|
|
لن يقتحم هذا المقال ميدان المعرفة بين' الميديا' والسياسة وهو من اكثر ميادين المعرفة إثارة وغموضا في الوقت نفسه. فغايتنا ابسط وأضيق من ذلك, وهي ببساطة الكشف عن الجذور الفكرية للحملة السياسية والعسكرية التي تشنها الادارة الامريكية الراهنة علي الشرق الاوسط, بدءا من العراق وصولا الي كل الدول المهمة في المنطقة. يسعي البعض للتعرف علي هذه الاصول الفكرية في أدبيات ووسائل اعلام التيارات المتطرفة مثل الصهيونية المسيحيةواليمين الجديد, وهي تيارات تتمتع بنفوذ سياسي في الادارة الحالية, ولكن ما ادعيه هو ان سياسة تلك الإدارة اليمينية لاتستند علي فكر المحافظين الجدد وحدهم. إذ تحتم التركيبة السياسية ان تحافظ اي ادارة علي قواسم مشتركة, وألا تبتعد كثيرا عن' الوسط' السياسي.
وماادعيه كذلك هو ان إحداث تغييرات عنيفة في الجغرافيا والثقافة والنظم السياسية للبلاد العربية صار منذ احداث11 سبتمبر هدفا جوهريا للوسط السياسي وليس للمحافظين الجدد أو اليمين الامريكي وحده. وينعكس هذا الهدف في' الميديا' الامريكية عموما. وفي صحف' المؤسسة' او صحف تيار الوسط السياسي, وبصفة خاصة في الواشنطن بوست.
ليس من الغريب ان تبلور' الميديا' عناصر اساسية لمشروع سياسي كبير مثل تغيير الجغرافيا السياسية للشرق الاوسط. إن تعبير' الميديا' نفسه مشحون بدلالات لايعكسها المصطلح العربي' وسائل الاعلام' فالميديا في الثقافة الامريكية شيء اعقد بكثير مما يعنيه المصطلح العربي. بل انها اكثر من مجرد' وسائط التواصل' او الاتصال, فهي بؤرة الوعي الذي تلتقي عندها هواجس وامزجة وتيارات الفكر. ولكنها في الحالة الامريكية تمتلك القدرة ايضا علي تكوين تلك الهواجس والأمزجة والافكار, لانها تتمتع' بقدرة اقتراحية هائلة' تؤثر بشدة علي السلطة التنفيذية والتشريعية, كما تؤثر علي المؤسسات الوسيطة وعلي المواطن العادي. وتقع' الواشنطن بوست' في قلب عمليات التأثر والتأثير هذه بحكم انها الأقرب الي الوسط السياسي الذي يمتد قليلا داخل الحزب الجمهوري وكثيرا داخل الحزب الديمقراطي. لقد وقع اضطراب شديد في الوظيفة التواصلية' للميديا' الامريكية فور هبوط' احداث11 سبتمبر' كالصاعقة عليها. فلم تكن قد قامت بتعريف المواطن العادي او اعداده وتحضيره لاستقبال اي انباء مهمة عن الشرق الاوسط سوي مايتعلق بإسرائيل. وكان عليها ان تستجيب فورا لتلك الأحداث.
وتمثلت الاستجابة لدي' البوست' في بلورة فكرة عاصفة من حتمية تغيير الشرق الاوسط برمته.فبادرت واشنطن بوست لتقديم تحليل عجيب للارهاب الاسلامي يقول ببساطة إنه لايرتبط بالتهديد الاسرائيلي, وانما بالنظم الحليفة لامريكا في الشرق الاوسط التي ادعت انها طغيانية وفاسدة. ففي افتتاحية عدد11 اكتوبر عام2001 بعنوان' المفارقة العربية' زعمت ان المشكلة هي ان علي امريكا ادخال الدول العربية الي التحالف ضد الارهاب برغم ان هذه النظم هي التي تغذي الارهاب من خلال بث دعاية مضادة للغرب والسامية في المدارس ووسائل الاعلام. وفي افتتاحية11 نوفمبر بعنوان'اعادة النظر في السعودية' اكدت ان الزعماء السعوديين يبعدون شعبهم عن الاهتمام بالحريات بتركيز احباطات هذا الشعب علي اسرائيل. وفي افتتاحية2 ديسمبر طرحت' البوست' فكرتها الأساسية التي تقول إن تعريف الحرب ضد الارهاب يجب توسيعه ليشمل إحداث تغييرات جوهرية في الظروف الاقتصادية الاجتماعية والايدولوجيات والنظم التي تراها الجذور الحقيقية للتطرف والارهاب, وإلا عادت الامور الي ماكانت عليه وهو ماحدث عقب حرب الخليج عام1991. افشت البوست سر الحملة الراهنة مبكرا. ففي افتتاحيتها يوم30 سبتمبر بعنوان' البرهان عي ضرورة القوة' قالت البوست إن علي امريكا ان تستخدم القوة ضد اعدائها خطوة بخطوة. وفي2 ديسمبر قالت' ان علينا ألا نخسر النظم العربية قبل استنفاد امكانياتها في المساعدة في الحرب ضد الإرهاب' وفي20 فبراير اكدت ان علي امريكا الا تنسي ان هدف الحرب ضد الارهاب هو' تغيير الانظمة'.
وطورت' البوست'الفكرة بافتتاحية بعنوان' حديث صريح بين الحلفاء' بدعوة اوروبا للتوافق ضد' النظم غير الديمقراطية' خاصة تلك التي تسعي للحصول علي اسلحة الدمار الشامل. وفي12 مارس حددت الهدف الاول وهو' تحرير العراق من صدام' وعلينا ان نصحح انطباعا عاما في العالم العربي ان' الميديا الامريكية ليست لها هم سوي نشر الدعاية الصهيوينة والدفاع عن اسرائيل, مهما تفعل, واقتراح كل سياسة باسم اليهود. هناك بالطبع من يفعل ذلك طوال الوقت. ولكن هناك نضالا متصاعدا وواسع النطاق ــ وان كان محصورا في أقلية مثقفة ــ ضد الصهيونية واليمين الصهيوني من جانب منظمات وشخصيات يهودية معادية للتطرف الاسرائيلي وللظلم الواقع علي الشعب الفلسطيني. ويتمتع هؤلاء التقدميون اليهود ببعض التأثير في الصحف الكبيرة. أما البوست فهي تتحدث اساسا باسم' المؤسسة الحاكمة' في امريكا وليس بأسم اسرائيل. فقد دأبت' الواشنطن بوست' علي الهجوم علي شارون والحكومة اليمينية في اسرائيل بقدر مدهش من الانسجام, ولكن ذلك لايمنع او يقلل من حقيقة انها اظهرت انسجاما ودأبا فريدا أيضا في الهجوم علي' النظم الحليفة لامريكا' في المنطقة, وفي نسب جذور الإرهاب لهذه النظم, وفي الدعوة الصريحة لضرورة تغييرها بالقوة إن لزم الامر.إذ تعتقد' البوست' ان المجتمعات العربية عاجزة عن تغيير ذاتها بقدراتها الداخلية. فهي لاتملك ارادة التغيير ولهذا يجب ــ في رأيها ــ أن يأتي التغيير من الخارج, خاصة من امريكا صاحبة المصلحة في هذا التغيير بعد احداث11 سبتمبر. رلهذا دعت البوست في البداية إلي تطبيق الطريقة التي جربها الامريكيون مع بلاد اوروبا الشرقية, والتي جسدتها' اتفاقية هلسنكي' والفكرة الاخيرة تكمن وراء البرنامج الذي تبحثه وزارة الخارجية( كولين باول) بدون حماس كبير, وربما لهذا السبب اخذت لغة القوة تزحف في افتتاحيات' البوست' ليس فقط في مواجهة العراق, وانما كل دول المنطقة.
وقد انعكس هذا المعني في مشروع القرار الذي ارسله الرئيس للكونجرس طالبا استخدام كل الوسائل الضرورية بما فيها القوة العسكرية ليس فقط ضد العراق وإنما ايضا لاستعادة الأمن والسلام في الشرق الاوسط. والقضية مازالت بحاجة الي المتابعة. |
|
|
|
|
|