ملفات الأهرام

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

إدارة العلاقات مع أمريكا
بقلم : د‏.‏ عبدالمنعم سعيد

أدب العلاقات الدولية الذائع‏,‏ يدور حول الصراع بين الأمم‏,‏ ومن ثم فإن جزءا مهما منها يتم تدريسه وتأليفه يدور حول إدارة الصراعات الدولية أو منعها‏,‏ أو نقلها من حالة الحرب الي حالة السلام‏,‏ أما الأدب غير الذائع‏,‏ فهو يدور حول العلاقات السلمية بين الدول وكيف تدار‏,‏ وكيف تتعمق‏,‏ ومن بينها فصل مهم عن التحالفات واداراتها‏,‏ لأنها تشكل علاقة محددة حول أهداف استراتيجية بعينها‏.‏
وعندما قال الرئيس مبارك ـ في حديث أخير‏:‏ إن العلاقات المصرية ـ الأمريكية غير قابلة للتدهور‏,‏ فإنه لم يكن يغلق بابا أراد البعض له أن يكون مفتوحا‏,‏ لإيجاد حالة من الصراع مع الولايات المتحدة بسبب موقفها من المعونات الإضافية لمصر‏,‏ وربطها بقضية داخلية بحتة‏,‏ وإنما أراد أيضا تأكيد استمرارية هذه الأهداف‏,‏ وهي‏:‏ تحقيق السلام العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ والمحافظة علي أمن الخليج‏,‏ وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط‏.‏

ولكن وجود الأهداف واستمرارها بالنسبة لقيادات الطرفين‏,‏ كأولوية مهمة من أولويات السياسة الخارجية والأمن القومي‏,‏ لا يعني بالضرورة أن العلاقات تعظم من مصالح الطرفين‏,‏ أو أن فترات التوتر والخلاف فيها لم تتراكم خلال السنوات الماضية‏,‏ صحيح أن الحالة لم تصل الي ذلك المستوي من القلق الذي وصلت إليه خلال فترة غزو إسرائيل للبنان‏,‏ أو خلال حادث أكيلي لورو‏,‏ إلا أن حالة أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ التي أشرنا إليها في الأسبوع الماضي‏,‏ تقول إن نقاط الاختلاف بين مصر وأمريكا تتراكم بأسرع من أي وقت مضي‏,‏ وهو ما يقتضي ادارة حصيفة لهذه العلاقات تتميز بالحصافة والنفاذ الي جوهر القضايا‏,‏ وليس الي ظواهرها‏,‏ وهي حالة لا تخص مصر فقط‏,‏ إنما تخص كل أصدقاء وحلفاء واشنطن‏,‏ حتي من كان منهم شريكا كاملا في حلف الأطلنطي مثل ألمانيا وفرنسا‏,‏ أو كان قريبا من الحلف مثل روسيا‏.‏
وبداية فإن علاقات التحالف والصداقة‏,‏ أو العلاقات الخاصة أيا كانت تسميتها‏,‏ هي مثل كل العلاقات الدولية تقوم علي توازن القوي بين أطرافها‏,‏ ومدي ما يقدمه كل طرف من موارد مادية ومعنوية للعلاقة ولتحقيق الأهداف والمصالح المشتركة‏,‏ وربما كان جزءا من الحالة الراهنة لعلاقات أمريكا المتوترة مع العالم‏,‏ هو تزايد الاعتقاد لدي بعض أجنحة السلطة الأمريكية أنها من القوة‏,‏ بحيث لم تعد في حاجة الي حلفائها‏,‏ ولعل مقال روبرت كيجان في مجلة بولسي ريفيو بعنوان القوة والضعف في عدد هذا الصيف‏,‏ يشير بجلاء الي هذا الاتجاه الذي يقول‏:‏ إن أمريكا ليست في حاجة الي حلفائها الأوروبيين‏,‏ لأنها من القوة بحيث لا تحتاج الي التمسك بالقانون الدولي ولا الشرعية الدولية مع دول وجماعات لا تتمسك بها‏,‏ وعندما تقوم أمريكا بانفاق‏350‏ مليار دولار علي التسليح‏,‏ بينما تنفق أوروبا مجتمعة‏150‏ مليارا‏,‏ وعندما يتوقع أن يصل الانفاق الأمريكي في القريب الي‏500‏ مليار دولار‏,‏ بينما يظل الانفاق الأوروبي علي حاله‏,‏ فإن النتيجة المنطقية هي أن الولايات المتحدة ليست علي استعداد للاستماع الي محاضرات من أصدقائها الأوروبيين حول فضيلة المنهج الاقتصادي والقان
وني في ادارة العلاقات الدولية‏,‏ وبالطبع فإن الموازنة العسكرية تعكس قوة اقتصادية كبيرة‏,‏ وعندما يصل نصيب دولة مثل أمريكا من الناتج الإجمالي العالمي الي أكثر من‏30%,‏ فإن توازن القوي النسبي يصبح مختلا الي حد كبير‏,‏ وبالتالي تصبح ادارة التحالفات معها في غاية الصعوبة‏,‏ خاصة اذا ما أضيف الي القوة اتجاه ايديولوجي محافظ روعته أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏.‏
كل ذلك يشير الي أهمية عنصر القوة الذاتية في العلاقات بين الدول‏,‏ حتي وهي في حالة من حالات الصداقة‏,‏ وهنا تأتي أهمية الاهتمام داخل الساحة السياسية المصرية بهذا العنصر‏,‏ اذا ما أردنا الادارة السليمة للعلاقات مع أمريكا في هذه الأيام الحرجة‏,‏ والحقيقة أن زيادة عناصر القوة المصرية لا تعني تخليا أو بعدا عن هذه العلاقات‏,‏ بل إن ذلك علي الأرجح يؤدي الي تدعيمها‏,‏ وتعميقها ومدها لآفاق جديدة‏,‏ والأهم لأنه سوف يقومها علي أسس مختلفة‏,‏ صحيح أن حالة عدم التكافؤ بين الطرفين يظل قائما الي حد كبير‏,‏ وصحيح أن مهمة ادارة العلاقات تتم تحت هذا الشرط من عدم التكافؤ‏,‏ إلا أن هناك فارقا كبيرا بين ادارة العلاقات علي مستوي معين من عدم التوازن‏,‏ وادارتها عند مستوي أقل منه‏,‏ ففي النهاية إن وجود مصر بتاريخها وثقلها الثقافي والحضاري علي صلة إقليمية مباشرة مع الأهداف الاستراتيجية المشتركة‏,‏ تعطيها أثقالا لايمكن تجاهلها في العلاقة مع أمريكا‏.‏

ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية لعملية الإصلاح الداخلي السياسية والاقتصادية‏,‏ التي نأمل أن تلقي دفعة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة‏,‏ بعد انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ الذي يتولي مسئولية الحكم في مصر‏.‏
وبصراحة كاملة‏,‏ فإن آمالا وتوقعات كبيرة أصبحت ملقاة علي عاتق هذا المؤتمر‏,‏ ليس فقط بسبب علاقات مصر الخارجية وحاجتها الي الاستناد الي أسس سياسية واقتصادية متينة‏,‏ وإنما أيضا لأن هناك مؤشرات تشير الي الرغبة في إعطاء انطلاقة جديدة للعمل الوطني‏,‏ وربما كانت الموجة الأخيرة من قضايا محاربة الفساد كاشفة الي حد كبير عن رغبة في التغيير والاصلاح‏,‏ بعد أن شهدت البلاد تعثرات كثيرة خلال السنوات الثلاث الماضية‏,‏ وآن أوان التعامل معها بالجدية الواجبة‏.‏

ومهما تكن آثار أحداث الحادي عشر من سبتمبر علي مصر‏,‏ خاصة بعد أن تم الاعلان عن أنها لم تصل من حيث النتائج السلبية لما كان متوقعا منها‏,‏ فإن الحاجة ماسة لاستعادة مسيرة النمو المصرية مرة أخري‏,‏ حتي نصل بها الي حالة التنمية المستدامة‏,‏ لكن ذلك لن يحدث ما لم تعد الأمور الي أصولها‏,‏ وليس مفهوما كيف نعجز الآن في القضاء علي السوق السوداء في العملة بعد أن نجحنا علي مدي عقد كامل في القضاء عليها‏,‏ وبصراحة تامة فإنه لا ينبغي التفريط في مكاسب حققناها بالفعل‏,‏ سواء فيما يتعلق بحرية السوق‏,‏ أو التحول التدريجي الي اقتصاد السوق‏,‏ أو العمل من أجل معدلات نمو مرتفعة‏,‏ وليس معقولا أن نعود القهقري الي الوراء في كل هذه القضايا‏,‏ ويعود الجهاز الحكومي الي التضخم مرة أخري بمعدلات غير مسبوقة‏,‏ وباختصار نعود في الاتجاه العكسي لما كنا قد وصلنا إليه خلال التسعينيات‏.‏
ولعل ذلك هو جوهر المشكلة المصرية في جبهات عديدة‏,‏ انه في الوقت الذي فقدت فيه عمليات الاصلاح الاقتصادي والسياسي اندفاعها الذي كانت عليه خلال التسعينات‏,‏ فإن المشكلات الإقليمية والعالمية تفاقمت بصورة غير مقبولة‏..‏ وربما يعطينا ذلك درسا‏,‏ وهو أنه لا يوجد لدينا وقت كبير لكي نضيعه‏,‏ وعندما تحين الفرصة فإن علينا أن ننتهزها ونعض عليها بالنواجذ‏,‏ سواء تعلق ذلك بأمور الداخل أو بقضية السلام في المنطقة‏,‏ ومن يتخيل أن العالم سوف يبقي معتمدا علي ايقاعاتنا‏,‏ فإن عليه أن يراجع ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لكي يعلم أن العالم ممتليء بكل عوامل انعدام اليقين‏,‏ والتطورات التي لا يتخيلها أحد‏,‏ أو تخطر ببال بشر‏,‏ وكل ذلك يجعل البداية لكل شيء هي الداخل المصري‏,‏ لأنه هو الذي يمكن أن يكون فيه قدر ما من اليقين‏,‏ وبشكل ما فإننا نمتلك معظم عناصره‏,‏ ومن خلال العمل والعمل وحده‏,‏ يمكن تغيير أشياء كثيرة لأننا نبدأ بالبداية الصحيحة‏,‏ وهي تعديل توازنات القوي المختلة من خلال تعزيز عناصر قوتنا‏.‏

ولن يصدق ذلك علي شيء قدر صدقه علي العلاقات المصرية ـ الأمريكية‏,‏ حيث يمكن ساعتها أن نعيد ترتيب العلاقة‏,‏ ليس علي أساس من يأخذ المعونة ومن يمنحها‏,‏ بل علي أساس مصالح مشتركة تحتاج لجهد مشترك لصياغتها‏,‏ وربما ساعتها ندرك أن قائمة التعاون كبيرة‏,‏ ومهما يكن الخلاف كبيرا علي علاقات أمريكا أكثر من الخاصة بإسرائيل‏,‏ فإن هناك مساحات كبري للتعاون تخص السودان‏,‏ والاستقرار في المنطقة‏,‏ وحتي العراق اذا ما تمت صياغة المشكلة في إطار قضية عودة المفتشين مرة أخري الي بغداد‏,‏ وساعتها أيضا سوف تكون أمريكا قادرة علي الاستماع‏,‏ والاستماع الجيد‏,‏ لما نقوله بصدد كل هذه القضايا‏,‏ المهم أن يكون لدينا عناصر القوة المتصاعدة‏,‏ ولدينا ما نقوله لتحقيق مصالحنا‏,‏ ومصالح كل الأطراف في جميع القضايا‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية