|
|
علي الرغم من نيف وأربعين عاما قضيتها في ساحات العلوم التربوية والنفسية درسا وتدريسا وكتابه, فإنها لاتعدل دلالات تلك المواقف التي تجمع بيني وبين حفيد من أحفادي في شأن من شئون التربية.. فحسن رقيق الجسم, رقيق الطبع, في الصف الأول من المدرسة الابتدائية, بعد أن أمضي عامين في فترة رياض الأطفال. أسرعت أمه في آخر أيام الأسبوع الأول من الدراسة توقظه في السادسة صباحا, حتي إذا تنبه, إذا بها تفاجأ بموجة من بكاء وصراخ منه أفزعتها فظنت علي الفور أن ألما شديدا قد هاجمه, فصاحب به فزعة: مالك ياحبيبي؟ فيه أيه؟
فإذا بهذا الطفل رقيق الجسم, رقيق الطبع, يستصرخها باكيا بصوت عال: والنبي ياماما, مش عاوز أروح المدرسة.. يارب يخليك ويخلي بابا.. أنا باكره المدرسة!! ووددت ساعتها أن يسمع عالم النفس الكبير د. سيد عثمان هذا ليراجع ماكتبه في كتيب طريف بعنوان( بهجة التعلم)!!
لاأريد أن أسترسل متابعا ماحدث, لكن ماعرفته أنه ـ مثل آلاف غيره بطبيعة الحال ـ يخرج قبل شروق الشمس, ويظل بالمدرسة حتي الثالثة والنصف بعد العصر, ويصل إلي المنزل عندما تقترب الساعة من الخامسة, ومطلوب منه أن يستريح مالايقل عن الساعة, ومطلوب منه أن يؤدي واجبات متعددة تحتاج إلي مايقرب من ثلاث ساعات, وهو في حاجة بطبيعة الحال أن يروح عن نفسه بعض الوقت ويجلس مع أبويه, ومطلوب منه يتناول وجبة العشاء, لكن ضرورة أن يستيقظ في السادسة صباحا كحد أقصي, وإستمرار العمل مايزيد علي إثنتي عشرة ساعة علي الأقل, يدفعانه دفعا إلي أن يسقط في الثامنة مساء في غيابات النوم منهكا مكدودا, لاحول له ولاقوة, وماكان بكاؤه وصراخه إلا لأنه وجد أن طفولته قد سرقت منه, وأن بسمته قد تم تجميدها حتي إشعار آخر! لابأس أبدا من أن يطول اليوم المدرسي, فهذه نعمة تربوية, لكن منطق طول اليوم المدرسي له شروطه وتوابعه التي إن لم تراع تهاوي هذا المنطق, وأصبح نقمة نفسية وتربوية وعائلية.
إن المشكلة أن معلم كل مقرر لايضع في اعتباره أن الواجبات التي يكلف التلميذ بها هناك معلمون آخرون يطالبونه بمثلها, ليجد التلميذ نفسه أمام تل يومي من الواجبات, وهو لم يزل بعد في سن السادسة أو السابعة, وفي أولي خطوات التعليم, لتنطبع لديه انطباعات سيئة عن التعليم, ويتحول المنزل إلي مدرسة ممتدة مسائية! إن من ا لممكن أن يقوم معلم كل مادة ـ في مدرسة لغات مثل هذه التي نشير إليها ـ بتكليف التلاميذ بأن يحلوا الواجب المدرسي في الحصة نفسها, حتي ولو تطلب الأمر أن يزيد الوقت بعض الشئ, بحيث يعود التلميذ إلي منزله فارغ البال من الواجبات المدرسية فيجد من الوقت مايمكنه من أن يستمتع فيه بطفولته, وتعود البسمة إلي شفتيه, ولانستعجل تحميله بأكداس الهموم, فالعمر أمامه ـ بإذن الله ـ طويل, وبه مالايكاد يحصي من الهموم والمتاعب!
د. سعيد إسماعيل علي أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس |
|
|
|
|
|