قضايا و اراء

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

نافذة فكر
مشهد شاروني من مسرح العبث السياسي
بقلم : محمود شكري

تصورت أنه قد طلب مني أن أكتب مشهدا بطله ارييل شارون ومستشاره السياسي دوري جولد المستشار السياسي السابق لنيتانياهو ثم لشارون وصقر الصقور الليكوديين ـ وهما يجلسان في حديقة منزل ارييل شارون الريفي‏,‏ وأمامهما قنينة من العرق ومقبلات من كل صنف‏.‏ وتصورت أن توقيت المشهد قد جاء في أعقاب امتناع الولايات المتحدة عن التصويت علي قرار مجلس الأمن رقم‏1435‏ الصادر في‏2002/9/24‏ الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب إلي مواقعها السابقة قبل سبتمبر‏2000,‏ وفك الحصار عن الرئيس ياسر عرفات‏,‏ فماذا يقولان؟
شارون‏:‏ هل اتصلتم يادوري بالسفير ايهودا لانسري في نيويورك لمعرفة الموقف الراهن في الأمم المتحدة؟ والاستفسار منه عن خلفية تحول الموقف الأمريكي‏..‏ فقد كانت المعلومات المبلغة إلينا من الوفد الأمريكي بنيويورك قبل التصويت علي القرار‏,‏ أن الولايات المتحدة ستعترض علي القرار‏,‏ ما لم يتضمن إدانة صريحة وبالاسم للفصائل الفلسطينية الثلاثة التي شاركت في عمليات التفجير ضد الاسرائيليين المدنيين‏.‏

جولد‏:‏ نعم‏,‏ ولقد طلبت من وزارة الخارجية موافاتي بالتقرير فور وصوله‏,‏ الا أن الصورة واضحة ياسيادة الرئيس‏,‏ فالولايات المتحدة تشعر بأن أبجديات الموقف الراهن لاتسمح لها إلا باتخاذ موقف يتسم بالمرونة تجاه هذا القرار‏,‏ فرفضه سوف يفتح عليها نوافذ جهنم العربية‏,‏ بل والأوروبية‏,‏ التي سترفع من حدة نبرة الاعتراض علي ازدواجية المواقف الأمريكية تجاه العرب وتجاهنا‏,‏ الأمر الذي سيضر بموقفها من قضية العراق‏.‏ فهي تمهد الأرض حاليا لضربتها المتوقعة ضد العراق‏,‏ والتي أري أنها تسير بخطي وثيقة لتحقيقها‏,‏ ويتمثل ذلك في سعي بوش للحصول علي التفويض من الكونجرس والميزانية اللاز مة لقيامه بهذه الضربة العسكرية‏,‏ التي يسمونها إجهاضية وهدفها عدم تمكين العراق من الاحتفاظ بأسلحة الدمار الشامل التي في حوزته‏,‏ والحيلولة دون امتلاكه للأسلحة النووية في غضون سنتين ـ وهي معلومات أطلقها توني بلير وأرجعها لمصادر مخابراتية بريطانية‏!!‏ وكذلك مانسبته الإدارة الأمريكية للعراق بأنه يساعد تنظيم القاعدة‏.‏ وقناعتي ياسيادة الرئيس أن التحرك والتنسيق الأمريكي البريطاني يوضح أن الضربة ضد العراق آتية لاريب فيها‏,‏ وأن الأرضية تمهد الآن لتحديد الموعد‏.‏ وعموما فقد استفدنا من الوضع الراهن‏,‏ وحققنا ما أردناه‏,‏ فأنزلنا عقابا رادعا علي الفلسطينيين‏.‏ وتقديري‏,‏ ياسيادة الرئيس‏,‏ أن علينا الآن تجنب تصعيد الموقف ـ حتي ولو إعلاميا ـ ضد الأمريكيين‏,‏ حتي لا نحرج موقف الرئيس بوش والإدارة الأمريكية‏..‏ إلا أن علينا أن نحرك أصدقاءنا في الايباك‏(‏ اللوبي الصهيوني‏)‏ للتأكد من أن الولايات المتحدمة لن تسمح بإيفاد الأمم المتحدة لقوات تفصل بيننا وبين الفلسطينيين‏.‏ وعموما فإن هذا القرار قد حمل في داخله وسيلة إبطال مفعوله‏,‏ فإسرائيل سوف تربط انسحابها من مقر إقامة عرفات بالمقاطعة‏,‏ ومن الأراضي التي استرجعتها بعد سبتمبر‏2000,‏ بحتمية التزام الفلسطينيين بالشق الثاني من القرار وهو تقديم المسئولين عن التفجيرات للمحاكمة‏..‏ وكما تعلمون سيادتكم فإن الرئيس عرفات لايعرف من هم المتورطون في هذه العمليات التخريبية‏,‏ وحتي لو عرف من هم فإنه لن يمكنه أن يقدمهم للمحاكمة‏,‏ وعليه فإن القرار يعتبر من المنظور التطبيقي مجمدا إلا أن مايقلقني حقا ياسيادة الرئيس‏,‏ احتمال ازدياد التوتر في مرحلة الاحتفال بذكري الانتفاضة‏,‏ واحتمالات تصعيد الأعمال التخريبية من جانب الفلسطينيين‏.‏

شارون‏:‏ دعك من هذا القلق‏,‏ وتناول كوبا من العرق حتي تهدأ‏..‏ فأنا كعسكري متمرس أفكر بأسلوب يختلف عن تفكيرهم كسياسيين‏,‏ فالمعارك كر وفر ولاتخلو من خسائر بشرية‏,‏ والمهم أن تعد العدة لاتقاء الأذي بقدر الإمكان‏,‏ وفي نفس الوقت أن ترتب نفسك للاستفادة من الأذي الذي يقع عليك‏,‏ لتعديل الموقف لصالحك‏.‏
اضافة إلي ماتقدم فأن القضاء علي رءوس الارهاب في الضفة الغربية وغزة سوف يساعد كثيرا في تحجيم هذه العمليات‏,‏ خاصة اذا ماوسعنا رقعة الردع الجسيم‏,‏ بحيث تطال أهل المخربين وجيرانهم وأصدقاءهم‏,‏ الأمر الذي سيؤدي لتقليص حجم العمليات من ناحية‏,‏ ويجعل من يقومون بالعمليات ضدنا مخربين غير محنكين‏,‏ مما يساعد علي تقليص حجم الخسائر مثلما حدث في انفجاري أم الفحم وتل أبيب الذي أسفر الأول عن مقتل شهيد يهودي واحد وفي تل أبيب عن سبعة قتلي‏..‏ وللحق فإنني لن انزعج كثيرا لو قام الفلسطينيون بعمل انتحاري جديد بمناسبة الانتفاضة‏,‏ بل إني أتوقعه وأري أن توقيته سيكون مفيدا‏,‏ فسوف يقوي هذا العمل التخريبي الجديد من موقفنا ومن موقف الولايات المتحدة‏,‏ وسوف يمكننا من تطوير أسلوبنا في الردع ليتحول لنمط الردع المبرح بدلا من الردع الجسيم ـ ضد هؤلاء المخربين‏.‏

جولد‏:‏ هل يسمح لي سيادة الرئيس ببعض من الكافيار الروسي الفاخر الذي أمامكم ؟ وتململ شارون وهو يعطيه طبق الكافيار‏...‏ واستطرد جولد‏,‏ وبالمناسبة فإن مايقلقني ليس موقف الفلسطينيين بقدر مايزعجني موقف المزايدين في الداخل علي اعتقالكم لعرفات‏..‏ فها هو يوسي ساريد‏,‏ يردد ـ ويشايعه الكثير من المعارضين ـ أن موقفك من عرفات هو موقف مسرحي أكثر منه موقفا سياسيا‏..‏ ويراهن ساريد بأنك أو من يدافع عن ياسر عرفات وشيمون بيريز باعتبارهما من ركائز حكمك في المرحلة الراهنة‏,‏ وأن اعتقالك لعرفات هدفه زيادة شعبيتك في الداخل‏,‏ وتطوير موقفك في الخارج‏.‏
شارون‏:‏ عزيزي دوري‏..‏ أولا أنصحك بالا تزيد من أكل الكافيار حيث إنه يرفع الكوليسترول في الدم وقد يعرضك لجلطة في القلب‏..‏ أما عن ورقة ياسر عرفات فأنا لم انف أنني أراها ورقة رابحة جدا‏,‏ ولا يمكنني فعلا أن أحرقها‏,‏ وأنني لو أردت أن أحرقها فالطريق كان ومازال أمامي ممهدا‏..‏ وعليه‏,‏ فأنا لا أنكر بأنني لا أفكر ولو للحظة أن أغتال عرفات‏..‏ بل إني أخشي عليه أن ينزلق في الحمام‏,‏ فياسر عرفات بالنسبة إلي ـ وعلي غير إرادته ورقة مساومة هامة‏..‏ ودعني أذكرك بعملية فرض الحصار عليه في مارس الماضي بعد انفجار ناتانيا‏,‏ فأنا لم أتجاوز الحد كما صوره البعض‏,‏ بل إنني كنت أحاول أن أقوي موقفنا التفاوضي عن طريق تسرب معلومات بأنني انتوي أن أتخلص من ياسر عرفات‏,‏ وكان تخطيطي الذي لاشك تعلمه كليكودي محترف ـ أن أحول أنظار ومطالب العرب من الضغط علي اسرائيل للموافقة علي خطة السلام السعودية التي طرحها الأمير عبد الله بذكاء كبير في لقائه مع توماس فريدمان‏,‏ ثم تحولت في بيروت إلي خطة سلام عربية ـ بعد أن نوقشت كخطة عمل بين السعودية وأمريكا وكما تعلم فلو أن هذه الخطة كانت قد وضعت علي مائدة المفاوضات آنذاك‏,‏ للحق بإسرائيل خسائر فادخة‏,‏
خاصة وأن مهندس المبادرة وهو الأمير عبد الله ولي عهد السعودية كان سيزور واشنطن في مرحلة لاحقة‏,‏ وسيجتمع مع بوش في منتجع كامب ديفيد ـ الذي قد خصص أمريكيا لصياغة الاتفاقيات العربية الإسرائيلية ـ وكان من المقدر أن مبادرة السلام العربية ستحصل علي دعم أمريكي مؤكد‏,‏ في مقابل حصول بوش علي الدعم العربي لموقف أمريكا من الإرهاب‏..‏ وهنا‏,‏ كان من المحتم استخدام ورقة اعتقال ياسر عرفات‏,‏ والايحاء بأن حياته معرضة للخطر‏,‏ لتحويل بوصلة المحادثات لتتمركز حول اخراج ياسر عرفات من الأسر‏..‏ وهو ما أسفرت عنه بالفعل زيارة الأمير عبد الله للولايات المتحدة‏..‏ ودعني أذكرك بأن الورقة التي أطلقناها والخاصة بضرورة اجراء اصلاحات سياسية في فلسطين‏,‏ هي مجرد شعار أطلقناه‏,‏ إلا أننا لانرحب بتحقيقه في هذه المرحلة‏,‏ فإصلاح الوضع السياسي سوف يقلل من أوراق الضغط التي نلعب بها الآن‏,‏ كما وأنه سيدخل الولايات المتحدة كطرف أصيل في دعم الداخل الفلسطيني سياسيا وأمنيا واقتصاديا‏..‏ وهو أمر بالغ الخطورة علينا في هذه المرحلة التي لم ننته فيها بعد من تحقيق أهدافنا في تحويل فلسطين إلي مجموعة من الكنتونات الضعيفة التي لن تمكنها مستقبلا من أن تصبح دولة مستقلة كاملة السيادة‏,‏ بل ستبقي دوما تابعة لإسرائيل‏..‏ علاوة علي ماتقدم فإنني أخشي دوما من القيادات الفلسطينية الجديدة‏.‏ اضافة إلي أن نجاحنا في جعل بقاء عرفات في السلطة نقطة ضعف في العلاقات الأمريكية ــ الفلسطينية‏,‏ سوف يزول بزوال عرفات من السلطة‏..‏ ولعلي لا أخفي عليك سرا ياعزيزي دوري أن أحد أهداف حصاري الحالي لعرفات هو إرجاء الإصلاحات السياسية الفلسطينية لأجل غير مسمي‏...‏ هل رأيت إذن مدي فائدة ورقة عرفات؟

أما عن موقف ساريد وبيريز‏,‏ فأنا أسعي مرحليا لتعميق الخلاف بينهما لأضعف ـ بل لأحيد ـ موقف حزب العمل من تحركنا ضد المخربين‏,‏ فأنا لا أحتمل في هذه المرحلة تصعيد مواقف حزبية داخلية قد تضطرني إلي أن أترك جانبا عملية تصفية المقاومة ـ آسف ـ بل الإرهاب الفلسطيني الاسلامي‏.‏
جولد‏:‏ سيدي الرئيس‏..‏ أشكرك علي نصيحتك بخصوص الكافيار‏,‏ إلا أنني أحتذي حذوك‏,‏ فأنا أعلم أنك تعاني من الضغط العالي‏,‏ ومن تصلب شرايين القلب‏,‏ ومع هذا فإنك تحرص علي تناول الكافيار الروسي الفاخر في كل مناسبة‏.‏ إلا أن مايشغل فكري هو جدوي مطالبتنا السلطة الفلسطينية بتسليمنا لكل من توفيق الطيراوي رئيس المخابرات العامة الفلسطينية‏,‏ ومحمود ضمرة قائد القوة‏17‏ المسئول عن الأمن الشخصي لعرفات‏,‏ وعشرين آخرين من القيادات الفلسطينية؟

شارون‏:‏ عزيزي دوري‏,‏ أنا وإن كنت أعلم سلفا مقصدك من هذا السؤال وهو أن تشغلني بالحديث عن تناول الكافيار لتتفرغ أنت لذلك‏,‏ فإنني سوف أرد عليك باقتضاب‏,‏ فإن هدفي من هذا المطلب هو تصعيب العملية علي عرفات وجماعته‏,‏ إلا أنني لا أهتم كثيرا بتسلمهم‏,‏ لأن وجودهما في حوزتنا لن يفيدنا كثيرا‏,‏ بل سيجعل منهم عبئا علينا‏,‏ وسيزيد من الضغوط السياسية التي تمارس علينا‏,‏ والاسهل لنا تصفيتهم جسديا اذا استشعرنا خطرا منهم علينا‏..‏ والآن ياعزيزي دوري أرجوك أن تناولني طبق الكافيار‏,‏ وأن توضح لي الآتي‏:‏
‏*‏ ماهي مقاصد الولايات المتحدة الحقيقية من عملية ضرب العراق؟ وهل تأكدت من أصدقائك في الولايات المتحدة‏,‏ أن الهدف من وراء ضرب العراق هو البدء في إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط؟ ومامدي صحة مانسبته جريدة يدعوت احرونوت لمصادر أمريكية مطلعة من أن الضربة المتوقعة للعراق هي مجرد عملية تكتيكية‏,‏ تتبعها ضربات استراتيجية أخري ؟ وماذا عما ينشر في الصحف الأمريكية حول مايسمونه لعبة الدومينو الشرق أوسطية؟ وهل توافقني الرأي في أن تسرب هذه المعلومات الآن يضر بموقفنا وبالموقف الأمريكي ؟ فقد لاحظنا أن رد الفعل العربي الرافض لموضوع ضرب العراق قد ازداد قوة وصلابة؟

‏*‏ وهل تتوقع أن تقوم العراق بضربة إجهاضية ضدنا‏,‏ إذا ما تأكدت أن الولايات المتحدة ستوشك علي أن تقوم بضربتها؟ وهل من مصلحتنا أن نقوم نحن بالضربة الإجهاضية قبل أن تبدأها العراق؟ وهل ستوافق الولايات المتحدة علي قيامنا بها؟ أم ستصر علي تنحيتنا عن القيام بأي دور كما فعلت في حرب الخليج الأولي وفي أفغانستان حتي لاتستفز الشعور العربي والإسلامي‏..‏ وضعا في الاعتبار أن التقويمات المبدئية للموقف‏,‏ تتفق علي أن الدول العربية لن تشارك في هذه الحرب بقوات أو بتمثيل عسكري عربي؟
جولد‏:‏ هل تأذن لي ياسيادة الرئيس أن أعد لسيادتكم الردود علي هذه الاستفسارات مكتوبة؟ إذ أن إجابتي علي هذه الاسئلة سوف تستغرق مني ساعات من الكلام‏,‏ مما سيحرمني من أن أحظي بشرف مجالستكم‏,‏ ومن متعة احتساء العرق‏,‏ والاستمتاع بالمقبلات ـ خاصة الكافيار الروسي الفاخر مع سيادتكم؟

ملحوظة‏:‏ يرجي مراعاة أنه يفترض أن الحديث يتم بين اسرائيليين‏,‏ ومن ثم فإن التعبيرات الواردة في الحوار هي من متلازماته‏.‏
وللحديث بقية

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية