الكتاب

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

كندا وموقفها من السياسة الأمريكية
بقلم‏:‏ محمد سلماوي

ربما كان أهم ما يسترعي انتباه الزائر العربي إلي كندا في الوقت الحالي‏,‏ هو تلك الهوة العميقة التي تفصل بين الرأي العام الكندي والسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط‏,‏ والتي تتركز الآن في استغلال أحداث سبتمبر‏2001‏ لتنفيذ سياسة استعمارية واضحة تجسدها تلك الرغبة الجامحة لإدارة الرئيس بوش لشن الحرب علي العراق‏..‏ فمثل هذه السياسة تبدو للكنديين سياسة عدوانية تتعارض مع رؤيتهم لكندا ودورها كدولة سلام لا تشارك في الحروب‏..‏ وإذا كانت هذه المعارضة للسياسة الأمريكية موجودة أيضا في أوروبا إلا أنها هنا تكتسب أهمية خاصة بحكم الجيرة مع الولايات المتحدة‏,‏ والعلاقات الخاصة التي تجعل كندا تعتمد علي جارتها الكبري فيما يقرب من ثلاثة أرباع تجارتها الخارجية‏..‏ فأين نحن من هذا التطور المهم الذي جاءنا دون أن نسعي إليه؟
لقد ذهبت إلي كندا مدعوا في المهرجان الدولي للكتاب‏,‏ والذي يقام سنويا في العاصمة أوتاوا‏,‏ والذي حضره هذا العام‏178‏ كاتبا من أكثر من عشر دول‏,‏ كانت مصر من بينها لأول مرة منذ قيام المهرجان قبل ست سنوات‏.‏

ولم تكن قدمي قد وطئت الأراضي الكندية حين أذاعت قناة التليفزيون الأمريكية‏C.B.S‏ حديثا لرئيس الوزراء الكندي جان كريتيان بمناسبة الذكري السنوية الأولي لهجمات سبتمبر‏,‏ قال فيه دون مواربة‏:‏ إنه طالما ظل هناك فقر في العالم‏,‏ فإن الإرهاب سيستمر‏,‏ وأن الغرب مسئول بجشعه المادي وبغطرسته تجاه الآخرين عما حدث في سبتمبر‏2001.‏
ومثل هذا الموقف لم يلق القبول بالطبع من الجارة الكبري لكندا‏,‏ لأن القول إن الفقر يولد الإرهاب‏,‏ إنما يضع علي عاتق الدول الغنية في العالم ـ وأولها القوة العظمي ـ مسئولية التصدي للفقر في العالم‏,‏ والعمل علي مساعدة الدول الفقيرة علي حل مشكلاتها‏.‏

ولقد أكد كريتيان هذا المعني مرة أخري في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة‏,‏ غير عابئ بالتذمر الأمريكي‏,‏ وذلك حين حذر من أن تقاعس الغرب عن معالجة الفقر في العالم قد يتسبب في مزيد من الهجمات الإرهابية‏,‏ وأن الحيلولة دون وقوع مثل هذه الهجمات في المستقبل تعتمد في جانب مهم منها علي اقتلاع الفقر من جذوره‏.‏
ولقد لاحق الصحفيون الأمريكيون كريتيان بعد انتهاء كلمته بالمنظمة الدولية‏,‏ لكنه أصر علي موقفه قائلا‏:‏ لقد كنت أقصد كل كلمة قلتها في حديثي التليفزيوني‏,‏ فجزء من المسئولية فيما حدث يعود لجشع الغرب وعجرفته‏..‏ وقال كريتيان‏:‏ حين تكون هناك دول تعيش في فقر مدقع‏,‏ فإنها تصبح بلا شك بيئة صالحة للإرهاب‏,‏ ونحن علينا مسئولية لمساعدة هذه الدول للوصول إلي مستوي معيشة مقبول‏.‏

واتساقا مع هذا الموقف كان الموقف الكندي من العراق والحرب التي تسعي الولايات المتحدة لشنها عليه‏,‏ فالرأي العام الكندي يتساءل حول جدوي سياسة واشنطن الجديدة والتي تسعي لغزو الدول الأخري وقلب نظم الحكم التي لا تروق لها‏..‏ ويقول لي الكاتب ألبرت روسي‏:‏ إن العالم ملئ بالأنظمة السياسية غير السارة‏..‏ فهل ستقوم الولايات المتحدة بغزوها الواحدة تلو الأخري وإسقاط أنظمتها وإحلال نظم حكم أخري مكانها؟‏!..‏ إن تلك ستكون سابقة خطيرة في العلاقات الدولية‏,‏ قد تحذو حذوها دول أخري‏,‏ فها هي روسيا تفعل الشيء نفسه في جورجيا أو الشيشان‏,‏ وإذا كانت الولايات المتحدة ستقوم بضرب العراق لأنها قد تهاجمها في يوم من الأيام‏(!!),‏ فما الذي يمنع الهند مثلا من ضرب باكستان للسبب نفسه؟‏..‏ وما الذي يمنع الصين من ضرب تايوان؟‏..‏ أما السفير الكندي السابق كيمون فالاسكاكيس فيقول‏:‏ إن الحرب الإجهاضية من طرف واحد والتي يتم شنها باسم المصلحة القومية‏,‏ إنما تفتح أبواب الجحيم‏,‏ وقد تؤدي إلي وضع أكثر خطورة من المشكلة التي قامت الحرب بسببها‏.‏
أما رونالد كليمنسون‏74‏ عاما فهو رئيس المجموعة الكندية التي شاركت في فريق المفتشين الدوليين بالعراق‏,‏ وهو ضابط مخابرات سابق في سلاح الطيران الكندي‏,‏ وقد أعرب عن اعتقاده بأن المفتشين يمكن أن يقدموا تقريرا صادقا عما إذا كان العراق مازال عنده رصيد من أسلحة الدمار أم لا‏..‏ ويقول إن ذلك لايمكن أن يتحقق قبل عشرة أشهر علي الأقل‏,‏ ومع ذلك فهو يفضل ذلك علي الحرب ويقول‏:‏ بالله عليكم اعطوا المفتشين فرصة لينجزوا عملهم‏!.‏

ولقد جاءت وثيقة جورج بوش الأخيرة التي يحدد فيها أن الولايات المتحدة ستكون دائما هي البادئة بالضرب في أي حرب بمثابة صدمة للشعب الكندي‏,‏ حتي ان من كانوا يميلون إلي الجانب الأمريكي وجدوا أنفسهم بعد هذا البيان في موقف رافض تماما للمنطق الذي تقوم عليه الوثيقة الأمريكية التي تعطي الولايات المتحدة لنفسها فيها الحق لشن الحرب ضد أي دولة أو جهة تجد فيها خطرا محتملا‏,‏ وقد صرح وزير الخارجية الكندي بيل جراهام‏,‏ والذي كانت قد صدرت عنه كلمات قاسية ضد النظام العراقي قيل إنها كانت لتخفيف أثر كلمات كريتيان بأن كندا قلقة من أن هذه السياسة قد تقضي علي ما تم إنجازه في مجال التعاون الدولي خلال عقود كاملة‏,‏ إننا قلقون مما يمكن أن تحمله هذه السياسة من دلالات في أنحاء أخري من العالم‏,‏ ولا نعتقد أن سياسة الضربة الأولي تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة ولا مع النظام الدولي الذي نسعي لبنائه‏.‏
وفي ذلك يقول ديفيد ويلش أستاذ العلوم السياسية بجامعة تورنتو‏:‏ إن تلك أول مرة تقوم فيها السياسة الخارجية الكندية علي انتقاد سياسة الولايات المتحدة بهذا الشكل العلني‏,‏ وأقل ما يقال عنها انها تثير الدهشة‏.‏

علي أن من يتابع الصحافة الكندية يجد أنها مليئة بالهجوم علي الموقف الكندي من السياسة الأمريكية الحالية‏,‏ وكأن هذه الصحف تصدر في الولايات المتحدة وليس في كندا‏,‏ فقد حرصت جريدة ناشيونال بوست مثلا علي تفنيد موقف الحكومة الكندية‏,‏ ونشرت أقوالا نسبتها إلي القراء يقولون فيها إنهم يشعرون بالعار مما قاله كريتيان‏(!!)‏ ويؤكدون حبهم للولايات المتحدة وسعادتهم بالجيرة معها‏,‏ كما نشرت آراء لأحد أعضاء البرلمان المعارضين وهو ستوكويل داي‏,‏ رد فيها علي رئيس الوزراء مرددا الرأي الرسمي الأمريكي بأن السبب في الهجمات الإرهابية علي الولايات المتحدة هو الحقد وليس الفقر‏,‏ ثم كشف عن حقيقة انتماءاته حين قال‏:‏ إن هؤلاء الناس كانوا يريدون إرداء الأمريكيين قتلي‏,‏ وكانوا يريدون إرداء اليهود قتلي‏!.‏
أما جريدة أوتاوا ستيزن والمعروفة بميلها إلي الجانب الصهيوني‏,‏ فقد كتبت سلسلة من الافتتاحيات طوال الأسبوع الذي أمضيته في كندا لحضور المهرجان اتخذت فيها جميعا موقفا معاديا لتصريحات رئيس الوزراء ومواليا للموقف الأمريكي‏,‏ كما جاءت معالجتها لتصريحات وزير الخارجية عن الوثيقة الأمريكية من موقع الانتقاد قائلة إن التاريخ يؤكد أن كندا لم تحقق أي مكسب من الاختلاف مع السياسة الأمريكية‏..‏

ولقد قابلت جراهام جرين‏,‏ نائب رئيس تحرير الجريدة فوجهت إليه سؤالا مباشرا عن الجهة التي يعبرون عنها في الجريدة وقلت له‏:‏ إني أجد أن الرأي العام هنا في كندا في جانب‏,‏ وجريدتكم في جانب آخر‏..‏ فهل تعبرون عن أوساط أو جماعات معينة؟‏..‏ فقال الرجل‏:‏ إن مهمتنا ليست مجرد التعبير عن الرأي العام‏,‏ وإنما قيادته‏,‏ قلت‏:‏ يبدو لي أنكم تقودونه في اتجاه السياسة الأمريكية وليس في اتجاه المصلحة الكندية‏,‏ فقال‏:‏ إن هذا هو الصالح الكندي‏,‏ فنحن مرتبطون بالولايات المتحدة بعلاقات صداقة خاصة بحكم الجيرة‏,‏ وليس في مصلحتنا معاداتها‏,‏ قلت‏:‏ إننا لا نطلب منكم معاداتها‏,‏ وإنما ترشيدها‏,‏ فهذا هو عين الصداقة‏,‏ أليس كذلك؟‏..‏ فانفعل الصحفي قليلا وهو يقول‏:‏ بصرف النظر عما يمكن أن يقوله رئيس الوزراء أو وزير الخارجية‏,‏ وأينما اتجه الرأي العام‏,‏ فإن كندا سينتهي بها الأمر دائما إلي جانب الولايات المتحدة‏,‏ وإذا كنتم تبحثون عمن يقف في وجه السياسة الأمريكية فعليكم البحث عنه في جهة أخري غير كندا‏!!‏
لكن الحقيقة أنه رغم موقف الصحافة فإن جان كريتيان يتحرك من موقع قوة فهو قد فاز بثقة مواطنيه في ثلاثة انتخابات متتالية وهو يمثل في رأي الكثير من الكنديين الذين قابلتهم الموقف الوطني الصائب والمعبر الحقيقي عما يشعر به الناس‏,‏ وفي ذلك يقول جون دافي المفكر الاستراتيجي في كتاب جديد له بعنوان معارك حياتنا‏..‏ الانتخابات والزعامة وتكوين الدولة الكندية إن الزعماء الحقيقيين في تاريخ كندا هم هؤلاء الذين استطاعوا أن يعبروا عن الموقف القومي دون أن يضحوا بالمصلحة الإقليمية‏,‏ وهو يضع في هذه المصاف بعض أهم رؤساء الوزراء الكنديين ابتداء من ويلفريد لورييه عام‏1896‏ إلي بيير ترودو عام‏1980,‏ وتكاد كلمات هذا المفكر السياسي الكبير تصف جان كريتيان في الوقت الحالي‏,‏ وقد أبدي كريتيان آراء مماثلة لما قاله في قناة‏C.B.S‏ الأمريكية في خطاب ألقاه في بداية هذا العام بمعهد الشرق ـ الغرب حيث تحدث عن الفقر والإحساس بالظلم اللذين يؤديان في كثير من الأحيان إلي اللجوء إلي العنف والإرهاب‏,‏ وقد منح المعهد جان كريتيان لقب رجل العام بسبب المساعدات التي قدمتها حكومته لدول أوروبا الشرقية‏,‏ ولم يكن هذا التقدير إلا تعبيرا عن المكانة التي يحتلها جان كريتيان في الوقت الحالي لدي الرأي العام الكندي‏.‏

وفي أثناء إحدي الندوات التي شاركت فيها في المهرجان كان الحديث عن حوار الحضارات‏,‏ وقد تطرق حديثي للموقف الأمريكي الحالي وقارنته بالموقف الكندي الذي قلت إنني وجدت أن رئيس الوزراء يعبر عنه خير تعبير وإن كانت الصحف تشن عليه بسببه هجوما عنيفا لا أفهمه‏,‏ وقد عجبت أن جاءتني سيدة مسنة بعد أن نزلت عن المنصة لتعبر لي عن امتنانها لما قلت في حق رئيس الوزراء‏,‏ وجاءني رجل آخر يؤكد لي أن ما يتحكم في اتجاهات الصحافة هو اللوبي اليهودي الذي لا ينبغي الاستهانة به رغم أن قوته لا ترقي لمستوي مثيله في الولايات المتحدة‏.‏
ان ما يحدث في كندا انما يفتح لنا أبوابا جديدة للتواصل مع الرأي العام في العالم‏,‏ والذي يتطابق في كثير من مواقفه مع موقفنا دون أي مجهود من جانبنا‏..‏ فهذا الرأي العام في الغرب هو الذي يأتي بالحكومات إلي الحكم أو يسقطها كما يحدث في كل انتخابات وهو الذي يدعم الحرب أو ينهيها كما حدث في حرب فيتنام‏..‏ فهل يصح أن نتركه أسيرا للنفوذ الصهيوني وحده؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية