|
|
لا يفتأ البعض يطالب بإصدار تشريعات جديدة كلما تقابل مع مشكلة أو وقفت أمامه بعض المعوقات أو العراقيل, وليس الأمر بهذه البساطة لاسيما في مجال الاستثمار, الذي يتعامل مع إرادة المستثمرين وحوافزهم ونواياهم الطيبة من أجل خير الجميع. فتشريعات الاستثمار ذات حساسية بالغة في نواحي عديدة, أهمها ما يلي:
(1) أن قوانين الاستثمار تعاني حالة من التبعثر والتعدد وعدم الشمولية, والامتداد عبر صفحات التشريعات الاقتصادية المصرية, ما بين القانون التجاري والمدني وسائر القرارات الوزارية, الي جانب قانوني الاستثمار والتوسعات الرأسمالية, وقانون المجتمعات العمرانية الجديدة.
(2) إن تشريعات الاستثمار تتناول العديد من المزايا والاعفاءات والاستثناءات, سنها المشرع بغرض جذب وحماية وتوطين رءوس الأموال الخاصة, سواء كانت مصرية أو عربية أو أجنبية.
(3) إن هذه التشريعات حساسة وبالغة الحذر في تناولها, فيكفي أن يشم المستثمرون ورجال الأعمال الشائعات أو الأخبار عن تعديل أو تشريع جديد في مجال الاستثمار, حتي تتوقف السوق تماما وتتوقف التدفقات من والي الاقتصاد المصري, انتظارا لصحة هذه الأنباء, ومن هنا يجب الحذر في تناول بحث تشريعات الاستثمار, إلا من الزاوية التي تخدم حركة الاستثمار ولا تؤدي الي تذبذب أو تردد القرار الاستثماري.
(4) إن الحديث عن مناقشة جوانب قوانين الاستثمار, لا ينبغي أن يجري في نطاق الديباجة القانونية وحدها, بل لابد أن يتعداها الي النبض الحقيقي لجريان الاستثمارات من والي مصر, وعبر المجالات الاقتصادية المختلفة, صناعة وزراعة وسياحة وعقارات وتجارة وخدمات, وعبر المؤسسات المالية والنقدية وعبر الشارع الاقتصادي المصري جيئة وذهابا. كما أن الحديث لابد أن يشمل رصيد الخبرة والزاد النهائي وتراكم محصلة التجارب الإنسانية في ميدان الاستثمار في مصر, ومقارنته بما يجري في منطقة الشرق الأوسط والبلاد العربية وسائر الأوساط الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية.
(5) إن مجالات الاستثمار المتاحة في مصر, تتركز في حيز محدود من الوادي الضيق والمجتمعات العمرانية الجديدة, ومناطق الامتداد في سيناء والبحر الأحمر وإقليم الدلتا وقناة السويس وغرب الاسكندرية, والمطلوب تجاوز هذه الرقعة الي آفاق غير مأهولة, بغرض فتح مجالات الرزق والعمران والإقامة والعيش الآمن لملايين البشر من المصريين, وهنا لابد من الاحتراس من أن هدف التشريعات ينبغي أن يسبق المشروع, فالتشريع مجرد قوانين وقرارات وممارسات حكومية وادارية, بغرض تيسير الاستثمار, أما الجوهر الذي لا يغيب فهو كيف نجذب الاستثمارات وأصحابها للتعايش مع البيئة المصرية؟ كيف نجعلهم يحبون ويعشقون مصر؟ كيف نسهل للمستثمرين ورجالهم سبل الراحة والإقامة؟ كيف نصنع لهم بيئة متكاملة لا تجعلهم يفكرون في أي بدائل أو مقارنات أخري؟ كيف نذلل لهم العقبات ونفتح لهم الأبواب المغلقة بأي ثمن وتحت أي مسميات, المهم أن تنجز مصالح المستثمرين بأسلوب راق, رقي الهدف الأعلي لتنمية الأعمال والأرزاق.
(6) إن الاستثمارات منظومة متكاملة, فهي تتعامل مع الضرائب والتأمينات والعمل والجنسية والجوازات والمجتمعات العمرانية والصناعة والسياحة وسائر الوزارات والهيئات, ومن ثم فإن تجربة إقامة هيئة للاستثمار تتولي تنفيذ قانون الاستثمار, لهي تجربة يجب الوقوف أمامها بايجابياتها وسلبياتها العديدة, منذ صدور قانون استثمار رأس المال العربي والأجنبي( القانون43 لسنة1974) وما بعده من قوانين, حتي صدور قانون8 لسنة1997, وقانون التوسعات في رأس المال, هذه الأمور تتطلب القول إن هيئة الاستثمار ظلت العباءة التي يندرج تحتها الاستثمار لاهثا لاجئا من فرط المعاناة مع الأجهزة الأخري, وظلت هيئة الاستثمار تتحمل دور المدافع عن مصالح المستثمرين, فهي إذن تجربة جديرة بالتأمل والملاحظة واعطاء الحقوق لأصحابها دون أن نغبن أحدا أو نظلم أحدا, فالتقصير ليس تقصير مسئول بعينه أو فرد بعينه, بل هي مؤسسة ينبغي النظر إليها ككل دون تحيزات أو أحكام شخصية أو هوي. إن تجربة هيئة الاستثمار جديرة بالمناقشة علي مستويات عديدة, تحت منظار البحث عن الاستثمارات ودراسة كفاءتها, وسبل الترويج لجذب المستثمرين المصريين والعرب والأجانب, والبحث في سلبيات ومعوقات الاستثمار, والبحث عن أنسب السبل لتفعيل الاستثمارات المباشرة وجذب رءوس الأموال الأجنبية, والاجابة عن سؤال أساسي: هل نريد قوانين للاستثمار جديدة أم نريد بيئة جديدة لمعايشة الاستثمارات والمستثمرين؟
(7) إن توحيد قوانين الاستثمار مهمة بالغة الصعوبة علي المستوي التشريعي, عديمة الأثر والفاعلية من الناحية الأخري, فالمهم هو ما نعطيه للمستثمرين صغيرهم ومتوسطهم وكبيرهم من ناحية, وما نأخذه منهم من الناحية الأخري. لابد أن تطرح جانبا أقاويل البحث في مدي كفاية التشريعات, فالقوانين لا تجذب رؤوس الأموال, ولكن رءوس الأموال هي التي تبحث عن البيئة والعقلية التي تتجاوب مع مطالب ومتطلبات المستثمرين, لذلك يجب ألا نرهق الآخرين بالمطالب, فقط لابد من توافر العقليات المنظمة والكفاءات القادرة علي التجميع وليس التنفير, والقادرة علي الجذب والمواءمة والأخذ والرد والتفاني في حب هذا البلد وأهله.
(8) إن تشريعات الاستثمار ليست ديباجات ومواد قانونية تستعرض رحلة الاستثمارات من اللحظة الأولي لميلاد فكرة المشروع, حتي يأخذ الموافقات ويسير في رحلة التأسيس وإقامة المشروع وتدرجه الي بدء الانتاج, والتمتع بالاعفاء الضريبي, بل هي معايشة لواقع الاستثمارات من جميع النواحي القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ومن ثم يجب الاهتمام بدراسة قوانين الاستثمار الحالية والإجابة عن ثلاثة تساؤلات أساسية, أولها: هل تكفي القوانين الحالية لجذب المزيد من المستثمرين المصريين والعرب والأجانب؟ ثم ثانيا: هل معوقات الاستثمار تستلزم تغييرا جذريا في مجمل التشريعات, أم أن الأمر يمكن معالجته بتقليد الوظائف العليا لكفاءات قادرة علي تخطي الحواجز البيروقراطية بعيدا عن المهاترات والسلبيات المعلومة؟ ثم ثالثها: هل نحن نحتاج لقوانين خاصة للاستثمارات العملاقة كمشروعات شرق التفريعة وشمال غرب خليج السويس وشرق العوينات وتوشكي, لنضع لها إطارا قانونيا وهيئة تشريعية خاصة تتوازن خلالها المنافع والنفقات في هارموني بديع من أجل خير هذا الوطن؟
(9) إن تجربة الجهاز المصرفي في مجال الاستثمار مليئة بالأسرار والتناقضات والخبايا, فقط لابد من فتح أبواب البنوك أمام المستثمرين الجادين وغير المغامرين, لتلعب دورها المنشود في خدمة المستثمرين والاستثمار, وتكون المستشار أمام عملائها من المستثمرين لإقامة مشروعاتهم في مصر, فالبنوك المصرية جميعها سواء كانت بنوكا مملوكة للدولة أو بنوكاتجارية مشتركة, أو فروعا لبنوك أجنبية أو بنوك استثمار وأعمال لم تمارس دورا يذكر في مجال تنمية ومعايشة المشروعات الاستثمارية, كما تقضي الأعراف المصرفية في العالم المتقدم, وإنما كان دورها محدودا. إن تجربة البنوك في هذا المجال قاصرة ولم تعد سرا ويجب مناقشة أبعادها وإفساح المجال أمام البنوك لتدلي بدلوها كاملا دون تردد أو مراوغة في مجال الاستثمار, ودراسة مجالاته والترويج لجذب المشروعات الاستثمارية من خلال شبكات مراسليها وفروعها في كل مكان, ومن خلال المراكز الرئيسية للبنوك الكبري المشاركة في نظامنا المصرفي في جميع بدان العالم. والسؤل الآن هو: ماذا نريد من قوانين وتشريعات الاستثمار القائمة؟
إن بداية الحوار حول كفاءة تشريعات الاستثمار تجعلنا نري ستة مطالب ملحة, تبدو علي الوجه التالي:
أولا: ضرورة تنويع الاعفاءات والاستثناءات والمزايا لتشمل حوافز الإعفاء من الضرائب ومنح الأراضي والمرافق وتقديم المنح والتيسيرات المختلفة حسب حجم رأس المال الذي يتم تحويله عبر البنوك العاملة, وحسب فئات متدرجة لا تساوي بين الكافة ولا تغبن من يعطي أكثر.
ثانيا: ألا تتعدد تشريعات الاستثمار أكثر مما هي عليه الآن, فلا تصدر قوانين أخري تضيف العديد من التبعثر والتعدد وصعوبة الملاحقة والرقابة والتوجيه وتوفير الرعاية الكافية.
ثالثا: أن تتبع ضرائب وجمارك الاستثمار وزير الدولة المسئول عن الهيئة العامة للاستثمار, وليس لوزير المالية كما هو الحال الآن فهو القادر علي فهم طبيعة المشكلات التي تواجه المشروعات الاستثمارية, وهو المظلة التي يحتمي بها المستثمرون في تطبيق قانون الاستثمار وليس قانون الضرائب والجمارك, ولتكن معاملة الهيئة لمشروعاتها علي أساس قدرتها علي توليد الدخول والانتاج الراقي, وفتح مجالات الأرزاق وتوسيع فرص العمل والالتزام بالمصالح المشتركة والتصدير.
رابعا: توحيد النظرة الي المشروعات الاستثمارية ورءوس أموالها, علي أنها رءوس أموال خاصة دون التفرقة بين مصريين وعرب وأجانب, مع إعطاء المصريين أفضل المزايا والفرص والاعفاءات داخل بلدهم وخارجها.
خامسا: إعطاء حوافز إضافية مثل الإعفاء من الرسوم وأعباء المحليات والرسوم في قطاعات الكهرباء والطاقة والمرافق المختلفة لجميع المشروعات الاستثمارية الجديدة وتوسعاتها, دون حاجة لإصدار قوانين جديدة تثقل ميزان التشريعات الاقتصادية في مصر.
سادسا: إشراك القطاع الخاص بأعضاء ذي كفاءة ومثابرة للمشاركة في ادارة هيئة الاستثمار, من خلال تمثيل جمعيات المستثمرين وجمعيات رجال الأعمال واتحادات الصناعة والغرف التجارية, لمناقشة أمور الاستثمار من خلال تمثيل مكثف يقف علي احتياجات رجال الأعمال ومتطلباتهم.
وفي الختام, فإنه يجب الحذر ونحن نناقش قوانين جديدة تضاف الي قوانين الاستثمار, مما يؤدي الي التعدد والتبعثر ويزيد العبء علي متابعة وحصر وكفاءة الاستثمارات الجديدة, ويزيد من حالة التمزق التشريعي في معاملة الاستثمارات, ويعيد الطمأنينة والهدوء الي المستثمرين الحاليين, ويبعث الدفء والأمل لاستقطاب مستثمرين جدد وأصحاب الأموال وبيوتات الاستثمار العربية والأجنبية والمصريين في الداخل والخارج. ولتبقي في الآخر مقولة شهيرة هي إن رأس المال لا يأتي للتسهيلات والمزايا فقط, إنما يأتي الي الناس والبشر ليفيد ويستفيد, وتدور العجلة من أجل الخير للجميع. |
|
|
|
|
|