|
|
حققت الدول العربية نموا سنويا قدره4% خلال فترة1971 ـ1999 أي ما يقارب نسبة الزيادة السكانية, وهذا يعني أن الناتج الفردي لم يتحرك في فترة مهمة تقدمت خلالها مجموعات جغرافية أخري منافسة, ولم يكن النمو العربي متساويا خلال الفترة الطويلة, إذ انحدرت نسبة النمو الحقيقي السنوية من7.3% في فترة1971 ـ1979 إلي8% في فترة1980 ـ1989 ثم ارتفعت إلي4.3% في التسعينيات, ففي السبعينات كانت المنطقة العربية الأكثر نموا في العالم, إلا أن آسيا اخذت مكانها منذ الثمانينيات وحتي اليوم, من الأسباب الرئيسية لهذا التراجع النسبي, الدور الأساسي الذي لعبه النفط ولايزال في الاقتصاديات العربية والتي لم تنجح بعد في تنويع اقتصادياتها. الأوضاع الاقتصادية العربية مرتبطة إلي حد بعيد بتقلبات أسعار النفط وبضعف الانتاجية في معظم القطاعات, كما يعود تقدم آسيا إلي حسن انتقاء حكوماتها للسياسات الاقتصادية المناسبة وإلي انفتاح دولها بعضها علي بعض ضمن مجموعات اقتصادية نشيطة, وفي مقدمتها الآسيانASEAN فبينما كان النمو السنوي الآسيوي يعادل5.3% في السبعينيات, تقدم إلي6.9% في الثمانينيات وإلي7.1% في التسعينيات ليحتل الصدارة دون منازع, فما هي أسباب هذا التراجع العربي وما العمل لعودة النمو آخذين في الاعتبار مايحدث من تطورات منذ2001/9/11 ؟
أولا: التضخم الذي ارتفع من معدل سنوي لأسعار الاستهلاك قدره12,1% في السبعينيات إلي18.7% في الثمانينيات وإلي12.1% مجددا في التسعينيات, ارتفاع نسبة التضخم في الثمانينات يعود إلي كثافة الانفاق علي الحاجات المعيشية والاجتماعية, كما علي البنية التحتية. ارتفاع نسبة التضخم يؤثر سلبا علي النمو الحقيقي الذي بقي ايجابيا ولكن ضعيفا, في هذا الوقت نجحت آسيا في تخفيض تضخمها من10,8% في السبعينيات إلي8,9% في الثمانينيات وإلي8,1% في التسعينيات بفضل سياسات انفاقية مدروسة.
ثانيا: الاستثمارات العربية التي انخفضت نسبة إلي الناتج المحلي الاجمالي من28.3% في السبعينيات إلي24.3% في الثمانينيات و24.5% في التسعينيات, هذا في وقت زادت هذه النسبة في الدول الآسيوية من22% إلي28.7% وإلي31.25% في الفترات نفسها, طبعا الدول العربية انفقت كثيرا علي استهلاك السلع المنتجة محليا وخاصة المستوردة من الغرب, بينما اهتمت الدول الآسيوية بتقوية ركائز اقتصادياتها مما أعطاها نتائج ايجابية ملموسة. ثالثا: انتاجية عوامل الانتاجTFP والتي انحدرت من نسبة إيجابية سنوية قدرها2.3% بين سنتي1960 و1973 إلي نمو سنوي سلبلي قدره2,2% في فترة1973 ـ1984 وسلبي1.5 في فترة1984 ـ1994 هذا في وقت زادت انتاجية عوامل الانتاج في معظم دول العالم مما يفسر تأخرنا النسبي, الحجم الاقتصادي للعالم العربي يعادل مابين2.5% و3% من الناتج المحلي الاجمالي العالمي, واذا استمرت نسب الانتاجية في الانحدار, فسيخف الثقل الاقتصادي العربي مما ينذر بأزمات اقتصادية واجتماعية مهمة, أهمية الانتاجية هو تأثيرها علي النمو وبالتالي علي مستوي الرفاهة الاجتماعية العامة, مايحرك الانتاجية ليس فقط الاستثمار في الحجر أي البنية التحتية, وانما خاصة في البشر أي في التعليم الابتدائي أولا ثم الأعلي ثانيا دون أن ننسي الجوانب الأخري من صحة وسكن عناية اجتماعية بالفقراء وغيرها, و,يتكون المجتمع العربي من نسبة عالية من الشباب والشابات, وبالتالي الحاجة ماسة إلي تنفيذ السياسات القوية للانتاجية, وزيادة الانتاجية تسمح بتوسيع أسواق العمل وتخفيف هجرة الادمغة.
عودة العالم العربي إلي نمو السبعينيات ليس مستحيلا, بل نحن بحاجة ماسة إليه لتقليص الفوارق مع المجموعات الجغرافية الأخري, يمكن للحكومات العربية الاستفادة من تقارير المؤسسات الدولية وآخرها تقرير التنمية الانسانية العربية للعام2002 والتي توضح طرق التقدم التي تبقي طبعا برسم المجتمعات المعنية, العودة إلي النمو تعتمد علي معالجة المواضيع المذكورة سابقا أي محاربة التخضم, زيادة الاستثمارات المتنوعة في القطاع النفطي وخارجه, كما التركيز علي السياسات التي تقوي انتاجية مختلف عوامل الانتاج, ولاننكر أن العالم العربي تأثر سلبا بحوادث2001/9/11 بالرغم من التعاون الكبير الذي تظهره المجتمعات العربية محليا وفي الخارج مع الحكومات الغربية, وذلك بهدف كشف المسئولين عنها وتصحيح الصورة, فلايمكن ان يتحمل أي مجتمع عواقب أعمال سيئة ربما قام بها بعض من أعضائه, فهذا ظلم تجب معالجته بالحكمة والعمل والصبر, فبالاضافة إلي مواضيع الحريات وبناء المؤسسات القوية القادرة واعتماد الشفافية في الممارسات الحكومية والخاصة والتحرير الاقتصادي لمختلف القطاعات, فإن عودة نسب النمو الاقتصادي العربي إلي مستويات عالية يرتكز أيضا علي حصول مايلي:
أولا: مواصلة الانفتاح الاقتصادي فيما بين الدول العربية وبين العالم العربي والعالم الخارجي, فمن النتائج العفوية لحادثة السنة الماضية هو انغلاق المجتمعات بعضها علي بعض, أو بعضها ضد بعض, ولكن الوعي لخطورة الانغلاق علي الصعيدين السياسي والاقتصادي جعل معظم المسئولين يركزون علي معالجتها وعلي تقوية حظوظ الانفتاح, وما التصريحات الأخيرة للمدير العام الجديد لمنظمة التجارة العالمية إلا لتؤكد مرة جديدة وعي العالم لأهمية الانفتاح ولجدوي التجارة الدولية. وهكذا ستتابع المنظمة ما تقرر في الدوحة وتنطلق من جديد مع مديرها التايلاندي لتكمل جولة جديدة من المفاوضات بمشاركة الدول العربية والنامية عموما. ثانيا: زيادة كفاءة التجارة العربية بحيث يزداد انتقال الأشخاص والسلع والخدمات والأموال فيما بين الدول العربية, ولاشك أن دول مجلس التعاون الخليجي متقدمة في هذا الإطار, اذ قررت آخر السنة الماضية تحقيق وحدة اقتصادية ونقدية2010, وذلك مرورا بوحدة جمركية السنة المقبلة, ستكون هناك مؤسسات مشتركة ومبدئيا عملة واحدة مرتبطة بالدولار, اذا أن السلعة الرئيسية أي النفط تتداول دوليا بالعملة الأمريكية, طبعا العبرة في التنفيذ, إلا أن كل الدلائل تشير إلي تقدم في الاتجاهات المقررة.
ثالثا: الاستمرار في تطوير القطاعات المالية العربية وفي مقدمتها المصرفية, فعمليات تبييض الأموال تتم عموما في الانظمة المالية البدائية أو غير الشرعية, أي التي لاتخضع لقوانين شفافة وعصرية, تطوير القطاع المالي العربي يسمح لأجهزة الرقابة الوطنية أولا ثم الدولية بمراقبة رءوس الأموال التي تتجول دوليا للتبييض أو التمويل الصفقات السياسة والاقتصادية المشبوهة, ان انخراط الاقتصاد العربي أكثر في الدولي يعتمد علي السير بخطي أسرع في هذا الاتجاه كي تتدفق الأموال الخارجية للاستثمار في كل القطاعات. رابعا: ترشيد الانفاق يبقي موضوعا مهما جدا في منطقة مواردها المباشرة وغير المباشرة علي سلعة واحدة وهي النفط, فتقلب أسعار النفط يؤثر علي ايرادات الدول, وبالتالي علي الأوضاع الاقتصادية العامة فمن المنطق التفكير بوسائل مالية تواجه تقلبات أسعار النفط حماية للانفاق العام وللأوضاع الاجتماعية, وقد نجحت النرويج مثلا في انشاء صندوق يمول من الايرادات النفطية وتستعمل فوائده عندما يكون هناك عجز في المالية العامة, وهناك طبعا رقابة نرويجية صارمة علي مايدخل ويخرج منه تجنبا للفساد, وهكذا فصلت النرويج الانفاق العام عن تقلبات أسعار النفط حماية لمواطنيها وللخدمات التي تقدمها الدولة, ان انشاء هذه الصناديق مهم للدول العربية النفطية, وذلك لاستمرارية تمويل الانفاق العام ولتجنب حدوث تقلبات اقتصادية حادة.
واخيرا فإن هناك دولا كفنزويلا تستثمر في الأدوات المالية المشتقة الحديثة بهدف تغطية تقلبات سعر النفط. |
|
|
|
|
|