|
|
أتصور أن الموقف الذي يتعرض له العالم العربي اليوم يتطلب وقفة متريثة للمواجهة الشجاعة والصريحة مع النفس..وأخشي أن مانتعرض له من كرب شديد قد يدفعنا بلا وعي وبلا إرادة منا الي أحد أمرين: إما الافراط في الاكتئاب والشعور بالقهر والعجز والاحباط فنسرف في الشعور بالذنب ونتمادي في جلد الذات, وهذا يسد أمامنا أي طريق للنهوض من كبوتنا, وإما أن نفرط في الانكار فنتمادي في الشعور المتضخم بالذات والاستخدام المرضي لعمليات الاسقاط فنلقي عيوبنا وأخطاءنا علي غيرنا ونتهم العالم كله بالتآمر ضدنا..وهذا يسد أمامنا أي طريق للمواجهة الصادقة مع النفس..وليس أمامنا الا هذه المواجهة مع النفس مستندين الي أنه مازال لدينا رصيد من الوعي والقدرة علي الفهم وأن لدينا امكانات تساعدنا علي تنظيم الصفوف للدفاع عن مستقبلنا, وبذلك نحمي أنفسنا من الاكتئاب ومن البارانويا( أي الغرور الزائف والشعور بالاضطهاد). ولابد من الاعتراف بأن المواجهة مع النفس أمر شديد الصعوبة بالغ التعقيد يتطلب شجاعة ووعيا وذكاء..فالجبان يهرب من مواجهة نفسه, وكذلك الغافل والغبي..وقراءة التاريخ تدلنا علي أن الشعوب العظيمة التي نهضت من كبوتها من بين الذل والهوان والتدمير الشامل لكل امكاناتها مافعلت ذلك الا بان بدأت بالمواجهة مع النفس فتعرفت علي نقائصها ومبررات هزيمتها ثم فتشت عن امكاناتها وقدراتها المتبقية ثم وضعت استراتيجيتها وفقا للغة العصر ومدي ماوصل اليه من علم ثم انطلقت الي العمل الجاد الذي وصل بها الي الصفوف الاولي.
ولاشك أن المواجهة الشجاعة مع النفس تبدأ بمحاولة الوصول الي نقاط الضعف وأوجه القصور وهذا يحتاج الي وعي وذكاء وصحة نفسية( أي اتزان انفعالي وموضوعية فكرية) وكاجتهاد مني لا أدعي معه استمتاعي بالشروط السابقة أري أن أوجه القصور تكمن في الآتي: 1 ـ الافتقار لاستراتيجية جمعية عربية لا لعدم القدرة وإنما لعدم الرغبة وعدم الوعي, فالعرب لايرغبون ولا يعون أهمية التخطيط طويل المدي فالنفس قصير, والرؤية محدودة والقلوب شتي والعقول متنافرة.
2 ـ عدم الالمام بلغة العصر علي الصعيد الدولي السياسي والتي تنمو تجاه التجمع والوحدة في المجال الاقتصادي والدفاع المشترك والذي أدي الي تكوين قوي هائلة بينما الدول العربية ظلت كجزر هزيلة متباعدة. 3 ـ التقاعس عن أخذ دور فعال ورائد وابداعي في مجال العلم والتطبيق العملي في صورة تكنولوجيا متقدمة محلية التصميم في أغلبها وقابلة للتصدير بمقابل ثمين.
4 ـ التأرجح الشديد( والدال علي عدم النضج الانفعالي) مابين اتهام الآخرين والقاء أغلب المسئولية علي عاتقهم كسبب للذل والهزيمة ومابين الشعور بالذنب واتهام الذات وجلدها الي حد الشعور الشديد باليأس والقنوط, وأنه لافائدة في أي اجتهاد, ولا أمل يرجي من المستقبل والنتيجة طبعا شعور مسيطر ثقيل بان العرب لايصلحون لشيء. 5 ـ الدور الهامشي للشعوب مما أدي الي أن تسود روح اللا مبالاة بين الافراد.
6 ـ وكما تغيب شمس الديمقراطية عن بعض الشعوب العربية فان قمر العدالة الاجتماعية يغيب عن بعض الشعوب الاخري مما يجعل افرادها يتخبطون ويتصادمون ويغيب عنهم الهدف الاسمي في بناء المستقبل. 7 ـ أما نقيصة النقائص فإن معظم الشعوب العربية لاتستطيع أن تطعم نفسها أي لاتنتج طعامها وإنما تستجديه في صورة معونات أو قروض مع تسهيلات في السداد, ولكن لكل شيء ثمنه حتي المعونة لها مايقابلها, والمثل القديم يقول(اذا أردت أن يكون رأيك من رأسك فليكن طعامك من فأسك) والحقيقة أنني سمعت هذا المثل من فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله.. والسؤال هنا هل نستطيع حقا أن يكون لدينا اكتفاء ذاتي في الطعام, والاقتصاديون يقطعون بعدم ضرورة ذلك ولكن يجب أن يكون لدينا منتجات أخري نقايض عليها وأن تكون الحدود الاقتصادية مفتوحة بين الدول العربية وأن يتم التنسيق بين برامج التنمية( مادية وبشرية) لشعوب المنطقة فتستحيل بذلك الي قوة اقتصادية لها قاعدة بشرية وامكانات مادية وتستند الي العلم الحديث.
هذا من ناحية النقد الذاتي, أما الوجه الآخر للمواجهة مع النفس فهو التعرف علي امكاناتنا الكامنة والواقعة وكيفية الاستفادة منها لمواجهة الاعتداء الواقع علينا: الي الذل والمهانة والتحكم في المصير بل والتحكم في أسلوب حياتنا. وبدون مغالاة أو تضخيم في الذات فنحن نملك امكانات هائلة أو تصبح هائلة بتجميع الشتات وتوحيد المخططات والبرامج والظاهرة اللافتة للنظر أن المواطن العربي علي المستوي الفردي لديه من الامكانات الذاتية مايتيح له التفوق والتميز وتقدم الصفوت, أما علي مستوي الجماعة فهو ضائع تائه وهذا يجعلنا نضع أيدينا علي لب القضية وهو غياب روح الفريق والحس الجمعي والتوحد مع هدف قومي أسمي, والالتفاف حول مشروع وطني عظيم.. وهذا هو مانجحت فيه دول كثيرة تعرضت للكسر ثم اعادت البناء ثم أصبحت قوي اقتصادية وسياسية لايستهان بها. |
|
|
|
|
|