|
كتب: أشرف أبوالهول |
خلال القصف الأمريكي لأفغانستان الذي أعقب هجمات11 سبتمبر كانت الطائرات الأمريكية تعمد الي إلقاء حفنة دولارات علي المدن والقري الأفغانية لتراقب وتصور تدافع المواطنين الأفغان لالتقاطها, واعتبر الأمريكيون ذلك مؤشرا علي أنه بمجرد الإعلان عن مكافآت لتسليم بن لادن زعيم تنظيم القاعدة, والملا محمد عمر زعيم حركة طالبان, سيؤدي حتما الي الإيقاع بالرجلين ومساعديهما, وتم رصد عشرات الملايين من الدولارات لهذا الغرض, ومع ذلك فمازال جميع زعماء القاعدة وطالبان أحرارا طلقاء, ولايعرف أحد ماذا يخططون للمستقبل, وأين هم إن كانوا لايزالون علي قيد الحياة. ولا يخفي علي أحد أن فشل الولايات المتحدة فن اعتقال بن لادن أو حتي قتله يسبب حرجا شديدا للرئيس الأمريكي جورج بوش الذي سبق أن تعهد بالإيقاع بزعيم القاعدة أو قتله, وقال بحصر اللفظ إن بن لادن مطلوب حيا أو ميتا.
ويزيد من هذا الحرج أن الأمريكيين قتلوا المئات من المدنيين الأفغان في مساعيهم لتعقب الزعماء الهاربين. ورغم استسلام الآلاف من عناصر طالبان والقاعدة عقب القصف الأمريكي للبلاد والذي استمر زهاء40 يوما فلم يكن بينهم أي من الزعماء أو كبار المسئولين, كما أن التحقيقات التي جرت معهم سواء علي أيدي قوات التحالف الشمالي أو خبراء المخابرات الأمريكية في أفغانستان نفسها, وفي قاعدة جوانتانامو التي جري نقل الكثيرين منهم إليها لم تؤد الي اعتقال أي شخص بارز.
ولا ينسي العالم أن الأمريكيين حبسوا أنفاسهم في أواخر العام الماضي, وأوائل العام الحالي عندما تحدثوا بلهجة تكاد تصل الي الجزم بأنهم نجحوا في محاصرة بن لادن, ورجاله في منطقة تورابورا الجبلية الجنوبية, وتابع الجميع لحظة بلحظة الهجوم الأمريكي المكثف عليها, وعندما جاء دور القوات البرية الأمريكية لتعرض علي العالم جثث بن لادن ومساعديه, لم نشاهد الا جثث بعض المتطوعين, وأسر أفغانية وعربية كانت تعيش في المنطقة ربما منذ سنوات. وحتي عندما قطع الأمريكيون أصابع من الجثث المشوهة وحللوا الحمض النووي الخاص بها لعلهم يكتشفون أن جثة بن لادن بينها لم يعثروا علي أثر للرجل.
وازدادت الأمور صعوبة أمام الأمريكيين عندما أوقف بن لادن إرسال شرائط الفيديو التي تحمل كلمات له الي محطات التليفزيون ليضرب الجميع أخماسا في أسداس, وهم يتساءلون عما إذا كان الرجل الذي تراقبه عيون وأذان كل أمريكا والعالم مازال حيا أم لا. وبرغم أن الأمر وصل بالأمريكيين في بعض الأوقات لرصد أي حركة لأي كائن سواء كان حيوانا أو انسانا في المناطق الجنوبية وبالذات القريبة للحدود مع باكستان المجاورة, فإنهم لم يعثروا أبدا علي أثر لا لبن لادن ولا لمساعديه.
ومع امتداد البحث عن الرجل الخفي ليشمل منطقة وزيرستان الباكستانية الوعرة, والتي تنتشر فيها قبائل البشتون التي تشكل بدورها أغلبية سكان أفغانستان, وينحدر منها الملا عمر وبقية زعماء طالبان فلم يتم أيضا العثور علي أي أثر لأي شخص من الأشخاص الذين تسعي وراءهم أمريكا بعيونها الآدمية والإليكترونية, وقبل أي شئ بدولاراتها الساخنة. وإذا كان بن لادن قد اختفي منذ بداية القصف الأمريكي لأفغانستان في السابع من أكتوبر الماضي فإن اختفاء الملا عمر يثير السخرية من الأمريكيين وحلفائهم الشماليين في آن واحد فقد ظل الرجل حتي اللحظات الأخيرة في حكم طالبان, وحتي بعد انسحاب قواتها من معظم الأراضي الأفغانية في مسقط رأسه بمدينة قندهار, ودخل شخصيا في مفاوضات مع الشماليين لتسليمهم السلطة, وعندما سلم السلطة كانت قندهار محاصرة من كل جانب, ومع ذلك فقد فشل الأمريكيون في الإيقاع به أو قتله, وبين الحين والآخر يظهر في شوارع قندهار ثم يختفي دون أن يبلغ أفغاني واحد عن وجوده بالرغم من أن معظم الأفغان يعيشون تحت خط الفقر بمراحل, ويقتات الكثيرون منهم حتي اليوم الحشائش والخبز الجاف.
ويعكس استمرار اختفاء بن لادن والملا عمر ورجالهما حقيقة واحدة وهي أن الأمريكيين هم الغائب الحاضر الوحيد عن أفغانستان, وباكستان, فبرغم الوجود العسكري الأمريكي الكثيف هناك فإن هذا الوجود يبدو كما لو كان معزولا ومحاصرا جانب منها سببه الدين, وجانب آخر يعود الي الفظاعات التي ارتكبها الأمريكيون في مطاردتهم للقاعدة وطالبان, وجانب ثالث يعود الي اقتناع معظم الأفغان بأن زعيمي القاعدة وطالبان ورجالهما قاما من قبل بأعمال بطولية لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي, كما أن أمريكا لم تقدم لهم دليلا واحدا مقنعا بأن بن لادن والملا عمر متورطان في هجمات11 سبتمبر. ويضاف الي ماسبق سبب جوهري هو أن الأمريكيين اختاروا الحليف الخطأ لمهاجمة أفغانستان, فقوات التحالف الشمالي لا يهمهم سوي السلطة والمال ومنهم القائد الأوزبكي عبدالرشيد دوستم الذي عانت قواته فسادا في كابول ومزار الشريف بعد أن دخلتهما في حماية القصف الجوي الأمريكي.
والأمر الأكثر مأساوية في الموضوع هو انه إذا كان البعض يتحدث عن مشاهدة الملا عمر يسير أحيانا في شوارع قندهار ومعه القليل من أنصاره فإن الرئيس حامد قرضاي الذي نصبته واشنطن لا يمكنه أن يسير هكذا وسط الناس, ويحتمي بحراسة أمريكية مشددة بعد اغتيال نائبه عبدالقادر منذ شهرين في الشارع علي أيدي أشخاص مازالوا مجهولين, وكذلك ارتفاع نسبة عمليات مهاجمة القوات الحكومية في العاصمة كابول وغيرها. تري هل يحدث فعلا مايتوقعه البعض من أن بن لادن والملا عمر قد يقودان حرب استنزاف ضد الأمريكيين؟ وهل تثبت أفغانستان فعلا أنها مقبرة لجميع الغزاة, بريطانيين أو سوفييت أو أمريكيين أم أن القوة الأمريكية ستبطل مفعول هذا القول؟ |
|
|
|
|
|