بـريــد الأهــرام

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

بهجة العذاب والمعاناه‏!‏

علي الرغم من نيف وأربعين عاما قضيتها في ساحات العلوم التربوية والنفسية درسا وتدريسا وكتابه‏,‏ فإنها لاتعدل دلالات تلك المواقف التي تجمع بيني وبين حفيد من أحفادي في شأن من شئون التربية‏..‏
فحسن رقيق الجسم‏,‏ رقيق الطبع‏,‏ في الصف الأول من المدرسة الابتدائية‏,‏ بعد أن أمضي عامين في فترة رياض الأطفال‏.‏ أسرعت أمه في آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة توقظه في السادسة صباحا‏,‏ حتي إذا تنبه‏,‏ إذا بها تفاجأ بموجة من بكاء وصراخ منه أفزعتها فظنت علي الفور أن ألما شديدا قد هاجمه‏,‏ فصاحب به فزعة‏:‏ مالك ياحبيبي؟ فيه أيه؟

فإذا بهذا الطفل رقيق الجسم‏,‏ رقيق الطبع‏,‏ يستصرخها باكيا بصوت عال‏:‏ والنبي ياماما‏,‏ مش عاوز أروح المدرسة‏..‏ يارب يخليك ويخلي بابا‏..‏ أنا باكره المدرسة‏!!‏
ووددت ساعتها أن يسمع عالم النفس الكبير د‏.‏ سيد عثمان هذا ليراجع ماكتبه في كتيب طريف بعنوان‏(‏ بهجة التعلم‏)!!‏

لاأريد أن أسترسل متابعا ماحدث‏,‏ لكن ماعرفته أنه ـ مثل آلاف غيره بطبيعة الحال ـ يخرج قبل شروق الشمس‏,‏ ويظل بالمدرسة حتي الثالثة والنصف بعد العصر‏,‏ ويصل إلي المنزل عندما تقترب الساعة من الخامسة‏,‏ ومطلوب منه أن يستريح مالايقل عن الساعة‏,‏ ومطلوب منه أن يؤدي واجبات متعددة تحتاج إلي مايقرب من ثلاث ساعات‏,‏ وهو في حاجة بطبيعة الحال أن يروح عن نفسه بعض الوقت ويجلس مع أبويه‏,‏ ومطلوب منه يتناول وجبة العشاء‏,‏ لكن ضرورة أن يستيقظ في السادسة صباحا كحد أقصي‏,‏ وإستمرار العمل مايزيد علي إثنتي عشرة ساعة علي الأقل‏,‏ يدفعانه دفعا إلي أن يسقط في الثامنة مساء في غيابات النوم منهكا مكدودا‏,‏ لاحول له ولاقوة‏,‏ وماكان بكاؤه وصراخه إلا لأنه وجد أن طفولته قد سرقت منه‏,‏ وأن بسمته قد تم تجميدها حتي إشعار آخر‏!‏
لابأس أبدا من أن يطول اليوم المدرسي‏,‏ فهذه نعمة تربوية‏,‏ لكن منطق طول اليوم المدرسي له شروطه وتوابعه التي إن لم تراع تهاوي هذا المنطق‏,‏ وأصبح نقمة نفسية وتربوية وعائلية‏.‏

إن المشكلة أن معلم كل مقرر لايضع في اعتباره أن الواجبات التي يكلف التلميذ بها هناك معلمون آخرون يطالبونه بمثلها‏,‏ ليجد التلميذ نفسه أمام تل يومي من الواجبات‏,‏ وهو لم يزل بعد في سن السادسة أو السابعة‏,‏ وفي أولي خطوات التعليم‏,‏ لتنطبع لديه انطباعات سيئة عن التعليم‏,‏ ويتحول المنزل إلي مدرسة ممتدة مسائية‏!‏
إن من ا لممكن أن يقوم معلم كل مادة ـ في مدرسة لغات مثل هذه التي نشير إليها ـ بتكليف التلاميذ بأن يحلوا الواجب المدرسي في الحصة نفسها‏,‏ حتي ولو تطلب الأمر أن يزيد الوقت بعض الشئ‏,‏ بحيث يعود التلميذ إلي منزله فارغ البال من الواجبات المدرسية فيجد من الوقت مايمكنه من أن يستمتع فيه بطفولته‏,‏ وتعود البسمة إلي شفتيه‏,‏ ولانستعجل تحميله بأكداس الهموم‏,‏ فالعمر أمامه ـ بإذن الله ـ طويل‏,‏ وبه مالايكاد يحصي من الهموم والمتاعب‏!‏
د‏.‏ سعيد إسماعيل علي
أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية