قضايا و اراء

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

قضايا معاصرة
ماذا نريد من الثقافة؟‏!‏
بقلم : سامح كريم

ماهو المطلوب من الثقافة في المرحلة القادمة؟ ما الذي نريده ــ في السنوات القادمة ــ من وزارة الثقافة بوصفها ممثلة للدولة في الجانب الثقافي؟
صحيح أن الثقافة من عمل المثقفين‏,‏ وليس من عمل الموظفين أو المسئولين‏,‏ هي في الأصل من محصلة قوائح هؤلاء المثقفين وأفكارهم‏,‏ أعمالهم وموافقهم‏,‏ وأن السياسة الثقافية ليست إلا محاولة من الدولة لصنع ثقافة حكومية قادرة علي تشجيع ازدهار القيم والمبادئ‏,‏ التطلعات والطموحات‏,‏ الأفكار والآراء‏..‏ وغيرذلك من الجوانب النافعة‏,‏ انطلاقا من مطلب إنعاش الحياة الثقافية في كل أمة من الأمم‏,‏ وأن هذا المطلب أصبح جزءا لايتجزأ من مسئوليات الدولةالحديثة‏,‏ بعد أن أصبحت المشاركة الأهلية ــ الممثلة في جهود المقتدرين والموسرين من الأفراد لرعاية الثقاقة ــ عملامتواضعا أو محدودا لايغطي حاجة الجموع المتزايدة والمتعطشة إلي طلب المزيد من الثقافة‏,‏ في عالم جديد أصبح كالقرية الواحدة‏..‏ ولذلك كان من مسئوليات الدولة وواجباتها أن تجعل الثقافة حقا معلوما للجميع‏,‏ أو كما يقولون منهلا ينهل منه كل فرد‏.‏

صحيح كل ذلك جملة وتفصيلا‏,‏ ومن هنا يصبح السؤال المطروح في بداية كل من مراحل تطور الأمم والشعوب هو‏:‏ ماهو المطلوب من الثقافة في السنوت القادمة؟
لكن الإجابة عن هذا السؤال في سطور تكليف بما لايطاق‏,‏ حسبنا أن نشير من بعيد إلي العموميات دون الخصوصيات‏,‏ السياسات العامة دون التوقف عند التفصيلات‏,‏ ذلك لأن التوقف عند تفصيلات الثقافة وخصوصياتها يغطي صفحات كثيرة لما لهذا المجال من الأهمية في بناء الأمم والشعوب‏.‏

نريد أن تكون الثقافة في المرحلة القادمة‏,‏ سندا فاعلا لمشروعنا السياسي الذي أقمناه في السنوات الماضية علي أرضية غرسنا فيها قيم الحرية والتنوير‏,‏ التفتح والوعي‏,‏ السلام والتسامح‏..‏ ذلك لأن الثقافة هي القادرة وحدها علي إثبات هذه القيم جميعا‏,‏ وتحويلها إلي سلوك يومي‏,‏ ومضامين إبداعية وعلاقات بين الناس‏,‏ وهي التي تجعل منها واقعا حيا وملموسا يقوم عليه البناء الحضاري للأمة‏,‏ ورابطة يقويها الوفاق والاتفاق‏,‏ ويثريها التنوع والاختلاف‏.‏
ان تكون الثقافة سندا متينا لمسارات التنمية‏,‏ وأداة فاعلة في تكريس القيم الوطنية‏,‏ وإذكاء تطلعات الأفراد نحو الأفضل‏..‏ ولن يكون ذلك إلا باقتناعنا بأن التغيير رالذي نطلبه يكون أكثر قدرة إذا استند علي ثقافة قوية واعية تعرف ما لها من حقوق‏,‏ وما عليها من واجبات‏.‏

أن تولي النشاط الثقافي الأهمية التي يستحقها داخل المؤسسات الاقتصادية‏,‏ لما لهذا النشاط من دور في توطيد علاقة العاملين في هذه المؤسسات بمحيطهم‏,‏ وإثراء ملكاتهم الفردية‏,‏ وتطوير طاقاتهم الإبداعية‏,‏ مما يسهم في رفع كفاءتهم‏,‏ ويحفزهم علي الانتاج الأفضل‏.‏
ان تعتبر الثقافة عامل تنمية وإنتاج ليس فقط في مستوي تحسين‏ نوعية الكفاءات البشرية المنتجة‏,‏ بل أيضا التفعيل الحضور الاقتصادي في المحيط الدولي‏,‏ ذلك لأن الإشعاع الثقافي لمجتمع ما‏,‏ يقرب الاهتمام به‏,‏ والإقبال علي سلعه ومنتجاته‏,‏ ويؤثر في خيارات الأفراد والمؤسسات عند إقدامهم علي إقامة علاقات اقتصادية معه‏,‏ يضاف إلي كل ذلك أن الثقافة أصبحت في العديد من قطاعاتها وأبعادها‏,‏ صناعة وسلعة تزداد وزنا يوما بعد يوم مع التحولات التكنولوجية التي يشهدها زماننا‏.‏

وانطلاقا من هذا الواقع الذي نعيشه يجب أن يكون البعد الثقافي شأن الجميع‏,‏ فعادات المأكل والملبس‏,‏ وظواهر النماذج الاستهلاكية‏,‏ وتغير الأذواق‏..‏ ما هي إلا إفرازات لنماذج ثقافية تحدد السلوك الاقتصادي‏,‏ كما تحدد خيارات الإنتاج والتسويق والاستهلاك‏,‏ ولا يمكن السيطرة عليها ألا بثقافة واعية حية مشعة‏,‏وهو ما يستدعي الاقتناع بأن الثقافة تسند نشاطاتهم الاقتصادية‏,‏ وتفتح لهم الأسواق‏,‏ وأن دعمها واستثمارها‏,‏ ليس من باب الكماليات‏,‏ بل هو اختيار استراتيجي مهم له مردوده وعائده في المستقبل‏.‏
أن تهتم بتنشيط البرامج الثقافية في المراحل التعليمية المختلفة‏,‏ واعتبار ذلك رافدا من روافد العملية التربوية والتعليمية‏,‏ تمكينا لطلاب هذه المراحل من معرفة ربوع الوطن ومعالمه‏,‏ والاطلاع علي انجازاته ومشاريعه‏,‏ فضلا عما ينتجه لهم هذا النشاط الثقافي من محاولات للإبداع واكتشاف الذات‏,‏ وتطوير الصلة بالآخر‏.‏

أن تقنع ـ أي الثقافة ـ باعتبارها حركة لا تتوقف‏,‏ وتوقا مستمرا إلي الأفضل وبحثا دءوبا عن الكمال‏,‏ وأن تقنع بأنها جسر إلي المستقبل لابد أن يكون متين البناء بحيث لا تجرفه تيارات العولمة التي تذيب الهوية‏,‏ أو الوقوع في مصيدة النظام العالمي الجديد بما يتضمنه من جوانب لا تتفق مع قيمنا وأصالتنا‏.‏
أن تتخذ العديد من الإجراءات التي تعطي دفعات قوية لصيانة تراثنا وتوظيفه واستغلاله‏,‏ مما يمكن هذا التراث من الاندماج في الحياة اليومية للمواطن‏,‏ والأهم إيجاد روابط عضوية بينه وبين موروثنا الحضاري‏,‏ إيمانا بأن التمسك الواعي بالجذور يمهد الطريق لإثراء الحاضر‏,‏ والتأسيس للمستقبل‏..‏ إذ ليس هناك حاضر مستقر‏,‏ أو مستقبل زاهر‏,‏ ما لم يعتمد علي ماض مجيد‏.‏

أن تهتم بدور الجمعيات والاتحادات الثقافية في تعميق الإدراك بقيم المجتمع ومبادئ التغيير فيه‏,‏ ومقتضيات تطوره‏,‏ ودعم هذه الجمعيات والاتحادات بإيجاد صيغ مرنة وفاعلة للتعامل في إطار عقود أوبرامج‏,‏ إلي جانب المنح السنوية والمساعدات المالية والعينية
أن تعمل علي دعم قدراتنا علي الاسهام في التغييرات العالمية‏,‏ وذلك بالاعتماد علي قاعدة علمية تكنولوجية تضمن لنا وسائل نشر إنتاجنا الثقافي وتعزيز وجوده‏,‏ فليس أشد خطرا من الانطواء علي الذات‏,‏ أو امتداح الماضي‏,‏ أو الاكتفاء بالإشارة إلي المستجدات دون الإقدام علي تدبر الوسائل الكفيلة بالمواكبة الواعية للتغيرات العالمية التي تجري حولنا‏.‏

أن تهتم بوسائل الاتصال الحديثة‏,‏ وما يصاحبها من شبكات مكثفة في تداول المعلومات والبرامج‏,‏ وفي الإنتاج الفكري والفني والعلمي‏,‏ وفي تقديم خدمات متعددة الاختصاصات‏..‏ إلي آخر هذه الجوانب التي تمكن من وجود قاعدة اساسية للتواصل بين الثقافات‏,‏ مما يدفعنا إلي التخلي عن القدرة علي المنافسة‏,‏ تكنولوجيا وبشريا علي الصعيدين الكيفي والكمي‏.‏
أن تعمل علي التعريف بثقافتنا ورصيدنا الحضاري خارج حدود الوطن بما يتضمنه هذا الرصيد من خصوصية معينة أسهمت في الحضارة الانسانية‏,‏ وبما يعبر عنه من قيم التسامح والاستنارة في شخصيتنا الثقافية علي امتداد حقب التاريخ المختلفة‏,‏ حتي غدت هذه الخصوصية ميزة اساسية من ميزاتنا‏..‏

وأخيرا أن تؤمن وأن نؤمن معها‏,‏ إيمانا راسخا بأنه لا مستقبل للشعوب التي لا تبدع وتبتكر‏,‏ ولا بقاء للثقافات التي لا تضيف ولاتثمر‏,‏ وأنه بالثقافة وحدها تنحت المجتمعات صورتها‏,‏ وترسخ وجودها في التاريخ الإنساني‏.‏
كذلك أن تعلم ونعلم معها بأن للثقافة وظيفة أساسية هي صياغة علاقة الإنسان بالمحيط المادي من حوله‏,‏ وأنها علي هذا النحو تعتبر من العوامل الجوهرية لاندماج المجتمعات في المنظومة العالمية بمختلف مقوماتها وظروفها‏.‏

نريد ذلك وغيره من الثقافة‏...‏ خاصة أننا نعيش اليوم علي إيقاعات عصر لم تعد الأمم فيه تتنافس بوزنها الديمجرافي‏,‏ أو حجمها الجغرافي‏,‏ او وفرة ثرواتها الطبيعية‏,‏ بل بابتكارات أبنائها واختراعاتهم وابداعاتهم‏,‏ وقيمة ما ينتجون‏,‏ وهي عناصر تتوافر باكتساب العلوم والمعارف‏.‏
أقول نريد ذلك من الثقافة في المرحلة القادمة من مسيرتنا الوطنية المملوءة بالتحديات‏,‏ وعلينا جميعا أن نعمل ونجتهد لتجاوز هذه التحديات في جميع الميادين وفي مقدمتها ميدان الثقافة‏,‏ وليس ذلك بعزيز علي أمة أنجبت المفكرين والمبدعين منذ آلاف السنين‏,‏ وأسهمت طوال تاريخها في الحضارة الإنسانية‏,‏ وكان لها دورها البارز بين الأمم في العالم القديم والعالم الحديث حيث أنجبت من بين أبنائها من نال اكبر التقديرات العالمية في الأدب والعلم متخطين بذلك كل أدباء وعلماء العالم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية