|
دورنا في السودان |
 |
لم أفاجأ بتعليق جولة المفاوضات الثانية بين السودان والمتمردين في الجنوب. فقضية الجنوب السوداني معقدة, وشائكة وليس من السهل الوصول فيها الي حل سريع. ومخطيء من يعتقد ان اتفاق ماشاكوس الأخير ـ الذي ثارت من حوله آراء متعارضة ـ قد حسم القضية, لأنه كان مجرد مذكرة تفاهم شملت اتفاقا علي الخطوط الرئيسية, وترك التفاصيل والقضايا الحساسة الي جولات المفاوضات التالية.
من هذه التفاصيل ـ مثلا أن الاتفاق لم ينص علي وقف إطلاق النار, مما أتاح للمتمردين الاستيلاء علي مدينة توريت الاستراتيجية لفرض الامر الواقع, وتحسين موقفهم علي مائدة المفاوضات السياسية, باعتبار أن من يملك الارض غير من يتفاوض للحصول عليها. وتوريت ـ كما هو معروف ـ ثاني اكبر مدن الجنوب السوداني, وتقع ضمن الحدود الجغرافية للسودان مع أوغندا وكينيا, وتسيطر علي واحد من الطريقين الرئيسيين المؤدين الي مدينة جوبا.
وسبق لمدينة توريت أن وقعت في أيدي المتمردين عام89, ولكن قوات الحكومة استعادتها عام92. حدث ذلك بينما كانت المفاوضات جارية بين وفدي الحكومة وحركة جارانج في كينيا! إذن ماهي النيات الحقيقية للمتمردين ؟
إن الحكومة السودانية ـ رغبة منها في تحقيق السلام, ووقف حمامات الدم الممتدة منذ نحو20 عاما ـ قدمت تنازلات لم يكن يحلم بها أشد العناصر تطرفا في حركة جارانج, لكن يبدو ان طموحات الحركة ـ كما كشف عنها الدرديري محمد احمد سفير السودان في نيروبي ـ وصلت الي حد المطالبة بتوسيع حدود جنوب السودان لتضم ثلاث مناطق استراتيجية أخري هي: جبال النوبة, وجنوب النيل الأزرق وابياي. كما طالبت بتعديل صيغة تطبيق الشريعة والحكومة الفيدرالية بشكل يخالف ما تم الاتفاق عليه في ماشاكوس في20 يوليو الماضي. من هنا, وفي ظل هذه الأطماع التوسعية, واستمرار الحرب التي يدفع الشعب السوداني ثمنها من قوت ابنائه ودمائهم, فإن السودان في اشد الحاجة الي الدعم العربي والمساندة العربية خصوصا من جانب مصر.
ويكفي ان العالم العربي ظل يتفرج لفترة طويلة علي محنة السودان من دون ان يقدم أي مساعدات فالدعم السياسي لا ينفع في بلد يواجه تمردا ويمثل عمق الامن القومي العربي. إن السودان يتعرض الآن لضغوط خارجية بعد تعليق المفاوضات مع المتمردين الذين اصبح لا يستهان بهم.
والوضع الحالي يستدعي الحذر, وتصحيح الموقف, فلا يمكن التفاوض في ظل استمرار الحرب. وعلي العرب ان يسارعوا للقيام بدور فاعل لإنقاذ وحدة السودان. فلا يعقل أن تلعب دول تقع علي بعد آلاف الاميال من السودان مثل امريكا, والنرويج وكندا دورا مصيريا في شئون السودان الشقيق ولا نلعب ـ نحن ـ اي دور! |
|
|
|
|
|