|
|
ونحن نستعيد الآن الرواية التي ترددت علي إثر رحيل عبدالناصر في الصحف الغربية من أن سفنا من الأسطول الأمريكي كانت في طريقها إلي شرق البحر المتوسط للقيام ببعض المناورات العسكرية في28 سبتمبر1970, وما إن أعلن نبأ وفاة جمال عبدالناصر حتي صدرت التعليمات لها بالعودة, والسبب أن الرجل الذي كنا نريد أن نسمعه أصوات مدافعنا.. قد مات. نذكر هذا بمناسبة مرور كل هذه السنوات منذ رحيل عبدالناصر في28 سبتمبر1970, وهي الذكري التي مرت علينا منذ يومين دون أن يتنبه لها أحد بالقدر الكافي, خاصة في هذه الظروف التي نمر بها الآن.
وهي الظروف التي تحتاج إلي موقف عربي واحد( الاستراتيجية) وجمال عبدالناصر( الرمز) في مواجهة الصلف الإسرائيلي الذي نراه في الكلام الإسرائيلي الذي يردده في كل مكان, والفعل الإسرائيلي الذي يتحدد في الاجتياح الذي بدأ في مثل هذا اليوم من عام أيضا علي إثر الانتفاضة الثانية في28 سبتمبر أيضا.. ومع ذلك, فإن ذكري عبدالناصر مازالت أمامنا وخلفنا والمشاهد كثيرة
المشهد العربي الباحث والسياسي الأمريكي روبرت جونسون يردد للزميل محمد عبدالهادي منذ أيام بأن اسرائيل كانت علي استعداد لكي تعيد الحقوق, لكن الآن لايوجد شيء يخيفها, فلا توجد قومية أو وحدة موقف عربي, ولايوجد شبح ناصر, فلماذا تعيد اسرائيل الحقوق بسهولة أو أن تشغل بالها بالعرب وهم علي هذه الحالة التي هم عليها الآن. وهذه عبارة تضيف إلي الموقف العربي الموحد دلالة ذكر شبح عبدالناصر, بما يشير إلي أمرين:
أحدهما: أن فكرة الوحدة العربية لاتذكر الآن في لحظة التجسيد إلا ويذكر معها عبدالناصر. ثم إن ـ وهذا هو الأمر الآخر ـ امتزاج هاتين الفكرتين, القومية العربية وعبدالناصر, تعني الوصول إلي معني ثالث, فالفكرة الشائعة في الأدبيات الماركسية هنا أن لقاء الفكرتين ـ أي فكرتين ـ وأحداث العلاقة بينهما ينتج فكرة ثالثة تكون قابلة أكثر للاستمرار.
معني ذلك, أننا في هذه الفترة الصعبة من تاريخنا نحتاج إلي الوعي القومي العربي( لا الوعي القطري وحده). الوعي العربي بمعني الوعي داخل كل قطر بما يؤدي إلي الوعي الجمعي الذي يشعر بخطورة ترك المصير العربي أمام الأجنحة المتصارعة المعادية لنا, في حين أن الواقع يؤكد أن الجناح المتشدد, والذي يدعو إلي تدمير العراق هو الذي يحمل أوراقا أكثر أن الوعي القطري هنا يظل مرهونا بما يمكن أن يقدمه في غيبة الوعي العربي ويجب أن نسرع بالقول هنا إن الوعي القطري موجود, ولابد أن يكون موجودا, بيد أن صحته يظل الشرط الذي تقوم من أجله القومية العربية, ويقوم بالرمز عنها قائد مثل عبدالناصر الذي جسد الفكرة القومية.
لقد مرت ذكري رحيل عبدالناصر ـ قبل أمس ـ دون أن يتنبه أحد إلي أن شبحه الذي غاب عنا ـ بالمعني السابق ـ هو الذي نفتقده في هذه الفترة المهمة من تاريخنا.. كان عبدالناصر حفيا بالوعي القطري, وفي الوقت نفسه واعيا للوعي القومي ونقول هذا أيضا حين نذكر أننا في هذه الفترة المهمة من تاريخنا حيث نعيش عصر( العولمة) الأمريكية لابد أن نتنبه فيه إلي الخصوصية القطرية العربية في كل إقليم.. والأحري أن نستخدم في عصر العولمة مفهوما أكثر دلالة في التعبير الآن هو الخصوصية الثقافية Specialite Cultural وهو المفهوم الذي يشترك فيه أفراد كل قطر عربي حيث أن الأفراد هنا يتصفون بمثل هذه الصفة سواء سيسيولوجيا أو انثروبولوجيا, والمعني الأخير هنا هو الذي يردد في المعاجم العالمية الآن من أن أفراد كل قطر تجمع بينهم عدة صفات يركز فيها علي العقيدة واللغة والسياسة بما يقترب بها من سمات خاصة تقترب بما يطلق عليه في علم الانثربولوجيا بالثقافة والشخصية Cultureandpersonality. وتلاحظ موسوعة لالاند هنا أن المفهوم يمنح خاصية البنية الواحدة في الإقليم أو في نوعية أو خصوصية Specilictte محددة تغلب علي أهله في المجال الثقافي بما يجعلها تختلف عن غيرها.
وعلي هذا النحو, فإن أخطار القرن الحادي والعشرين ـ ونحن مازلنا في بدايته ـ تحمل خطر التعدد ولا تلغيه, خطر التعدد حين تصبح الأقطار العربية بيادق تنفرط في رقعة الشطرنج, وحين تصبح فكرة الوعي العربي ـ لا الجغرافي بالضرورة ـ سرابا حيث يحشد الغرب لنا كل ما في جعبته من فلول ماكرة من صراع الحضارات ونهاية التاريخ والربط بين الدين والإرهاب.. وما إلي ذلك مما يعوق حركة الوعي العربي في انفراط العقد أو تشتت قطع البيادق في وعي عربي واحد يمثله رمز مثل جمال عبدالناصر. بيد أن هذا المشهد: الخصوصية القطرية والخصوصية العربية يحتاج إلي تعميق هذا المشهد أكثر.
المشهد القطري إن المشهد القطري يمكن أن يكون أكثر إيجابية حين يتحلي بالوعي أو الموقف العربي في عصر العولمة. ففي غيبة الوعي الثقافي(= الثقافي العربي) يمكن أن يهدد القطر والقطريات المباعدة, حيث نلاحظ أمام الخطر الذي يهددنا جميعا الآن أن أقطارنا تهدد بالتجزئة والحرب الدينية والقضية الديموقراطية والخلافات الداخلية وعبث المستشرقين الجدد ـ وفي مقدمتهم فريدمان ـ مما يسهم في التمزق الداخلي ومما يسهل عملية الهيمنة الامبريالية علي هذا القطر أو ذاك.
وقد سبق أن أكدت قبل ذلك أن هذه الصفات التي تتمثل بالسلب يمكن أن تتمثل في الايجاب حين يكون القطر واعيا بوجوده في هذه الحقبة, وهنا يتدخل دور الدولة ويلعب دورا ايجابيا في حالة التنبه إلي عديد من هذه الصفات والعمل لها, وهنا نستطيع أن نشير إلي الخصوصية الثقافية القطرية بشكل فاعل مادامت الدولة تتنبه لإطار الفاعلية, غير أننا ما نكاد نخرج من هذا الاطار حتي يضيع تماسكها وتأثير العوامل الايجابية. ولدينا أمثلة كثيرة لذلك, يقول بول هيرست في كتابه( ما العولمة) إن دور الدولة القطرية يمكن أن يكون فاعلا في حدود الوعي بالدور الثقافي والايديولوجي في الداخل, ثم الوعي بأداء التعامل مع الخارج اقتصاديا وثقافيا أيضا.
وهو ما يتأكد أكثر حين نعترف بوضوح أكثر أن وظيفة الدولة القومية باتت شبيهة بوظيفة البلديات داخل الدول. وعلي الجانب الآخر, فإن التماسك في القطر الواحد يمكن أن يمثل خطرا آخر في عصر العولمة, يمكن أن تمثل الخصوصيات القطرية خصوصيات تابعة مادامت قد انفصلت عن( التكتل) أو( الاتحاد) القومي لبقية الأقطار العربية.
فعلي الرغم من أن الامبريالية تسعي لتفتيت القطر الواحد ليمكن التعامل معه, فإنه يمكن أن يصبح ـ علي العكس ـ عاملا ايجابيا يمكن التعامل معه والهيمنة عليه. وعلي هذا النحو, فإن الخصوصيات القطرية يمكن أن تسهل عملية التبعية حين تصبح الاقلمة( الاقليم) اقلمة تابعة, وليست مناوئة بأية حال, لأن هذه الأخيرة لايمكن إلا أن تكون في تناقض مع العولمة, وبعبارة أخري فإن أي تطور داخل النظام الاقليمي ـ كما يلاحظ أكثر من مثقف ـ ينطوي علي زيادة تماسكه, من أجل التصدي لهذا الجانب أو ذاك من جوانب العولمة لن يكون بالتأكيد موضع ترحيب من مراكز الهيمنة أو النظام العالمي.
بيد أن الأكثر ايلاما هنا أن عاصفة مانهاتن قد داهمت الأقطار العربية بشكل مفاجئ, مما أصبحت البلاد العربية تعاني ضرورة الوحدة علي مستوي فهم الخطر الذي يهدد قطرا كالعراق, وفي الوقت نفسه تعاني الشعور بعدم توافق ايجابي علي مستوي ضرورة الوحدة الفعلية في مواجهة الخطر الذي يهددنا جميعا. ولم تفلح قسوة الأحداث في تشكيل( موقف عربي) فاعل ـ بالفعل ـ ازاء الأخطار التي تهددنا ليل نهار إثر انتظار الموقف الجامح لدي الصقور في الادارة الامريكية الآن.
إن أقصي ما نتحدث عنه الآن الوحدة في الرؤية من المصير الواحد في عصر تعدد الرؤي, بينما ماينقصنا أكثر ـ فضلا عن الوعي الثقافي ـ الوعي بالموقف العربي الفاعل في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية. وعلي هذا, فإن تناولنا هنا قضية الوحدة الثقافية يعني الوعي بالوحدة الثقافية في عصر التكتلات الكبري بما يدفع إلي اتخاذ موقف واحد معزز بدوافع اقتصادية وسياسية وليس( كلامية)..
فالموقف القطري وحده ـ مهما ارتبط بغيره ـ بوحدة ثقافية ـ يظل موقفا رومانسيا غير فاعل, وسيادة الدول القطرية وحدها ـ مهما تحدثنا عن استقلال اقتصادي أو تكنولوجي قطري ـ يظل موقفنا ضعيفا, يمكن أن يفتقد الخصوصية الثقافية إن لم يلتفت إلي عصر المشكلات والازمات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الدول الكبري الان للتدخل في مصائر هذا القطر أو ذاك باسم الإرهاب أو الدفاع عن المثالية البرجماتية في وجه الخطر القادم. هذا يعني أن الوحدة الثقافية وحدها لاتأخذ استحقاقها من التزامها بمفرداتها الخاصة والخصوصية التي تدافع عنها, وإنما من التنبه إلي الشأن العربي ـ لا القطري ـ في عصر التكتلات.
ففي عصر عسكرة العولمة لم يعد يجدي أن نتحدث طويلا عن الهوية الثقافية القطرية بمعزل عن الهوية القومية, كما لم يعد يجدي التحدث مع الدول الكبري بمنطق الحرص علي الصداقة أو توجيه الحديث إلي الرأي العام أو المجتمع الدولي كما نفعل الآن.. بوضوح أكثر, لم يعد أمامنا ـ في ذكري رحيل الرجل الذي أخاف الغرب ـ غير اتخاذ موقف عربي ليس ثقافيا وحسب وإنما واعيا بحجم المصالح الغربية وحمق العنصرية المعاصرة. |
|
|
|
|
|