تقارير المراسلين

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

الأمريكيون تعلموا الخوف‏..‏بعد‏11‏ سبتمبر

كتبت: غادة الشرقاوي
لم يتأقلم الأمريكيون حتي الآن مع ما حدث يوم‏11‏ سبتمبر بالرغم من مرور عام علي الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له كل من نيويورك وواشنطن‏,‏ بل تعلموا كيف يعيشون في خوف دائم‏,‏ بعد أن حدثت الثغرة الأولي في الترسانة الأمريكية العملاقة‏.‏ والجراح التي أصيب بها الأمريكيين يوم‏11‏ سبتمبر لم تندمل حتي الآن وليس من المنتظر أن تندمل قريبا بل ستظل كما سيبقي مكان برجي مركز التجارة خاويا في قلب مانهاتن‏.‏
وكما يقول المواطن الأمريكي بيل إيرب‏,‏ ويعمل قاضيا بواشنطن‏:'‏كلما رأيت طائرة في سماء واشنطن لا أستطيع أن أمنع نفسي من الخوف والتفكير فيما حدث‏,‏ لم أعد أستطيع أن أعيش بشكل طبيعي مرة أخري‏'.‏

ويسيطر عادة جو من الكآبة والخوف والترقب خلال رحلات الطيران بين واشنطن‏/‏نيويورك أو نيويورك‏/‏بوسطون حيث حظرت الحركة تماما علي الركاب طوال الرحلة منعا لأي مفاجآت‏,‏ كما أصبح الجميع يتجنبون العمل في ناطحات السحاب‏.‏
والمسئولون الأمريكيون لم ينجحوا في تهدئة مخاوف الشعب الأمريكي‏,‏ بل علي العكس من ذلك أدت حملات الاعتقالات الواسعة للمشتبه فيهم وعدد كبير من طلبة الطيران وإعلان حالة الطواريء إلي زيادة التوتر والمخاوف لدي المواطنين‏,‏ الوحيد الذي استفاد من هذا الوضع كما يقول الكاتب الصحفي فرانك بروني‏,‏ هو الرئيس الأمريكي جورج بوش‏,‏الذي كما يقول مقال الكاتب الذي نشر في صحيفة نيويورك تايمز‏:'‏لقد وجد بوش أخيرا معني لحياته بعد أن كان وجوده غير ملحوظ‏,‏ واستغل الحدث ليثبت وحوده بالرغم من أن تصريحاته لم تخلو من سقطات آثارت غضب العالم الإسلامي مثل‏,‏ سنعتقل بن لادن حيا أو ميتا‏,‏ وكلمة الحملات الصليبة التي استخدمها كوصف لحربه ضد الإرهاب‏'.‏

ومن أكثر المظاهر السلبية التي ترتبت علي الأحداث وروعت المواطنين هي الطريقة التي بدأ يعمل بها النظام القضائي في الولايات المتحدة بعد الأحداث‏,‏ حيث صدرت أوامر اعتقال لأكثر من‏600‏ شخص دون التحقق من تورطهم بالفعل وظلوا قيد الاعتقال فترات طويلة قبل بدأ التحقيق معهم‏,‏ بالإضافة إلي أسري الحرب الذين تم احتجازهم بمعتقل جوانتنامو في ظروف غير إنسانية‏.‏ ويعلق أحد القضاة علي ذلك قائلا‏:'‏إننا نفعل الآن مع الأسري العرب ما كنا نفعله في الأسري اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية‏'.‏
أما الفيلسوف نعوم تشومسكي فيقول لقد اتخذ النظام ذريعة من المشاعر المضطربة التي تفجرت بين المواطنين بسبب الخوف من الإرهاب‏,‏ لتطبيق ممارسات غير مقبولة ولا تمت بصلة للحرب ضد الإرهاب‏'.‏

وحملات الاعتقال والتفتيش الواسعة التي شنها مركز التحقيقات الفيدرالي لم تسفر عن شيء سوي اعتقال بعض المهاجرين غير الشرعيين ولم يثبت تورط أي منهم في الأحداث‏.‏ وذلك في الوقت الذي كانت إدارة الهجرة الأمريكية قد أرسلت بالفعل تأشيرة دخول إلي الطالب محمد عطا قائد هجمات سبتمبر في شهر مارس الماضي عام‏.2001‏

ومن الأغاني التي انتشرت بعد‏11‏ سبتمبر وتدل علي الصدمة التي أصابت الشعب الأمريكي هي أغنية الأمريكيون الغاضبون للمطربة الشعبية توبي كيث وتقول كلماتها‏:‏
سوف تندمون لأنكم أغضبتم الأمريكيين
سوف نركلكم ونؤدبكم علي الطريقة الأمريكية
وعالمكم سنفجره مثل الألعاب النارية
التي نطلقها في احتفالات‏4‏ يوليو‏.‏

وفي الواقع فإن‏11‏ سبتمبر لم يصب الأمريكيين بالخوف فقط ولكنه عمق سوء التفاهم الموجود أصلا بينهم وبين سائر شعوب الأرض‏.‏ ويقول تشيب كانينجهام خبير العلاقات الدولية أنه لا يعلم حقا سبب كراهية الناس للأمريكيين ولماذا يأخذون انطباعا سيئا عنهم‏,‏ ويقول إن الولايات المتحدة إذا لم تنجح في تحسين صورتها أمام العالم وإذا استمرت أمريكا في الخسارة في معركتها من أجل كسب حب الآخرين فإن الخسارة ستمتد إلي كل معاركها الرئيسية‏.‏

قصص إنسانية
ومن المؤكد أن‏11‏ سبتمبر غير حياة كثير من المواطنين الأمريكيين كما ترويها قصصهم الإنسانية‏:‏

‏-‏داون ياني‏(32‏ عاما‏)‏
حياتها بدأت تتحول جذريا بعد صباح‏11‏ سبتمبر ولكنها لم تدرك ذلك الا في بداية شهر إبريل عام‏2002‏ عندما كانت بصحبة زوجها الذي تم استدعاؤه من قبل مكتب الهجرة كإجراء روتيني‏.‏ ولكن بعد‏4‏ ساعات من الانتظار وجد زوجها وهو مصري الجنسية والذي هاجر إلي ولاية نيوجيرسي ليعيش الـ‏'‏التجربة الأمريكية‏'‏ نفسه مقيدا وتم ترحيله مع ثلاثة آخرين إلي السجن‏.‏ وقد اعتقدت كما تقول داون في البداية أنها كذبة إبريل‏,‏ بعد أن أخبرها رجال البوليس أنهم سيعتقلون زوجها‏.‏ وبعد أربعة أيام وبعد أن طلبت زيارته أخبرها المسئول أن زوجها تم ترحيله إلي القاهرة‏.‏ وتؤكد داون أنه قبل‏11‏ سبتمبر لم يكن من الممكن ترحيل زوجها دون محاكمته وإعطائه الفرصة للمضي في الإجراءات القانونية للهجرة‏.‏ وتقول وهي في حالة غضب شديدة ضد نظام العدالة الأمريكي أن المسئولين وجهوا إليها سؤالا وقحا وهو‏:'‏ألم يكن في استطاعتك أن تتزوجي من مواطن أمريكي؟‏'.‏
وقد اضطرت ياني التي لا يتعدي دخلها‏400‏ دولار إسبوعيا إلي الاستعانة بمحام ليتقدم بطلب الحصول علي تأشيرة لزوجها وقد وعدها المسئولون بأن طلبها سينظر فيه خلال‏999‏ يوما‏!‏

‏-‏بيتر داسوزا‏(48‏ عاما‏)‏
قبل يوم‏11‏ سبتمبر لم يكن بيتر يعمل أيام السبت وكان دكان البقالة الذي يديره يوفر لهذا المهاجر الهندي الذي استوطن الولايات المتحدة منذ‏15‏ عاما دخلا مكنه من توظيف اثنين من العمال لمساعدته‏.‏ ولكن بعد ثلاث ساعات فقط من الهجمات الإرهابية اضطر إلي اسدال الستائر المعدنية علي واجهة الدكان‏,‏ حيث انتشرت موجات العداء للمهاجرين‏.‏
واضطر لإغلاق دكانه لمدة‏45‏ يوما حتي لا يتعرض للإعتداء وتخلص من سلع فسدت بسبب الإغلاق تقدر بـ‏45‏ ألف دولار‏.‏

واليوم فهو يناضل من أجل توفير لقمة العيش حيث قاطع معظم السكان دكانه وأصبح مضطرا للعمل خلال عطلة نهاية الأسبوع وبعد ستة أشهر من المعاناة أثر الأحداث استعاد‏25%‏ فقط من دخله المعتاد‏.‏
وقد تمكن بيتر من الاستمرار في الحياة بسبب برامج المساعدة التي قدمتها الجمعيات الأهلية في نيويورك للمتضررين من الهجمات‏.‏

‏-‏دايفيد إميل‏(51‏ عاما‏)‏
كان المطعم الذي يملكه دايفيد مؤسسة كبيرة له واجة تتيح له رؤية مميزة علي خليج نيويورك‏,‏ ومخزن خمور له سمعة عالمية‏.‏ ولكن لسوء حظه هذا المطعم كان مقره في الدور الـ‏107‏ بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي‏.‏
وكان المطعم الفاخر مصدرا للرزق لأكثر من‏450‏ عامل‏,‏ لقي‏79‏ منهم مصرعهم أثناء انهيار البرج‏,‏ ولم يتبق من المطعم سوي كرسيين كانا في الخارج من أجل اصلاحهما‏.‏

واليوم إميل يمتلك مطعما أقل فخامة بكثير في أحد الشوارع الجانبية بنيويورك‏,‏ وقد تمكن من الحصول علي‏18‏ مليون دولار كتعويضات من شركات التأمين لصالح موظفيه الراحلين‏.‏
وقد استعان في مطعمه الجديد بـ‏55‏ فقط من موظفيه القدامي ويقول أنهم لا يكفون عن التفكير في أصدقاءهم الراحلين طوال الوقت‏,‏ ولكنهم يكونون فريقا متجانسا للغاية لأن الشعور بالحزن يخلق بينهم شعورا غريبا بالألفة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية