الكتاب

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

ما الذي يصلح إذن؟‏!!‏
بقلم : د‏.‏ فوزي فهمي

كان فونس قبل حادثة سقوطه من فوق الحصان ينظر دون أن يري‏,‏ ينصت دون أن يستمع‏,‏ ينسي كل شيء‏,‏ كل شيء تقريبا‏,‏ وحين سقط فقد وعيه‏,‏ وعندما أفاق كان الحاضر لا يغتفر‏,‏ لقد اكتشف بعد السقوط أنه كسيح‏,‏ لكن ذاكرته معصومة من الخطأ‏,‏ إذ أصبح يتذكر تكوينات السحب الجنوبية في فجر الثلاثين من ابريل عام‏1882,‏ بل يستطيع أن يقارنها في الذاكرة بخطوط ورق الكتب التي رآها مرة واحدة فقط‏,‏ وبخيوط الزبد التي خلفها مجداف في النهر‏,‏ وتلك الذكريات لم تكن بسيطة‏,‏ إذ أن كل صورة بصرية مرتبطة بأحاسيس عضلية حرارية‏,‏ إن قدرة فونس الغريبة علي فك طيات الماضي هيأت له استطاعته لاستعادة يوم كامل بلا أي تردد‏,‏ لكن هذا الفيض من التذكر كان يقصي الزمن الحقيقي للحياة المعيشة بأحداثها‏,‏ إذ كل يوم مستعاد كان يستغرق يوما كاملا‏,‏ بمعني أن الزمن المستعاد يصنف بكونه زمنا حاضرا‏,‏ مع أن أحداثه كلها ماضية‏,‏ ولقد رسخ لديه ارتحال ذاكرته يقينا بأن لديه ـ وحده ـ ذكريات تفوق كل ما تذكره البشر كافة منذ أن صار العالم عالما‏,‏ لم يكن فونس يتذكر كل ورقة في كل شجرة علي كل جبل فقط‏,‏ بل يتذكر مرة رآها‏,‏ وعاني فونس دقة تذكره‏,‏ وضايقته مشقة فهم أن الكلب الذي يكون في الساعة الثالثة وأربع عشرة دقيقة‏,‏ لو نظرنا إليه من جانب‏,‏ فإنه يحمل نفس مسمي الكلب الذي كان في الثالثة وأربع دقائق لو نظرنا إليه من الأمام‏,‏ إذ يجده فونس مختلفا ومغايرا‏,‏ حتي وجهه نفسه ويداه كانت تفاجئه في كل مرة‏,‏ ولاشك أن هذا الإحساس يؤكد أنه لم يكن قادرا علي إدراك الأفكار العامة‏,‏ فتذكره الدقيق للأشياء والمرئيات في حالاتها المتعددة‏,‏ أمسي مجرد معلومات وأخبار لما وقع‏,‏ ولم يرق هذا التذكر لديه الي مرحلة الفهم‏.‏

صحيح أن ذاكرة فونس المعجزة تجعله قادرا علي استعادة ارتسام الصور‏,‏ كمعلومات موصوفة بحالة اللااستقرار‏,‏ لكن علي الجانب الآخر‏,‏ فإن هذا الاستغراق في التذكر يحول دون عمل العقل‏,‏ ويمنع تدخله‏,‏ ويعطل ممارسته لفعاليته‏,‏ فوظيفة العقل لا تتم‏,‏ بل لا يتمكن العقل من تشغيل وظائفه كافة‏,‏ إلا اذا اقتربنت المعلومات بالفهم‏,‏ الذي يحول الجزئي الي كلي باستقراء التجربة المستعادة‏,‏ وإدراك ترابط الوقائع‏,‏ وتكرار الاقتران بين السابق واللاحق في تسلسل الأحداث والأشياء‏,‏ عندئذ يتمكن العقل من وضع إطار‏,‏ وصياغة المفهوم‏,‏ وإعمال بقية وظائفه من المضاهاة والتقويم والنقد‏,‏ والحكم علي مايسترجعه‏.‏
لقد امتلك عبر تاريخ البشرية بعض الناس قدرة من حالات الذاكرة الإعجازية‏,‏ مثل قورش‏,‏ أحد ملوك الفرس‏,‏ الذي كان يدعو كل جندي في جيوشه باسمه‏,‏ وغيره الكثير‏,‏ أما فونس فإنه يمارس ـ بدقة متناهية ـ استعادة الماضي كما هو‏,‏ أي بذات تفاصيله وملابساته وسياقه‏,‏ وبذات زمانه‏,‏ فيتمدد الماضي الذي يستذكره علي الحاضر‏,‏ ويتسيد عليه‏,‏ ويبطل الفكر‏,‏ وقد شكلت هذه القدرة الاستثنائية لـ فونس مأزقا حياتيا رهيبا حرمه حقوقه كإنسان‏,‏ إذ أبطل صلاحيته في ممارسة التفكير وإعمال العقل فيما يتذكره‏,‏ والوعي به‏,‏ والتدبر في شئونه‏,‏ وفرض عليه الأسر في زنزانة التذكر السلبي الدائم والمفتقد للاستفاقة التي تبيح له الفهم حين يمارس العقل مجمل وظائفه‏,‏ لقد كانت محنة فونس أن قدرة ذاكرته‏,‏ بتسترها علي آليات التفكير والعقل‏,‏ قد مارست الحجب للتفكير بقدر استدعائها للماضي بدقته‏,‏ بل حصنته ضد حق مشروعية أن يشتغل عليه الفكر‏,‏ أي أنها كانت تخدعه باستطراداتها‏,‏ وبما تستعيده من الذكريات‏,‏ فتقيم حاجزا بين ما يتذكره وبين التفكير فيه‏,‏ فتلغي وتقصي ذلك الاشتباك بين العقل والذاكرة‏,‏ وتستوفي ـ عندئذ ـ شروط تقويض معني الحياة الحاضرة‏,‏

حيث منطق الذاكرة يحكم ويزحزح الحاضر‏,‏ فيهيمن ويستبد بسلطان سياقه‏,‏ وبتمدده السلبي كمجموعة وقائع انفلتت من زمانها‏,‏ واقتحمت راهنه‏,‏ محصنة ضد الاشتغال العقلي بامتداد فيضها المتدفق‏,‏ حيث في غياب العقل تصبح هذه الوقائع غير قابلة للقراءة‏,‏ أو التأويل‏,‏ أو التفكيك‏,‏ أو الحفر‏,‏ وإنما يعاد انتاجها لتنتشر كما هي‏,‏ وتتداول بذات تشكلها وترتيبها‏,‏ ويذعن لها فونس بصورة آلية‏,‏ لذا صار فونس بعد فقدانه قدرة التفكير كسيحا مقعدا‏,‏ أي مفتقدا صلاحيته الإنسانية بافتقاده إمكانية إعمال طاقة العقل والفكر‏,‏ إذ فقدانه استطاعة التحرك الجغرافي‏,‏ التي تجسدت في عدم مبارحته مكانه‏,‏ إنما يعني دلالة العجز عن الانتقال بين الأزمنة‏,‏ وعلامة إجهاض لحقه الإنساني في ممارسة التفكير في الأحداث التي مرت به‏,‏ فمأساة حياة فونس جوهرها أن حالة التذكر البالغة الدقة والاكتمال‏,‏ قد اعتقلته في وضع الاستعادة الدائمة لحياته السابقة‏,‏ فتقهقر وضعه الإنساني بانقطاع تواصله مع حاضره كإنسان من حقوقه المشروعة أن يواجه بالتفكير حياته الماضية والجارية‏,‏ فإذا به يحرم أن يحيا زمنه بارتداده الي الماضي‏,‏ والتوقف عند عتبة تذكره من دون أدني إسهام بالتفكير فيه أو تأمله‏,‏ بل استعادته كمحض وصف تسجيلي دقيق معجز في استعادته‏,‏ فيسكن ويستعمر حاضره من دون مراجعة‏,‏ فيفقد فونس بذلك حيويته وتجدده بفعل جموده وآلية تذكره‏,‏ وقمع الذاكرة واغتصابها لعقله بمجمل وظائفه‏.‏

يصف لنا راوي حكاية فونس ومأساته‏,‏ أنه عندما شاهده ـ بتعبير الراوي ـ رأيت وجه الصوت الذي راح يتحدث طيلة الليل‏,‏ لاح لي أثريا كالبرونز‏,‏ أقدم من مصر‏,‏ سابقا علي النبوءات والأهرامات‏,‏ فكرت في أن كل واحدة من كلماتي‏,‏ كل إيماءة مني‏,‏ ستدوم في ذاكرته التي لا ترحم‏,‏ أعاقني الخوف من مضاعفة إيماءاتي غير المجدية‏,‏ هكذا أوضح الراوي بشهادته ما أضحت عليه هيئة فونس كقرينة بالغة الإيحاء‏,‏ علي أن حالة التذكر لم تعد لحظة تذكر يذهب إليها ثم يرتد عائدا الي راهنه‏,‏ بل استحالت حالة تذكر دائمة‏,‏ غدت معايشة تامة ممتدة عزلته عن حاضره‏,‏ فبدا فونس علي المجاز ـ كما يصف الراوي ـ كما لو أنه قديم‏,‏ لانقطاعه عن حاضره‏,‏ ولأنه لم يكن يمتلك تلك العلاقة التي تربط ذاكرته بعقله‏,‏ وأصبحت ذاكرته هي البديل عن حياته الحاضرة‏,‏ وصار يتنفس هواء زمان غير زمانه‏,‏ فلم يحتمل صدره استمرار ودوام ضخ هواء الماضي‏,‏ ولم يستجب له‏,‏ فارتبكت أحواله‏,‏ وعندئذ مات فونس باحتقان في الرئة‏.‏
إن قصة فونس قوي الذاكرة للكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخيس‏,‏ تكشف عن ذلك الخلل في حياة فونس من حيث علاقته بذاته وفكره وواقعه‏,‏ وتقهقر خصوبة وجوده وثرائه‏,‏ حين تعري معني المفارقة في حالته‏,‏ بأن التذكر ليس العيش فيما نتذكره‏,‏ بل لابد للعقل أن يتدخل بمجمل وظائفه ليؤكد للمتذكر أنه إنما يتذكر أحداثا سابقة‏,‏ وليس عليه أن يعيشها وتتلبسه‏,‏ فالتذكر محض عملية استحضار تستهدف الاستطلاع والمعاينة‏,‏ وليس نقلا للأحداث‏,‏ وإحياءها بمعايشتها بزمانها‏,‏ بحيث تصبح نفيا للراهن‏,‏ وإقصاء له‏,‏ فملكة الذاكرة الدقيقة تعني امتلاكنا القدرة علي استذكار كل شيء‏,‏ كجواز مرور يؤكد حيازتنا فهما ومعرفة للحدود بين الأزمنة يسمح لنا بالانتقال بينها‏,‏ والاتصال بها‏,‏ لكنه لا يعني محو الحدود بين الأزمنة وتمايزاتها‏,‏ والإقامة والسكن في سياق الماضي والانخراط في بنيته المسبقة والالتحام به‏,‏ فالحياة ليست هي ما نتذكره فقط‏,‏ بل أيضا ما ننجزه‏,‏ وكذلك ما نستشرفه لنؤسس للمقبل من الزمن‏,‏ وجواز المرور المؤكد لحيازتنا الفهم والمعرفة‏,‏ هو الذي يسمح لنا بأن نعيش راهننا‏,‏ ولا نجهل أمسنا‏,‏ ولا نعجز عن استباق الغد‏.‏

إن الراوي الذي تربطه بـ فونس علاقة صداقة‏,‏ وأيضا يرمز الي ويمثل الراهن المتحقق في مواجهة الماضي المتدفق بالاستعادة دون إدراك من قبل فونس‏,‏ نراه في المشهد الأخير من هذه القصة الرائعة‏,‏ يبوح بيقينه القاطع من يأسه في علاج حالة فونس‏,‏ عندما أعلن إدراكه بأن كلماته له كلها مصيرها التسجيل‏,‏ إذ تلتقط للحفظ فقط في ذاكرة فونس التي لاترحم‏,‏ وهو ما يعني أنها أصبحت بلا فعالية‏,‏ ومجال استثمارها الوحيد في إمكانية استعادتها ثانية‏,‏ أما وزن تأثير شحنتها الواقعة للتفكير والوعي‏,‏ أيا كان هذا الوزن‏,‏ فلا تأثير يبلغه‏,‏ وإنما يتم استقبال الكلمات كبصمات وعلامات‏,‏ ويجري تعليبها للحفظ ولحين استدعائها‏,‏ من دون أدني تفكير في مقاصدها‏,‏ فمهارة فونس اللافتة والمعجزة في أنه يستقبل ويحفظ‏,‏ ثم يردد ويستعيد ويتلو للآخرين ما يستعيده‏,‏ أي أنه يقوم بذات عمل أداة أي جهاز تقني‏,‏ والفارق أن الاستعادة بدلا من أن تأتي عبر أداة أصبحت تأتي عبر ذات إنسانية قد تم محو العقل‏,‏ وإقالة التفكير منها باعتبارها دليل الإنسان الي انسانيته‏,‏ والذي يتيح له ممارسة حق الفهم‏,‏ وطرح الأسئلة‏,‏ وإعمال العقل لوظائفه كافة‏,‏ عندئذ تفقد كلمات الراوي وأقواله تأثيرها‏,‏ وتصبح لا قيمة لها‏,‏ بل غير مجدية‏,‏ لذلك فإن بورخيس في قصته الموحية ينبهنا الي ضرورة الأخذ باحتراز وقائي أشار إليه الراوي تضمينا في حديثه‏,‏ عندما باح بأنه قد أعاقه الخوف عن مضاعفة إيماءاته غير المجدية عندما كان يستمع الي فونس‏,‏ وهو يستعيد الأحداث الماضية‏,‏ فقد أدرك الراوي أن فونس يمارس إعادة إنتاج الماضي من دون إعمال العقل لوظائفه‏,‏ بل يئس من إمكانية علاج حالته‏,‏ أما الخوف ـ كل الخوف ـ الذي تنبه إليه الراوي فهو مرحلة التوزيع والترويج والتسويق للآخرين‏,‏ فقد خاف الراوي من أن يتحول آليا بفعل استماعه إليه الي حالة فونس‏,‏ وتنتقل إليه عدوي معايشة الزمن المستعاد بمعطياته التي لا تستضيء بوظائف العقل ومستجدات المعارف‏,‏ خاف مما تفرضه حالة فونس من استعادة الأحداث من دون ملازمة لها لفعالية طاقة التساؤل والفهم‏,‏ وتدخل العقل وتشغيله لملكاته كافة‏,‏ فقرر الكف في سلوكه عن أي تواصل معه مادام حديثه غير مجد‏,‏ ولا تأثير له‏,‏ حفاظا علي حريته‏,‏ إذ جوهر الحرية أن يمارس الإنسان التفكير في المنقول إليه من الأفكار والأحداث‏,‏ ولا يسمح لها بأن تأسره‏,‏ ومن أول حقوق الإنسان أن يتساءل‏,‏

وألا ينتزع منه جواز سفره بين الماضي والراهن والمقبل من الزمن‏,‏ وبرغم موت فونس بفعل فقدانه جواز مروره بين الأزمة‏,‏ إلا أن بورخيس ساق لنا وصيته الوقائية لمواجهة العدوي علي الأقل‏.‏
لكن في عصرنا تتعدد الذوات الإنسانية التي تصدر الي الآخرين ـ عن قصد ـ اليقينيات لمعتقدات ثابتة غير مفتوحة علي إمكانية طرح الأسئلة ومحاولة الفهم‏,‏ وتمارس لترسيخها أشكال الدعم كافة‏,‏ ابتداء من الإلحاح الإعلامي‏,‏ والحرج السياسي‏,‏ واستعراض الجبروت والقوة‏,‏ الي كل وسائل الحجب‏,‏ تري هل تصلح لمواجهتها وصفة بورخيس التي ساقها لنا في قصته؟‏!!‏ وإن لم تكن كذلك‏,‏ فما الذي يصلح إذن؟‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية