|
|
 |
أدب العلاقات الدولية الذائع, يدور حول الصراع بين الأمم, ومن ثم فإن جزءا مهما منها يتم تدريسه وتأليفه يدور حول إدارة الصراعات الدولية أو منعها, أو نقلها من حالة الحرب الي حالة السلام, أما الأدب غير الذائع, فهو يدور حول العلاقات السلمية بين الدول وكيف تدار, وكيف تتعمق, ومن بينها فصل مهم عن التحالفات واداراتها, لأنها تشكل علاقة محددة حول أهداف استراتيجية بعينها. وعندما قال الرئيس مبارك ـ في حديث أخير: إن العلاقات المصرية ـ الأمريكية غير قابلة للتدهور, فإنه لم يكن يغلق بابا أراد البعض له أن يكون مفتوحا, لإيجاد حالة من الصراع مع الولايات المتحدة بسبب موقفها من المعونات الإضافية لمصر, وربطها بقضية داخلية بحتة, وإنما أراد أيضا تأكيد استمرارية هذه الأهداف, وهي: تحقيق السلام العربي ـ الإسرائيلي, والمحافظة علي أمن الخليج, وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
ولكن وجود الأهداف واستمرارها بالنسبة لقيادات الطرفين, كأولوية مهمة من أولويات السياسة الخارجية والأمن القومي, لا يعني بالضرورة أن العلاقات تعظم من مصالح الطرفين, أو أن فترات التوتر والخلاف فيها لم تتراكم خلال السنوات الماضية, صحيح أن الحالة لم تصل الي ذلك المستوي من القلق الذي وصلت إليه خلال فترة غزو إسرائيل للبنان, أو خلال حادث أكيلي لورو, إلا أن حالة أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر, التي أشرنا إليها في الأسبوع الماضي, تقول إن نقاط الاختلاف بين مصر وأمريكا تتراكم بأسرع من أي وقت مضي, وهو ما يقتضي ادارة حصيفة لهذه العلاقات تتميز بالحصافة والنفاذ الي جوهر القضايا, وليس الي ظواهرها, وهي حالة لا تخص مصر فقط, إنما تخص كل أصدقاء وحلفاء واشنطن, حتي من كان منهم شريكا كاملا في حلف الأطلنطي مثل ألمانيا وفرنسا, أو كان قريبا من الحلف مثل روسيا. وبداية فإن علاقات التحالف والصداقة, أو العلاقات الخاصة أيا كانت تسميتها, هي مثل كل العلاقات الدولية تقوم علي توازن القوي بين أطرافها, ومدي ما يقدمه كل طرف من موارد مادية ومعنوية للعلاقة ولتحقيق الأهداف والمصالح المشتركة, وربما كان جزءا من الحالة الراهنة لعلاقات أمريكا المتوترة مع العالم, هو تزايد الاعتقاد لدي بعض أجنحة السلطة الأمريكية أنها من القوة, بحيث لم تعد في حاجة الي حلفائها, ولعل مقال روبرت كيجان في مجلة بولسي ريفيو بعنوان القوة والضعف في عدد هذا الصيف, يشير بجلاء الي هذا الاتجاه الذي يقول: إن أمريكا ليست في حاجة الي حلفائها الأوروبيين, لأنها من القوة بحيث لا تحتاج الي التمسك بالقانون الدولي ولا الشرعية الدولية مع دول وجماعات لا تتمسك بها, وعندما تقوم أمريكا بانفاق350 مليار دولار علي التسليح, بينما تنفق أوروبا مجتمعة150 مليارا, وعندما يتوقع أن يصل الانفاق الأمريكي في القريب الي500 مليار دولار, بينما يظل الانفاق الأوروبي علي حاله, فإن النتيجة المنطقية هي أن الولايات المتحدة ليست علي استعداد للاستماع الي محاضرات من أصدقائها الأوروبيين حول فضيلة المنهج الاقتصادي والقان وني في ادارة العلاقات الدولية, وبالطبع فإن الموازنة العسكرية تعكس قوة اقتصادية كبيرة, وعندما يصل نصيب دولة مثل أمريكا من الناتج الإجمالي العالمي الي أكثر من30%, فإن توازن القوي النسبي يصبح مختلا الي حد كبير, وبالتالي تصبح ادارة التحالفات معها في غاية الصعوبة, خاصة اذا ما أضيف الي القوة اتجاه ايديولوجي محافظ روعته أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كل ذلك يشير الي أهمية عنصر القوة الذاتية في العلاقات بين الدول, حتي وهي في حالة من حالات الصداقة, وهنا تأتي أهمية الاهتمام داخل الساحة السياسية المصرية بهذا العنصر, اذا ما أردنا الادارة السليمة للعلاقات مع أمريكا في هذه الأيام الحرجة, والحقيقة أن زيادة عناصر القوة المصرية لا تعني تخليا أو بعدا عن هذه العلاقات, بل إن ذلك علي الأرجح يؤدي الي تدعيمها, وتعميقها ومدها لآفاق جديدة, والأهم لأنه سوف يقومها علي أسس مختلفة, صحيح أن حالة عدم التكافؤ بين الطرفين يظل قائما الي حد كبير, وصحيح أن مهمة ادارة العلاقات تتم تحت هذا الشرط من عدم التكافؤ, إلا أن هناك فارقا كبيرا بين ادارة العلاقات علي مستوي معين من عدم التوازن, وادارتها عند مستوي أقل منه, ففي النهاية إن وجود مصر بتاريخها وثقلها الثقافي والحضاري علي صلة إقليمية مباشرة مع الأهداف الاستراتيجية المشتركة, تعطيها أثقالا لايمكن تجاهلها في العلاقة مع أمريكا.
ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لعملية الإصلاح الداخلي السياسية والاقتصادية, التي نأمل أن تلقي دفعة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة, بعد انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني الديمقراطي, الذي يتولي مسئولية الحكم في مصر. وبصراحة كاملة, فإن آمالا وتوقعات كبيرة أصبحت ملقاة علي عاتق هذا المؤتمر, ليس فقط بسبب علاقات مصر الخارجية وحاجتها الي الاستناد الي أسس سياسية واقتصادية متينة, وإنما أيضا لأن هناك مؤشرات تشير الي الرغبة في إعطاء انطلاقة جديدة للعمل الوطني, وربما كانت الموجة الأخيرة من قضايا محاربة الفساد كاشفة الي حد كبير عن رغبة في التغيير والاصلاح, بعد أن شهدت البلاد تعثرات كثيرة خلال السنوات الثلاث الماضية, وآن أوان التعامل معها بالجدية الواجبة.
ومهما تكن آثار أحداث الحادي عشر من سبتمبر علي مصر, خاصة بعد أن تم الاعلان عن أنها لم تصل من حيث النتائج السلبية لما كان متوقعا منها, فإن الحاجة ماسة لاستعادة مسيرة النمو المصرية مرة أخري, حتي نصل بها الي حالة التنمية المستدامة, لكن ذلك لن يحدث ما لم تعد الأمور الي أصولها, وليس مفهوما كيف نعجز الآن في القضاء علي السوق السوداء في العملة بعد أن نجحنا علي مدي عقد كامل في القضاء عليها, وبصراحة تامة فإنه لا ينبغي التفريط في مكاسب حققناها بالفعل, سواء فيما يتعلق بحرية السوق, أو التحول التدريجي الي اقتصاد السوق, أو العمل من أجل معدلات نمو مرتفعة, وليس معقولا أن نعود القهقري الي الوراء في كل هذه القضايا, ويعود الجهاز الحكومي الي التضخم مرة أخري بمعدلات غير مسبوقة, وباختصار نعود في الاتجاه العكسي لما كنا قد وصلنا إليه خلال التسعينيات. ولعل ذلك هو جوهر المشكلة المصرية في جبهات عديدة, انه في الوقت الذي فقدت فيه عمليات الاصلاح الاقتصادي والسياسي اندفاعها الذي كانت عليه خلال التسعينات, فإن المشكلات الإقليمية والعالمية تفاقمت بصورة غير مقبولة.. وربما يعطينا ذلك درسا, وهو أنه لا يوجد لدينا وقت كبير لكي نضيعه, وعندما تحين الفرصة فإن علينا أن ننتهزها ونعض عليها بالنواجذ, سواء تعلق ذلك بأمور الداخل أو بقضية السلام في المنطقة, ومن يتخيل أن العالم سوف يبقي معتمدا علي ايقاعاتنا, فإن عليه أن يراجع ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لكي يعلم أن العالم ممتليء بكل عوامل انعدام اليقين, والتطورات التي لا يتخيلها أحد, أو تخطر ببال بشر, وكل ذلك يجعل البداية لكل شيء هي الداخل المصري, لأنه هو الذي يمكن أن يكون فيه قدر ما من اليقين, وبشكل ما فإننا نمتلك معظم عناصره, ومن خلال العمل والعمل وحده, يمكن تغيير أشياء كثيرة لأننا نبدأ بالبداية الصحيحة, وهي تعديل توازنات القوي المختلة من خلال تعزيز عناصر قوتنا.
ولن يصدق ذلك علي شيء قدر صدقه علي العلاقات المصرية ـ الأمريكية, حيث يمكن ساعتها أن نعيد ترتيب العلاقة, ليس علي أساس من يأخذ المعونة ومن يمنحها, بل علي أساس مصالح مشتركة تحتاج لجهد مشترك لصياغتها, وربما ساعتها ندرك أن قائمة التعاون كبيرة, ومهما يكن الخلاف كبيرا علي علاقات أمريكا أكثر من الخاصة بإسرائيل, فإن هناك مساحات كبري للتعاون تخص السودان, والاستقرار في المنطقة, وحتي العراق اذا ما تمت صياغة المشكلة في إطار قضية عودة المفتشين مرة أخري الي بغداد, وساعتها أيضا سوف تكون أمريكا قادرة علي الاستماع, والاستماع الجيد, لما نقوله بصدد كل هذه القضايا, المهم أن يكون لدينا عناصر القوة المتصاعدة, ولدينا ما نقوله لتحقيق مصالحنا, ومصالح كل الأطراف في جميع القضايا. |
|
|
|
|
|