|
|
 |
كان فونس قبل حادثة سقوطه من فوق الحصان ينظر دون أن يري, ينصت دون أن يستمع, ينسي كل شيء, كل شيء تقريبا, وحين سقط فقد وعيه, وعندما أفاق كان الحاضر لا يغتفر, لقد اكتشف بعد السقوط أنه كسيح, لكن ذاكرته معصومة من الخطأ, إذ أصبح يتذكر تكوينات السحب الجنوبية في فجر الثلاثين من ابريل عام1882, بل يستطيع أن يقارنها في الذاكرة بخطوط ورق الكتب التي رآها مرة واحدة فقط, وبخيوط الزبد التي خلفها مجداف في النهر, وتلك الذكريات لم تكن بسيطة, إذ أن كل صورة بصرية مرتبطة بأحاسيس عضلية حرارية, إن قدرة فونس الغريبة علي فك طيات الماضي هيأت له استطاعته لاستعادة يوم كامل بلا أي تردد, لكن هذا الفيض من التذكر كان يقصي الزمن الحقيقي للحياة المعيشة بأحداثها, إذ كل يوم مستعاد كان يستغرق يوما كاملا, بمعني أن الزمن المستعاد يصنف بكونه زمنا حاضرا, مع أن أحداثه كلها ماضية, ولقد رسخ لديه ارتحال ذاكرته يقينا بأن لديه ـ وحده ـ ذكريات تفوق كل ما تذكره البشر كافة منذ أن صار العالم عالما, لم يكن فونس يتذكر كل ورقة في كل شجرة علي كل جبل فقط, بل يتذكر مرة رآها, وعاني فونس دقة تذكره, وضايقته مشقة فهم أن الكلب الذي يكون في الساعة الثالثة وأربع عشرة دقيقة, لو نظرنا إليه من جانب, فإنه يحمل نفس مسمي الكلب الذي كان في الثالثة وأربع دقائق لو نظرنا إليه من الأمام, إذ يجده فونس مختلفا ومغايرا, حتي وجهه نفسه ويداه كانت تفاجئه في كل مرة, ولاشك أن هذا الإحساس يؤكد أنه لم يكن قادرا علي إدراك الأفكار العامة, فتذكره الدقيق للأشياء والمرئيات في حالاتها المتعددة, أمسي مجرد معلومات وأخبار لما وقع, ولم يرق هذا التذكر لديه الي مرحلة الفهم.
صحيح أن ذاكرة فونس المعجزة تجعله قادرا علي استعادة ارتسام الصور, كمعلومات موصوفة بحالة اللااستقرار, لكن علي الجانب الآخر, فإن هذا الاستغراق في التذكر يحول دون عمل العقل, ويمنع تدخله, ويعطل ممارسته لفعاليته, فوظيفة العقل لا تتم, بل لا يتمكن العقل من تشغيل وظائفه كافة, إلا اذا اقتربنت المعلومات بالفهم, الذي يحول الجزئي الي كلي باستقراء التجربة المستعادة, وإدراك ترابط الوقائع, وتكرار الاقتران بين السابق واللاحق في تسلسل الأحداث والأشياء, عندئذ يتمكن العقل من وضع إطار, وصياغة المفهوم, وإعمال بقية وظائفه من المضاهاة والتقويم والنقد, والحكم علي مايسترجعه. لقد امتلك عبر تاريخ البشرية بعض الناس قدرة من حالات الذاكرة الإعجازية, مثل قورش, أحد ملوك الفرس, الذي كان يدعو كل جندي في جيوشه باسمه, وغيره الكثير, أما فونس فإنه يمارس ـ بدقة متناهية ـ استعادة الماضي كما هو, أي بذات تفاصيله وملابساته وسياقه, وبذات زمانه, فيتمدد الماضي الذي يستذكره علي الحاضر, ويتسيد عليه, ويبطل الفكر, وقد شكلت هذه القدرة الاستثنائية لـ فونس مأزقا حياتيا رهيبا حرمه حقوقه كإنسان, إذ أبطل صلاحيته في ممارسة التفكير وإعمال العقل فيما يتذكره, والوعي به, والتدبر في شئونه, وفرض عليه الأسر في زنزانة التذكر السلبي الدائم والمفتقد للاستفاقة التي تبيح له الفهم حين يمارس العقل مجمل وظائفه, لقد كانت محنة فونس أن قدرة ذاكرته, بتسترها علي آليات التفكير والعقل, قد مارست الحجب للتفكير بقدر استدعائها للماضي بدقته, بل حصنته ضد حق مشروعية أن يشتغل عليه الفكر, أي أنها كانت تخدعه باستطراداتها, وبما تستعيده من الذكريات, فتقيم حاجزا بين ما يتذكره وبين التفكير فيه, فتلغي وتقصي ذلك الاشتباك بين العقل والذاكرة, وتستوفي ـ عندئذ ـ شروط تقويض معني الحياة الحاضرة,
حيث منطق الذاكرة يحكم ويزحزح الحاضر, فيهيمن ويستبد بسلطان سياقه, وبتمدده السلبي كمجموعة وقائع انفلتت من زمانها, واقتحمت راهنه, محصنة ضد الاشتغال العقلي بامتداد فيضها المتدفق, حيث في غياب العقل تصبح هذه الوقائع غير قابلة للقراءة, أو التأويل, أو التفكيك, أو الحفر, وإنما يعاد انتاجها لتنتشر كما هي, وتتداول بذات تشكلها وترتيبها, ويذعن لها فونس بصورة آلية, لذا صار فونس بعد فقدانه قدرة التفكير كسيحا مقعدا, أي مفتقدا صلاحيته الإنسانية بافتقاده إمكانية إعمال طاقة العقل والفكر, إذ فقدانه استطاعة التحرك الجغرافي, التي تجسدت في عدم مبارحته مكانه, إنما يعني دلالة العجز عن الانتقال بين الأزمنة, وعلامة إجهاض لحقه الإنساني في ممارسة التفكير في الأحداث التي مرت به, فمأساة حياة فونس جوهرها أن حالة التذكر البالغة الدقة والاكتمال, قد اعتقلته في وضع الاستعادة الدائمة لحياته السابقة, فتقهقر وضعه الإنساني بانقطاع تواصله مع حاضره كإنسان من حقوقه المشروعة أن يواجه بالتفكير حياته الماضية والجارية, فإذا به يحرم أن يحيا زمنه بارتداده الي الماضي, والتوقف عند عتبة تذكره من دون أدني إسهام بالتفكير فيه أو تأمله, بل استعادته كمحض وصف تسجيلي دقيق معجز في استعادته, فيسكن ويستعمر حاضره من دون مراجعة, فيفقد فونس بذلك حيويته وتجدده بفعل جموده وآلية تذكره, وقمع الذاكرة واغتصابها لعقله بمجمل وظائفه.
يصف لنا راوي حكاية فونس ومأساته, أنه عندما شاهده ـ بتعبير الراوي ـ رأيت وجه الصوت الذي راح يتحدث طيلة الليل, لاح لي أثريا كالبرونز, أقدم من مصر, سابقا علي النبوءات والأهرامات, فكرت في أن كل واحدة من كلماتي, كل إيماءة مني, ستدوم في ذاكرته التي لا ترحم, أعاقني الخوف من مضاعفة إيماءاتي غير المجدية, هكذا أوضح الراوي بشهادته ما أضحت عليه هيئة فونس كقرينة بالغة الإيحاء, علي أن حالة التذكر لم تعد لحظة تذكر يذهب إليها ثم يرتد عائدا الي راهنه, بل استحالت حالة تذكر دائمة, غدت معايشة تامة ممتدة عزلته عن حاضره, فبدا فونس علي المجاز ـ كما يصف الراوي ـ كما لو أنه قديم, لانقطاعه عن حاضره, ولأنه لم يكن يمتلك تلك العلاقة التي تربط ذاكرته بعقله, وأصبحت ذاكرته هي البديل عن حياته الحاضرة, وصار يتنفس هواء زمان غير زمانه, فلم يحتمل صدره استمرار ودوام ضخ هواء الماضي, ولم يستجب له, فارتبكت أحواله, وعندئذ مات فونس باحتقان في الرئة. إن قصة فونس قوي الذاكرة للكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخيس, تكشف عن ذلك الخلل في حياة فونس من حيث علاقته بذاته وفكره وواقعه, وتقهقر خصوبة وجوده وثرائه, حين تعري معني المفارقة في حالته, بأن التذكر ليس العيش فيما نتذكره, بل لابد للعقل أن يتدخل بمجمل وظائفه ليؤكد للمتذكر أنه إنما يتذكر أحداثا سابقة, وليس عليه أن يعيشها وتتلبسه, فالتذكر محض عملية استحضار تستهدف الاستطلاع والمعاينة, وليس نقلا للأحداث, وإحياءها بمعايشتها بزمانها, بحيث تصبح نفيا للراهن, وإقصاء له, فملكة الذاكرة الدقيقة تعني امتلاكنا القدرة علي استذكار كل شيء, كجواز مرور يؤكد حيازتنا فهما ومعرفة للحدود بين الأزمنة يسمح لنا بالانتقال بينها, والاتصال بها, لكنه لا يعني محو الحدود بين الأزمنة وتمايزاتها, والإقامة والسكن في سياق الماضي والانخراط في بنيته المسبقة والالتحام به, فالحياة ليست هي ما نتذكره فقط, بل أيضا ما ننجزه, وكذلك ما نستشرفه لنؤسس للمقبل من الزمن, وجواز المرور المؤكد لحيازتنا الفهم والمعرفة, هو الذي يسمح لنا بأن نعيش راهننا, ولا نجهل أمسنا, ولا نعجز عن استباق الغد.
إن الراوي الذي تربطه بـ فونس علاقة صداقة, وأيضا يرمز الي ويمثل الراهن المتحقق في مواجهة الماضي المتدفق بالاستعادة دون إدراك من قبل فونس, نراه في المشهد الأخير من هذه القصة الرائعة, يبوح بيقينه القاطع من يأسه في علاج حالة فونس, عندما أعلن إدراكه بأن كلماته له كلها مصيرها التسجيل, إذ تلتقط للحفظ فقط في ذاكرة فونس التي لاترحم, وهو ما يعني أنها أصبحت بلا فعالية, ومجال استثمارها الوحيد في إمكانية استعادتها ثانية, أما وزن تأثير شحنتها الواقعة للتفكير والوعي, أيا كان هذا الوزن, فلا تأثير يبلغه, وإنما يتم استقبال الكلمات كبصمات وعلامات, ويجري تعليبها للحفظ ولحين استدعائها, من دون أدني تفكير في مقاصدها, فمهارة فونس اللافتة والمعجزة في أنه يستقبل ويحفظ, ثم يردد ويستعيد ويتلو للآخرين ما يستعيده, أي أنه يقوم بذات عمل أداة أي جهاز تقني, والفارق أن الاستعادة بدلا من أن تأتي عبر أداة أصبحت تأتي عبر ذات إنسانية قد تم محو العقل, وإقالة التفكير منها باعتبارها دليل الإنسان الي انسانيته, والذي يتيح له ممارسة حق الفهم, وطرح الأسئلة, وإعمال العقل لوظائفه كافة, عندئذ تفقد كلمات الراوي وأقواله تأثيرها, وتصبح لا قيمة لها, بل غير مجدية, لذلك فإن بورخيس في قصته الموحية ينبهنا الي ضرورة الأخذ باحتراز وقائي أشار إليه الراوي تضمينا في حديثه, عندما باح بأنه قد أعاقه الخوف عن مضاعفة إيماءاته غير المجدية عندما كان يستمع الي فونس, وهو يستعيد الأحداث الماضية, فقد أدرك الراوي أن فونس يمارس إعادة إنتاج الماضي من دون إعمال العقل لوظائفه, بل يئس من إمكانية علاج حالته, أما الخوف ـ كل الخوف ـ الذي تنبه إليه الراوي فهو مرحلة التوزيع والترويج والتسويق للآخرين, فقد خاف الراوي من أن يتحول آليا بفعل استماعه إليه الي حالة فونس, وتنتقل إليه عدوي معايشة الزمن المستعاد بمعطياته التي لا تستضيء بوظائف العقل ومستجدات المعارف, خاف مما تفرضه حالة فونس من استعادة الأحداث من دون ملازمة لها لفعالية طاقة التساؤل والفهم, وتدخل العقل وتشغيله لملكاته كافة, فقرر الكف في سلوكه عن أي تواصل معه مادام حديثه غير مجد, ولا تأثير له, حفاظا علي حريته, إذ جوهر الحرية أن يمارس الإنسان التفكير في المنقول إليه من الأفكار والأحداث, ولا يسمح لها بأن تأسره, ومن أول حقوق الإنسان أن يتساءل,
وألا ينتزع منه جواز سفره بين الماضي والراهن والمقبل من الزمن, وبرغم موت فونس بفعل فقدانه جواز مروره بين الأزمة, إلا أن بورخيس ساق لنا وصيته الوقائية لمواجهة العدوي علي الأقل. لكن في عصرنا تتعدد الذوات الإنسانية التي تصدر الي الآخرين ـ عن قصد ـ اليقينيات لمعتقدات ثابتة غير مفتوحة علي إمكانية طرح الأسئلة ومحاولة الفهم, وتمارس لترسيخها أشكال الدعم كافة, ابتداء من الإلحاح الإعلامي, والحرج السياسي, واستعراض الجبروت والقوة, الي كل وسائل الحجب, تري هل تصلح لمواجهتها وصفة بورخيس التي ساقها لنا في قصته؟!! وإن لم تكن كذلك, فما الذي يصلح إذن؟!! |
|
|
|
|
|