ملفات الأهرام

42301‏السنة 126-العدد2002سبتمبر30‏23 من رجب 1423 هـالأثنين

عامان علي انتفاضة الأقصي
بين همجية إسرائيل والمقاومة المشروعة
بقلم : د‏.‏ حسن أبوطالب

دخلت الانتفاضة الفلسطينية عامها الثالث في ظل أوضاع اكثر صعوبة عما كانت عليه قبل عامين‏,‏ وهي صعوبة تصل الي حد الكارثة الإنسانية‏.‏ وللوهلة الأولي تبدو نتائج المقارنة بين الأوضاع الفلسطينية وقت اندلاع الانتفاضة قبل عامين وبين الوقت الراهن في غير صالح الفلسطينيين‏,‏ فالاحتلال قد عاد في معظم ارجاء الأراضي التي أخذت قدرا من الحكم الذاتي علي طريق الاستقلال والسلطة الوطنية الفلسطينية وقيادتها المحاصرة في رام الله في وضع سلبي بكل المقاييس‏,‏ فيما يسير الحوار الفلسطيني الداخلي بوتيرة بطيئة لا تتناسب مع حجم الضغوط والتحديات الماثلة أمام كل عين‏.‏
وفي مثل هذه المقارنة يجد البعض أن حصيلة الانتفاضة الفعلية هي النقيض الكامل لكل ما قيل في أسباب وأهداف اندلاعها‏,‏ ومن ثم يستنتج أن تلك الحصيلة هي نتيجة حتمية لما يسميه الأخطاء الاستراتيجية الكبري التي وقعت فيها السلطة الوطنية وقياداتها وكذلك الفصائل الفلسطينية الجهادية‏.‏ ويتطرف البعض في استنتاجاته الي حد الشماتة في قيادة عرفات‏,‏ وفي المنهج الذي استخدمته الفصائل الفلسطينية التي التقت علي نوع من عسكره الانتفاضة واتباع أساليب توصف بالعنيفة‏,‏ ويصل تطرف الاستنتاج لدي البعض‏,‏ حيث يبشر بتصفية القضية الفلسطينية ذاتها‏.‏

السلبية الظاهرية
ورغم الحصيلة السلبية الماثلة علي الأرض الفلسطينية وفي حصار الرئيس عرفات وعدد من رفاقه فيما تبقي من المقر الرئاسي برام الله‏,‏ يبدو موضوع المقارنة بين ما قبل الانتفاضة وما بعدها ظاهريا الي حد كبير‏,‏ فقضايا التحرر والاستقلال لا تقارن نتائجها الا بنهايتها الأخيرة‏,‏ وليس بمراحلها الجزئية التي تحتمل نوعا من الاخفاق أو قدرا من النجاح‏.‏
فما يجري علي الأرض ورغم كل ما فيه من تراجع وانتكاسات بالنسبة للفلسطينيين‏,‏ فهو لا يقدم للطرف الآخر أي ميزة استراتيجية حقيقية بقدر ما يضعه أمام مأزق كبير يمس هوية المشروع الصهيوني نفسه ومستقبله القريب قبل البعيد‏.‏ واذا كان الإسرائيليون في غمرة همجيتهم وشعورهم بالقوة الزائفة وبتغطية أمريكية سافرة‏,‏ يمكنهم احداث أكبر درجة ممكنة من القتل والتدمير وتجريف الأراضي وسرقة الموارد المائية ومحاصرة الشعب الفلسطيني وتجويعه‏,‏ فالمؤكد أن كل هذه الأساليب لن تصفي القضية الفلسطينية بالطريقة التي يتصورها عتاة اليمين الصهيوني‏,‏ ولن تقدم لهم ما يتوهمونه من انتصار ساحق علي الارادة الجماعية الفلسطينية‏.‏ ولعل المظاهرات الفلسطينية العفوية التي خرجت تأييدا للرئيس عرفات ورفضا لكل اجراءات الحصار الهمجي الإسرائيلي‏,‏ وأيضا مظاهر خرق إجراءات حظر التجوال في عدد من مدن الضفة الغربية‏,‏ تكشف عن مدي الصلابة التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني‏,‏ وإصراره علي التمسك بأرضه وبحقوقه القومية والوطنية التي لم ينازعه فيها أحد أيا كان‏,‏ وتشير مؤشرات عدة إلي أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد انفجارا آخر‏,‏ أو بالأحري كارثة أخري قي إقليم غزة‏,‏ الذي ت
وعد شارون سكانه باجتياح القطاع كاملا متي أعد العدة لذلك‏.‏ واذا ما تم اجتياح غزة ستكتمل حلقة الاحتلال الإسرائيلي المباشر لكل أراضي السلطة الفلسطينية‏,‏ وعندئذ سيكون السؤال ماذا يجب علي الفلسطينيين أن يفعلوا؟‏,‏ هل يقدمون الزهور والورود لقوة الاحتلال أو بالأحري يستسلمون لهمجية شارون وعصابته الحاكمة‏,‏ أم يراجعو استراتيجيتهم وسياساتهم ويتمسكون بأمل قيام المجتمع الدولي الغائب عن الوعي بالضغط علي الدولة العبرية‏,‏ أو أن تفيق الولايات المتحدة من سباتها وهي المتواطئة مع الهمجية الإسرائيلية قولا وفعلا‏,‏ لعل ذلك يعيد احياء المفاوضات مع حكومة عنصرية يقودها إرهابي قاتل‏,‏ أم يقررون مواصلة المقاومة والانتفاضة ويعدون أنفسهم لكل صنوف الضغط والمعاناة وإرهاب الدولة العبرية المنهجي وعنصريتها غير المسبوقة‏,‏ حتي يصلوا الي هدفهم المشروع بتحرير الأرض وإقامة الدولة ذات السيادة؟‏.‏
إنها بالفعل لحظة الخيارات الصعبة‏,‏ ولحظة القرار المصيري والحاسم وفي مثل هذه اللحظات التاريخية والحاسمة فإن التقييمات الانفعالية او النظرة قصيرة النظر حين تتحكم في القرار المطلوب‏,‏ تعد أكثر خطرا من همجية الاحتلال وتورط القوة الأكبر في سياسات عدوانية مباشرة أو غير مباشرة‏.‏ كما أن التوصيف الخاطيء لطبيعة اللحظة وتحدياتها يمثل كارثة في حد ذاتها‏,‏ لان الخلط بين الطبيعة التاريخية للقضية الفلسطينية‏,‏ وهو الأمر الثابت‏,‏ وبين ضغوط اللحظة وهي الأمر المتغير يمكن أن يقود الي تصفية القضية بالطريقة التي يريدها شارون وعصابته الحاكمة علي الأقل لفترة مقبلة‏.‏ وكأننا نقدم له الهدية التي يرغبها من خلال تقديم النصائح الكارثية للشعب الفلسطيني‏,‏ أو الضغط عليه وعلي قيادته لكي تتخذ ما يتناسب مع همجية الكيان العبري وعدوانيته‏.‏

أصل القضية وجذرها
ودرءا للوقوع في هذا الفخ الذي ينصبه البعض بوعي للشعب الفلسطيني‏,‏ وينصبه البعض الآخر بدون وعي‏,‏ يبدو من المهم تأكيد عدد‏4‏ من العناصر الحاكمة للقضية الفلسطينية‏.‏ أول هذه العناصر وأهمها أن القضية الفلسطينية في جوهرها قضية تحرر وطني بكل ما تعنيه الكلمة‏.‏ والمفهوم المباشر لقضايا التحرر الوطني يعني بوجود شعب أو فئة صاحبة حق مشروع تناضل من أجل الحصول علي هذا الحق من براثن قوة غاشمة ومعادية‏,‏ أباحت لنفسها اغتصاب الأرض والموارد والتاريخ‏,‏ وتحاول بكل قوة أن تصادر المستقبل وفقا لشريعة الغاب والقوة‏.‏ وفي كل التاريخ الانساني المكتوب وغير المكتوب فإن أصحاب الحق لم يكن أمامهم سوي طريق واحد لارجعة عنه‏,‏ وهو النضال المستمر والتضحية بالنفس والمال‏.‏
العنصر الثاني يتعلق بأن القضية الفلسطينية ذات بعد قومي عربي‏,‏ وأيا كان الوضع العربي الرسمي الراهن من ضعف وقلة تأثير في مجريات الصراع مع إسرائيل‏,‏ فإن شرعية أي حل علي المسار الفلسطيني لا تكتمل الا بالقبول العربي العام‏,‏ وهذا ما يدركه الفلسطينيون ويتمسك به العرب جميعا‏,‏ وهو ما يمثل قيدا عمليا ومعنويا وسياسيا علي أي تحرك إسرائيلي ـ أمريكي فيما يتعلق بفرض حل أو تسوية لا تتضمن الحد الأدني من الحقوق الفلسطينية المشروعة‏.‏

العنصر الثالث يتعلق بمفهوم المقاومة المشروعة‏,‏ وتلك بدورها قائمة علي منطق الأشياء وحكمة التاريخ‏,‏ والشرائع الدينية‏,‏ والمعايير الوضعية التي ارتضتها البشرية لنفسها ممثلة فيما يسمي القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الجماعية‏,‏ والتي تشرع جميعها مبدأ مقاومة الاحتلال الغاصب‏,‏ وتضفي عليه قدسية إنسانية واحتراما بالغا‏,‏ لأنه ببساطة متناهية يعني بالانصاف وإقامة العدل‏.‏
العنصر الرابع ينبع من خصوصية القضية الفلسطينية ذاتها في بعدها الإسلامي‏,‏ فهي الي جانب كونها قضية تحرر وطني وذات بعد قومي عربي‏,‏ فهي أيضا ذات بعد ديني واضح لا يمكن إغفاله ولا يمكن إنكاره‏.‏ فكما أن الحركة الصهيونية أقامت دعواها بشأن اغتصاب أرض فلسطين وانشاء الكيان العبري فيها علي ادعاءات دينية‏,‏ الجزء الأكبر منها قائم علي تزييف وقح للتاريخ والوقائع‏,‏ فإن الحقوق الفلسطينية تتضمن بدورها أبعادا دينية إسلامية ومسيحية‏,‏ تنطق كلها بالحق وتستند الي وقائع ثابتة لا يمكن التغاضي عنها‏,‏ كواقعة الاسراء والمعراج بالنسبة للمسلمين‏,‏ والتي تجعل من ارض المقدس مكانا مباركا بنص القرآن‏,‏ وذا قيمة دينية عظيمة لا يجوز التفريط فيها‏,‏ ولا يحق لأحد من قادة العرب أو المسلمين يسلمها لغير المسلمين‏,‏ أو يقبل بذلك أو يسهم في تحقيقه علي أي نحو‏.‏ وهو ما أشار اليه الرئيس مبارك مرارا في معرض تأكيده أن رفض عرفات لأفكار رئيس وزراء الكيان العبري السابق باراك في مفاوضات كامب ديفيد يونيو‏2000,‏ كان بسبب غموض العرض العبري بشأن عودة الأماكن المقدسة للسيادة الفلسطينية‏,‏ وانطوائه علي نوع من الخداع الذي يجعل عرفات يقبل بسيادة إسرائيلية يهودية علي المسجد الأقصي والأماكن الإسلامية الأخري‏.‏
إن هذه الثوابت الأربعة تعد الأصل والجذر الحاكم في القضية الفلسطينية‏,‏ وأيا بحث في حاضر القضية أو مستقبلها ينكر أي من تلك الثوابت يقود حتما الي نتائج خاطئة وكارثية في الآن نفسه‏.‏

عوامل متغيرة
وفي الجانب الآخر من الصورة توجد عناصر الحركة‏,‏ أو العوامل المتغيرة‏,‏ والتي قد تكون لها سطوة في مرحلة بعينها‏,‏ ولكنها بحكم تعريفها وطبيعتها قابلة للتغير والتحول علي نحو حاسم‏,‏ فلا القوي يظل قويا الي الأبد‏,‏ ولا الضعيف يظل ضعيفا الي الأبد‏.‏ وبما أنها عوامل متغيرة فهي قابلة للتعديل والحذف والاضافة‏,‏ وقابلة أيضا للظهور والاختفاء‏.‏ وعوامل تتسم بمثل هذه السمات يعني أنها يمكن أن تؤثر علي شكل القضية ومسارها في مرحلة بعينها‏,‏ ولكنها لا تقود أبدا الي فساد الجوهر أو إنكاره‏,‏ إلا لمن لا يحسنون التفرقة بين الأصول والفروع‏,‏ ويخطلون بين شكل الشيء ومضمونه‏.‏
ويمكن تقسيم العوامل المتغيرة التي تحكم مسار الصراع العربي ـ الإسرا ئيلي ـ الصهيوني في المرحلة الراهنة الي شقين متكاملين‏,‏ أحدهما يتعلق بالصراع ككل‏,‏ والثاني يتعلق بالموقف الفلسطيني‏.‏ وفيما يتعلق بالعوامل الخاصة بحالة الصراع ككل‏,‏ فهي‏:‏

ـ اختلال توازن القوي لصالح الكيان العبري‏.‏ وأبرز جوانبه شقان‏,‏ الأول القوة العسكرية سواء المعدات أو الأسلحة أو الصناعات العسكرية‏,‏ والثاني يتعلق بالتطور العلمي والبحثي‏.‏
ـ الانحياز الأمريكي السافر وغير الرشيد للدولة العبرية وسياستها الهمجية التي يقودها شارون وعصابته‏.‏

ـ الاختلال الشديد في النظام الدولي لصالح القوة والهيمنة الأمريكية‏,‏ وبما لا يسمح بتحرك دولي منصف للشعب الفلسطيني وحقوقه‏.‏
ـ الضعف العربي العام‏,‏ والشعور السائد بعدم القدرة علي الفعل والمبادرة والاكتفاء بسياسات رد الفعل واحتواء المخاطر والنكسات‏.‏

ـ الضعف الشديد للعالم الإسلامي‏,‏ والذي يشكل عمقا معنويا ورمزيا وسياسيا للقضية الفلسطينية‏.‏
ـ ضعف دور المؤسسات والمنظمات الدولية العاملة علي تطبيق قواعد القانون الدولي والانساني‏.‏
ـ ضعف دور وتأثير الرأي العام العالمي في مناصرة الشعب الفلسطيني‏,‏ نتيجة سطوة الإعلام الدولي الموجه صهيونيا وأمريكيا‏.‏

المشهد الفلسطيني
علي الجانب الفلسطيني فإن عناصر المشهد الراهن‏,‏ وهي بدورها متغيرة وليست ثابتة تقدم بدورها تفسيرا لحالة الاخفاق الشديد في المرحلة التاريخية الراهنة من جانب‏,‏ والمعاناة الهائلة التي يخوض فيها الشعب الفلسطيني من جانب آخر‏.‏ وأبرز هذه العناصر ما يلي‏:‏
ـ غياب برنامج سياسي واضح الملامح يكون محلا للاتفاق بين القوي والفصائل الفلسطينية المختلفة والمتعددة المصادر الفكرية‏,‏ يحدد نوعا من التوافق علي طبيعة المرحلة الراهنة ويحدد لها الأساليب الأكثر ملاءمة للتعامل معها‏,‏ دون أن يعني ذلك التخلي عن ثوابت القضية ذاتها‏,‏ وأبرزها مشروعية المقاومة‏.‏

ـ التناقض الشديد بين منطق السلطة الوطنية الفلسطينية في التفاوض وتوظيف وسائل المقاومة بأشكالها السلمية أو ما فوقها‏,‏ وبين منطق الفصائل الجهادية التي تفضل التوظيف اللا نهائي للمقاومة ذات الطابع العسكري وفي كل ارجاء الأرض التاريخية لفلسطين المغتصبة‏.‏
ـ الأخطاء السياسية والتكتيكية التي وقعت فيها السلطة الفلسطينية في بعض المراحل‏,‏ وقبولها أو تغاضيها عن انخراط بعض قياداتها السياسية والعسكرية في تعاملات مباشرة مع الاحتلال ذات طابع تجاري وغير تجاري‏,‏ مما افسد العلاقة بين رموز كثيرة في السلطة والشعب الفلسطيني‏,‏ وافرز ما يشبه التمايز الطبقي الحاد بين شرائح الشعب الفلسطيني‏.‏

ـ قيام الفصائل الإسلامية والجهادية بعدد من عمليات المقاومة العسكرية في توقيتات غير ملائمة لاسياسيا ولا عسكريا‏.‏
ـ فشل الفصائل الفلسطينية رغم اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية في قراءة العديد من التطورات السياسية الإقليمية والدولية‏,‏ وأبرزها ما جري في‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ لاسيما من حيث تأثيرها المباشر علي القضية الفلسطينية نفسها‏,‏ وكيفية النفاذ من دائرة تداعياتها السلبية‏.‏

تصاعد الهمجية الإسرائيلية
إن كان ثمة مسئولية علي الجانب الفلسطيني قيادة وسلطة وفصائل جهادية إسلامية وراء التعثر الذي تعيشه القضية الفلسطينية‏,‏ فإن مسئولية الكيان العبري تحت قيادة شارون لا تقارن بالمسئولية الفلسطينية علي أي نحو‏,‏ فهي قوة الاحتلال ذات الطابع العنصري‏,‏ وهي الأكثر قوة عسكريا ونفوذا مقارنة بالفلسطينيين‏,‏ وهي الأكثر ادعاء كذبا ونفاقا بتمثيل الحضارة الغربية المتفوقة انسانيا وديمقراطيا وهي التي تتحكم بالموارد وبوقع الحياة اليومية لكل الشعب الفلسطيني‏.‏ ورغم ادعاءات التحضر والديمقراطية‏,‏ فإن كل الوقائع الثابتة تكشف عن كيان عنصري فج‏,‏ لا يحترم اي اتفاقات أو قرارات دولية‏,‏ وكل همه الأكبر ممارسة صنوف القهر والتجويع والحرمان علي شعب بأسره‏,‏ ويقوده رجل لا يعترف بأي إشارات حمراء وفقا للاسم الذي يعنون به مذكراته السياسية‏,‏ في إشارة ذات دلالة حول معني الخروج عن القواعد العامة ونظم القيم التي تحكم حركة الشعوب والمجتمعات‏,‏ ويشاركه عسكري آخر‏,‏ هو موشيه يعلون كرئيس لأركان جيش الاحتلال‏,‏ يؤمن بنظرية ثبت فشلها تاريخيا‏,‏ وهي نظرية الحسم التاريخي باستخدام القوة المفرطة من أجل إلتحاق هزيمة كبري بالخصم‏,‏ ومن ثم كسر ارادته‏,‏ ودفعه لقبول أي شيء بعد التخلص من قياداته التاريخية التي تمثل قيدا علي تقديم التنازلات المطلوبة من قوة الاحتلال‏.‏

وبالطبع‏,‏ فإن مسئولية الهمجية الإسرائيلية وسياسات العقاب الجماعي عن حجم التدهور في القضية الفلسطينية‏,‏ لا تكتمل دون الاشارة الي المسئولية الأمريكية المباشرة عن حالة الانفلات الإسرائيلي‏.‏ ويمثل التنازل الأمريكي عن ثلاثة عناصر ـ وهي منع إسرائيل من إعادة احتلال واجتياح وإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية المصنفة‏(‏ أ‏)‏ تبعا لاتفاقيات أوسلو‏,‏ وعدم مس الاحتلال بالقيادات الفلسطينية‏,‏ وعدم المس بمؤسسات السلطة المدنية والأمنية ـ تغييرا سلبيا كليا في الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية‏,‏ وبما أعطي اكثر من ضوء اخضر للضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات والتعهدات والالتزامات المتبادلة‏.‏ وفي ظل وضع كهذا يصبح الأمر مؤهلا لتدهور خطير‏,‏ لاسيما ان طبيعة شخصية شارون اللا منضبطة والتي لا تعترف بأي قيود من شأنها ان تقود المنطقة الي كارثة كبيرة‏,‏ ومع ذلك فلن تؤدي الي تصفية القضية الفلسطينية‏,‏ أو إلقائها الي ركن التنازلات المهينة‏.‏
إن الانتفاضة الفلسطينية كتعبير جامع للمقاومة الفلسطينية المشروعة بكل أشكالها السلمية وغير السلمية‏,‏ مؤهلة للتكيف والتواؤم مع متغيرات اللحظة وتحدياتها‏,‏ شريطة الوعي بطبيعة تلك التحديات من جانب‏,‏ وعدم التنازل عن العناصر الحاكمة للقضية الفلسطينية من جانب آخر‏.‏ فالتعرض لإخفاق جزئي أو تعثر عابر‏,‏ أيا كان حجمه‏,‏ لا يمثل سببا للتنازل عن الحق والاستسلام للعدوان‏,‏ بقدر ما يدعو الي النهوض والتشبث بالحقوق والاستعداد لمزيد من التضحيات من أجلها‏.‏ والتاريخ من قبل ومن بعد لم ينصف سوي الأقوياء ذوي الحجة والقضية العادلة‏,‏ ولم يعترف أبدا بشرعية الهمجية والقوة الغاشمة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية