمريكي الرسمي منذ سبتمبر حيث لم يتوقف المسئولون عن ترديد شعارات مثل‏'‏ الحرب من اجل الحرية‏'‏ والحرب لحماية الديمقراطية‏'‏ والدفاع عن الحضارة الغربية و أيضا‏'‏ حرب الخير ضد الشر‏'‏ الذي اختزله بوش في محور ثلاثي لا يضم غير إيران والعراق وكوريا الشمالية‏.‏

ولا يخفي الغرض من ذلك وهو إضفاء الشرعية علي الحرب والتأكيد لدي الرأي العام علي وجود دوافع أخلاقية نبيلة تبرر خوض غمارها وسقوط ضحايا‏.‏ كما أن هذه الشعارات جاءت فضفاضة بحيث يمكن أن تتسع لتبرير حروب أخري لاحقة‏.‏ فإذا كان تدمير القاعدة وطالبان والسيطرة علي أفغانستان فد تم تحت رايات الحرب ضد الإرهاب‏'‏ فان عملية ضرب العراق وربما غزوه سيناسبها شعار لا يقل بريقا وهو القضاء علي محور الشر أو إرساء الديمقراطية‏.‏
وكما كان الغزو العراقي للكويت وما استتبعه من حرب فرصة تاريخية اقتنصتها أمريكا لتدشن وجودها العسكري الدائم حول منابع البترول وطرق وممرات شحنه في الخليج وبالتالي خلق واقع جديد يمكنها من خلاله ترتيب أوضاع المنطقة وفقا لحساباتها هي فان الحرب التي بدأت بأفغانستان تمثل هي الأخري فرصة مواتية شرعت أمريكا في استثمارها جيدا لتحقيق مجموعة أهداف استراتيجية عبر نشر قواتها في أسيا الوسطي وحتي جورجيا وهي منطقة ظلت تاريخيا خالية من أي وجود عسكري أمريكي‏.‏

وفي أفغانستان كما في الخليج لم يتغير التكتيك الإعلامي الأمريكي حيث يتم التأكيد باستمرار وإلحاح علي أن الخطر الذي جاءت لمواجهته الجيوش مازال ماثلا ومن ثم لامناص من البقاء‏.‏
ولا يخفي بالطبع أن أهداف الوجود العسكري الأمريكي الكثيف والجديد في أسيا الوسطي تتجاوز بكثير مهمة تدمير القاعدة وطالبان أو حتي احتلال أفغانستان‏.‏فلاشك أن واشنطن تضع نصب عينيها الثروات الكامنة في المنطقة خاصة البترول في الجمهوريات الإسلامية بما في ذلك الاحتياطات المؤكدة في بحر قزوين‏.‏كذلك فان وجودها العسكري في هذه البقعة يمثل عنصر ضغط مطلوبا ومفيدا في إدارة علاقاتها المتأرجحة مع الصين ويساعد علي تحجيم دور ونفوذ العملاق الأصفر والتصدي لقوته العسكرية المتنامية وردعه عن التفكير في ضم تايوان بالقوة‏.‏ ولن تكون الصين هي الوحيدة المستهدفة من الوجود الأمريكي فهناك روسيا أيضا وهي ليست سعيدة برؤية القوات الأمريكية في بقعة ظلت دوما منطقة نفوذ تقليدية لموسكو‏.‏ كما يمثل الوجود العسكري الجديد امتدادا للوجود القديم في جنوب شرق القارة عبر كوريا الجنوبية وفي الغرب عبر الخليج ويشكل طوقا محكما لاحتواء الطموحات الهندية وضبط التوازن بينها وبين باكستان مع استكمال حصار إيران من الشرق‏.‏ وإجمالا تضع واشنطن في اعتبارها أهمية وجودها علي المسرح الآسيوي الذي تتعاظم أهميته الاقتصادية وثقله السياسي عالميا‏.‏ بل أن لدي واشنطن تصورات ابعد
مدي عن منظومة أمنية متكاملة لترتيب الأوضاع اسيويا طيلة القرن الحالي من خلال اتفاقيات تعاون دفاعي ربما يكون لليابان دور فيها‏.‏
مرة أخري يتردد صدي السؤال الأول أين محاربة الإرهاب من كل ذلك

ثمة ثلاث ملاحظات تقدم معا إجابة واضحة‏.‏ أولا‏:‏ إن الإرهاب كان بالفعل المحرك والحافز لشن الحرب علي أفغانستان غير انه لم يكن هو العامل الوحيد وراء ذلك وإلا لو كان الهدف هو القاعدة وطالبان لما احتاجت واشنطن إلي إرسال كل تلك الأساطيل وما كان هناك من مبرر لمد الوجود العسكري إلي التخوم الجنوبية لروسيا‏.‏
ثانيا‏:‏ إن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وما سيتلوها من حروب أخري لاهداف مختلفة ينبغي النظر اليها بحسبانها حلقة أو معركة في سلسلة حروب ومواجهات عدة تخوضها أمريكا منذ سنوات علي اكثر من مستوي‏.‏ وعلي الرغم من إصرارها علي عدم وجود رابط يجمع بين تلك الحروب إلا أن واشنطن لا يمكنها أن تخفي سعيها الحثيث لترسيخ هيمنتها علي العالم وقيادتها له تحقيقا لاهداف حيوية تسعي إليها كقوة عظمي وحيدة‏.‏

ثالثا‏:‏تقود النقطة السابقة إلي خلاصة مفادها أن واشنطن لا تشن حاليا حربا من اجل المبادئ بل هي حرب مصالح ذات دوافع برجماتية وليست أخلاقية وهو ما يفسر لماذا لم تشغل الولايات المتحدة نفسها بأشكال ومنظمات الإرهاب العالمية غير الإسلامية والني تتضمنها القائمة الرسمية لوزارة الخارجية‏.‏ فهي علي سبيل المثال لم تطلق رصاصة واحدة علي من تعتبرهم إرهابيين من أعضاء منظمات آيتا الأسبانية او‏11‏ نوفمبر اليونانية أو الجيش الأحمر الألماني والمنظمة التي كانت تحمل نفس الاسم في اليابان أو الجيش الجمهوري الايرلندي‏.‏ وهي كلها جماعات عنف توجد وتهدد دولا حليفة وصديقة‏.‏ ولا تكترث واشنطن قليلا أو كثيرا بما يفعله إرهابيون أفارقة يذبحون الآلاف في رواندا‏.‏
لا يبقي سوي تساؤل أخير هو هل تعرف أمريكا بالضبط من تحارب وأين ستجده والسؤال قد يبدو ساذجا بالفعل ولكنه مطروح بقوة وجدية في الساحة السياسية الأمريكية حاليا‏.‏ والإجابات المطروحة تعكس حالة من التخبط والتشويش يلخصها المحلل السياسي الأمريكي فريد زكريا بقوله‏'‏لا يوجد يقين‏..‏ لا أحد يعرف تماما ماهي حدود العدو ولاقدراته أو قوته ولا كيف ومتي يتعين علينا مواجهته والاهم من ذلك كيف يمكن أن نحمي أنفسنا منه‏'‏

أما رامسفيلد المفتون بالقوة الأمريكية فيزيد الصورة غموضا باعترافه صراحة بأن أمريكا تخوض حربا ضد عدو‏'‏ غير معروف وغير مضمون وغير مرئي وغير متوقع‏'‏ولم يقل رامسفيلد الذي يستحق التقدير علي شجاعته في الإدلاء بهذا الاعتراف كيف يدير دفة الحرب ضد هذا الخطر الداهم والمجهول‏!‏ غير أن الوزير العجوز الذي اعتاد أن يصف نفسه دائما بأنه من‏'‏ محبي الماضي‏'‏ قد لاتكون لديه البصيرة لكي يستقيء المستقبل ويعرف انه في ظل القهر والقمع والفساد والفقر الذي تكتوي بنيرانه الشعوب الإسلامية‏.‏ وفي غيبة نسق أخلاقي أمريكي عادل في التعامل مع القضايا العربية وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي فان العدو الذي يجهله سيغدو‏'‏ معروفا ومرئيا ومتوقعا‏'‏ ولن يكون لقيطا أيضا‏..‏ ألم يولد من رحم السياسة الأمريكية نفسها‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية