قضايا و اراء

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

لماذا يتعثر النمو الاقتصادي العربي؟
بقلم : د‏.‏ لويس حبيقة
استادة بالجامعة الأمريكية ببيروت

حققت الدول العربية نموا سنويا قدره‏4%‏ خلال فترة‏1971‏ ـ‏1999‏ أي ما يقارب نسبة الزيادة السكانية‏,‏ وهذا يعني أن الناتج الفردي لم يتحرك في فترة مهمة تقدمت خلالها مجموعات جغرافية أخري منافسة‏,‏ ولم يكن النمو العربي متساويا خلال الفترة الطويلة‏,‏ إذ انحدرت نسبة النمو الحقيقي السنوية من‏7.3%‏ في فترة‏1971‏ ـ‏1979‏ إلي‏8%‏ في فترة‏1980‏ ـ‏1989‏ ثم ارتفعت إلي‏4.3%‏ في التسعينيات‏,‏ ففي السبعينات كانت المنطقة العربية الأكثر نموا في العالم‏,‏ إلا أن آسيا اخذت مكانها منذ الثمانينيات وحتي اليوم‏,‏ من الأسباب الرئيسية لهذا التراجع النسبي‏,‏ الدور الأساسي الذي لعبه النفط ولايزال في الاقتصاديات العربية والتي لم تنجح بعد في تنويع اقتصادياتها‏.‏
الأوضاع الاقتصادية العربية مرتبطة إلي حد بعيد بتقلبات أسعار النفط وبضعف الانتاجية في معظم القطاعات‏,‏ كما يعود تقدم آسيا إلي حسن انتقاء حكوماتها للسياسات الاقتصادية المناسبة وإلي انفتاح دولها بعضها علي بعض ضمن مجموعات اقتصادية نشيطة‏,‏ وفي مقدمتها الآسيان‏ASEAN‏ فبينما كان النمو السنوي الآسيوي يعادل‏5.3%‏ في السبعينيات‏,‏ تقدم إلي‏6.9%‏ في الثمانينيات وإلي‏7.1%‏ في التسعينيات ليحتل الصدارة دون منازع‏,‏ فما هي أسباب هذا التراجع العربي وما العمل لعودة النمو آخذين في الاعتبار مايحدث من تطورات منذ‏2001/9/11‏ ؟

أولا‏:‏ التضخم الذي ارتفع من معدل سنوي لأسعار الاستهلاك قدره‏12,1%‏ في السبعينيات إلي‏18.7%‏ في الثمانينيات وإلي‏12.1%‏ مجددا في التسعينيات‏,‏ ارتفاع نسبة التضخم في الثمانينات يعود إلي كثافة الانفاق علي الحاجات المعيشية والاجتماعية‏,‏ كما علي البنية التحتية‏.‏
ارتفاع نسبة التضخم يؤثر سلبا علي النمو الحقيقي الذي بقي ايجابيا ولكن ضعيفا‏,‏ في هذا الوقت نجحت آسيا في تخفيض تضخمها من‏10,8%‏ في السبعينيات إلي‏8,9%‏ في الثمانينيات وإلي‏8,1%‏ في التسعينيات بفضل سياسات انفاقية مدروسة‏.‏

ثانيا‏:‏ الاستثمارات العربية التي انخفضت نسبة إلي الناتج المحلي الاجمالي من‏28.3%‏ في السبعينيات إلي‏24.3%‏ في الثمانينيات و‏24.5%‏ في التسعينيات‏,‏ هذا في وقت زادت هذه النسبة في الدول الآسيوية من‏22%‏ إلي‏28.7%‏ وإلي‏31.25%‏ في الفترات نفسها‏,‏ طبعا الدول العربية انفقت كثيرا علي استهلاك السلع المنتجة محليا وخاصة المستوردة من الغرب‏,‏ بينما اهتمت الدول الآسيوية بتقوية ركائز اقتصادياتها مما أعطاها نتائج ايجابية ملموسة‏.‏
ثالثا‏:‏ انتاجية عوامل الانتاج‏TFP‏ والتي انحدرت من نسبة إيجابية سنوية قدرها‏2.3%‏ بين سنتي‏1960‏ و‏1973‏ إلي نمو سنوي سلبلي قدره‏2,2%‏ في فترة‏1973‏ ـ‏1984‏ وسلبي‏1.5‏ في فترة‏1984‏ ـ‏1994‏ هذا في وقت زادت انتاجية عوامل الانتاج في معظم دول العالم مما يفسر تأخرنا النسبي‏,‏ الحجم الاقتصادي للعالم العربي يعادل مابين‏2.5%‏ و‏3%‏ من الناتج المحلي الاجمالي العالمي‏,‏ واذا استمرت نسب الانتاجية في الانحدار‏,‏ فسيخف الثقل الاقتصادي العربي مما ينذر بأزمات اقتصادية واجتماعية مهمة‏,‏ أهمية الانتاجية هو تأثيرها علي النمو وبالتالي علي مستوي الرفاهة الاجتماعية العامة‏,‏ مايحرك الانتاجية ليس فقط الاستثمار في الحجر أي البنية التحتية‏,‏ وانما خاصة في البشر أي في التعليم الابتدائي أولا ثم الأعلي ثانيا دون أن ننسي الجوانب الأخري من صحة وسكن عناية اجتماعية بالفقراء وغيرها‏,‏ و‏,‏يتكون المجتمع العربي من نسبة عالية من الشباب والشابات‏,‏ وبالتالي الحاجة ماسة إلي تنفيذ السياسات القوية للانتاجية‏,‏ وزيادة الانتاجية تسمح بتوسيع أسواق العمل وتخفيف هجرة الادمغة‏.‏

عودة العالم العربي إلي نمو السبعينيات ليس مستحيلا‏,‏ بل نحن بحاجة ماسة إليه لتقليص الفوارق مع المجموعات الجغرافية الأخري‏,‏ يمكن للحكومات العربية الاستفادة من تقارير المؤسسات الدولية وآخرها تقرير التنمية الانسانية العربية للعام‏2002‏ والتي توضح طرق التقدم التي تبقي طبعا برسم المجتمعات المعنية‏,‏ العودة إلي النمو تعتمد علي معالجة المواضيع المذكورة سابقا أي محاربة التخضم‏,‏ زيادة الاستثمارات المتنوعة في القطاع النفطي وخارجه‏,‏ كما التركيز علي السياسات التي تقوي انتاجية مختلف عوامل الانتاج‏,‏ ولاننكر أن العالم العربي تأثر سلبا بحوادث‏2001/9/11‏ بالرغم من التعاون الكبير الذي تظهره المجتمعات العربية محليا وفي الخارج مع الحكومات الغربية‏,‏ وذلك بهدف كشف المسئولين عنها وتصحيح الصورة‏,‏ فلايمكن ان يتحمل أي مجتمع عواقب أعمال سيئة ربما قام بها بعض من أعضائه‏,‏ فهذا ظلم تجب معالجته بالحكمة والعمل والصبر‏,‏ فبالاضافة إلي مواضيع الحريات وبناء المؤسسات القوية القادرة واعتماد الشفافية في الممارسات الحكومية والخاصة والتحرير الاقتصادي لمختلف القطاعات‏,‏ فإن عودة نسب النمو الاقتصادي العربي إلي مستويات عالية يرتكز أيضا علي حصول مايلي‏:‏

أولا‏:‏ مواصلة الانفتاح الاقتصادي فيما بين الدول العربية وبين العالم العربي والعالم الخارجي‏,‏ فمن النتائج العفوية لحادثة السنة الماضية هو انغلاق المجتمعات بعضها علي بعض‏,‏ أو بعضها ضد بعض‏,‏ ولكن الوعي لخطورة الانغلاق علي الصعيدين السياسي والاقتصادي جعل معظم المسئولين يركزون علي معالجتها وعلي تقوية حظوظ الانفتاح‏,‏ وما التصريحات الأخيرة للمدير العام الجديد لمنظمة التجارة العالمية إلا لتؤكد مرة جديدة وعي العالم لأهمية الانفتاح ولجدوي التجارة الدولية‏.‏ وهكذا ستتابع المنظمة ما تقرر في الدوحة وتنطلق من جديد مع مديرها التايلاندي لتكمل جولة جديدة من المفاوضات بمشاركة الدول العربية والنامية عموما‏.‏
ثانيا‏:‏ زيادة كفاءة التجارة العربية بحيث يزداد انتقال الأشخاص والسلع والخدمات والأموال فيما بين الدول العربية‏,‏ ولاشك أن دول مجلس التعاون الخليجي متقدمة في هذا الإطار‏,‏ اذ قررت آخر السنة الماضية تحقيق وحدة اقتصادية ونقدية‏2010,‏ وذلك مرورا بوحدة جمركية السنة المقبلة‏,‏ ستكون هناك مؤسسات مشتركة ومبدئيا عملة واحدة مرتبطة بالدولار‏,‏ اذا أن السلعة الرئيسية أي النفط تتداول دوليا بالعملة الأمريكية‏,‏ طبعا العبرة في التنفيذ‏,‏ إلا أن كل الدلائل تشير إلي تقدم في الاتجاهات المقررة‏.‏

ثالثا‏:‏ الاستمرار في تطوير القطاعات المالية العربية وفي مقدمتها المصرفية‏,‏ فعمليات تبييض الأموال تتم عموما في الانظمة المالية البدائية أو غير الشرعية‏,‏ أي التي لاتخضع لقوانين شفافة وعصرية‏,‏ تطوير القطاع المالي العربي يسمح لأجهزة الرقابة الوطنية أولا ثم الدولية بمراقبة رءوس الأموال التي تتجول دوليا للتبييض أو التمويل الصفقات السياسة والاقتصادية المشبوهة‏,‏ ان انخراط الاقتصاد العربي أكثر في الدولي يعتمد علي السير بخطي أسرع في هذا الاتجاه كي تتدفق الأموال الخارجية للاستثمار في كل القطاعات‏.‏
رابعا‏:‏ ترشيد الانفاق يبقي موضوعا مهما جدا في منطقة مواردها المباشرة وغير المباشرة علي سلعة واحدة وهي النفط‏,‏ فتقلب أسعار النفط يؤثر علي ايرادات الدول‏,‏ وبالتالي علي الأوضاع الاقتصادية العامة فمن المنطق التفكير بوسائل مالية تواجه تقلبات أسعار النفط حماية للانفاق العام وللأوضاع الاجتماعية‏,‏ وقد نجحت النرويج مثلا في انشاء صندوق يمول من الايرادات النفطية وتستعمل فوائده عندما يكون هناك عجز في المالية العامة‏,‏ وهناك طبعا رقابة نرويجية صارمة علي مايدخل ويخرج منه تجنبا للفساد‏,‏ وهكذا فصلت النرويج الانفاق العام عن تقلبات أسعار النفط حماية لمواطنيها وللخدمات التي تقدمها الدولة‏,‏ ان انشاء هذه الصناديق مهم للدول العربية النفطية‏,‏ وذلك لاستمرارية تمويل الانفاق العام ولتجنب حدوث تقلبات اقتصادية حادة‏.‏

واخيرا فإن هناك دولا كفنزويلا تستثمر في الأدوات المالية المشتقة الحديثة بهدف تغطية تقلبات سعر النفط‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية