أعمدة

42280‏السنة 126-العدد2002سبتمبر9‏2 رجب 1423 هـالأثنين

سياسة خارجية
بقلم : عطية عيسوي

رواية غير منطقية
ما أن أعلنت الحكومة السودانية انسحابها من مفاوضات ماشاكوس مع الحركة الشعبية بقيادة جون جارانج احتجاجا علي استيلاء قواتها علي مدينة توريت الاستراتيجية في الجنوب‏,‏ حتي سارعت المخابرات الأمريكية بتسريب رواية غير منطقية مفادها أن منظمة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وحركة طالبان الأفغانية قامتا بتهريب كميات ضخمة من الذهب إلي السودان عبر باكستان وإيران والإمارات‏,‏ والهدف هو الضغط علي حكومة الخرطوم لاستئناف المفاوضات التي ترعاها أمريكا وبريطانيا والنرويج وكينيا‏,‏ إلي جانب أهداف أخري لا تقل أهمية‏.‏
شواهد كثيرة تؤكد عدم منطقية الرواية‏..‏ فإلي جانب نفي الخرطوم وطهران وأبوظبي وإسلام أباد لها‏,‏ فإن السودان هو آخر من يفكر بن لادن وأتباعه في نقل أرصدتهم إليه لأسباب من بينها‏:‏

‏*‏ طرد الخرطوم بن لادن في منتصف التسعينيات بعد أن عرضت تسليمه لأمريكا ودولة عربية مثلما سلمت الإرهابي العالمي كارلوس إلي فرنسا‏..‏ ولم تسدد لزعيم القاعدة مستحقاته المالية‏,‏ وهي بملايين الدولارات عن أعمال البناء والتشييد وشق الطرق التي نفذتها شركاته في السودان‏.‏ كما زودت واشنطن بمعلومات عنه وعن تنظيمه عقب أحداث‏11‏ سبتمبر‏,‏ وهذا يستدعي الانتقام وليس المكافأة‏.‏

‏*‏ أبعدت الحكومة السودانية أيضا أيمن الظواهري مساعد بن لادن الأول عقب اشتباك حراسه مع مواطنين سودانيين وسقوط قتلي وجرحي في أحد المساجد‏,‏ ولم يبق من أنصارها أحد ذو شأن خاصة بعد إبعاد الشيخ حسن الترابي عن الحكم‏.‏

‏*‏ كيف يتم نقل ذهب بهذا الحجم من ميناء كراتشي بينما الحكومة الباكستانية تطارد أنصار القاعدة وطالبان في كل مكان بمساعدة عناصر وأجهزة المخابرات الأمريكية للحفاظ علي الرضا الأمريكي وعدم تخلي واشنطن عنها في أزمتها الشديدة مع الهند المجاورة؟‏!‏
وعلي افتراض أنهم تمكنوا من الخروج من باكستان‏,‏ كيف أفلتوا من إيران التي تكن كراهية شديدة للقاعدة وطالبان‏,‏ أو من الإمارات التي تحرص علي الابتعاد عن المنظمتين سيئتي السمعة عالميا؟

ومن الأهداف التي سعت واشنطن لتحقيقها تمهيد المسرح لتوجيه ضربة عسكرية لإيران بزعم مساعدة أجهزة مخابراتها لأفراد القاعدة وحمايتهم في ضوء المعارضة الأمريكية والإسرائيلية المتزايدة لمفاعل بوشهر النووي الذي ساعدت روسيا في بنائه بدعوي أنه سيمكن طهران من صنع أسلحة نووية‏.‏ وهناك هدف آخر هو إقناع الشعب الأمريكي بأهمية مواصلة الحملة علي الإرهاب وضرب دول أخري لا ترضي واشنطن عنها مثل العراق والسودان إذا اقتضي الأمر‏,‏ ولم يعد إلي المفاوضات‏.‏
وما كاد تسريب تلك الرواية يتم حتي سربت واشنطن رواية أخري تفيد أن مشتروات الحكومة السودانية من الأسلحة تزايدت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة من روسيا والصين وكوريا الشمالية‏..‏ ورغم أن من حق السودان كدولة أن يطور قوته العسكرية إلا أن هذه الرواية ربما يتذرع بها جارانج للتشدد في المفاوضات عند استئنافها بدعوي أن الحكومة تستخدم عائدات بترول الجنوب في شراء السلاح لمحاربة أبنائه‏..‏ ولا شك في أنها محاولة أخري للضغط علي الخرطوم للعودة إلي مائدة التفاوض إلي جانب اتجاه الكونجرس لفرض عقوبات اقتصادية علي الخرطوم ما لم تتوصل إلي اتفاق سلام مع جارانج خلال ستة أشهر‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية